اليوم هو جزء من المشكلة وغدا يمكن أن يصير جزءا من الحل.. من هو هذا الذي يملك أن يتحول من الضفة إلى نقيضها.. من قُفل إلى مفتاح؟ إنه فؤاد عالي الهمة، مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة وأحد المهندسين الكبار للعهد الجديد.. كيف ذلك؟ كل من تسأله من الطبقة السياسية عن حزب الجرار وعن وضع الهمة الآن يقول لك إن الحل هو ابتعاد الملقب بصديق الملك عن الأصالة والمعاصرة، وعن العمل السياسي الحزبي، وأن يكتفي الرجل بامتياز القرب الذي يحظى به إلى جانب الملك.. هناك حيث هو الآن يستطيع أن يقدم الكثير الكثير للمغرب وللعرش وللجالس عليه... لماذا ترفض جل الأحزاب (العدالة والتنمية، التقدم والاشتراكية، الاستقلال، والاشتراكي الموحد، والاتحاد الاشتراكي...) استمرار الهمة فاعلا حزبيا؟ يقولون لأنه يملك قبعتين.. واحدة ملكية والأخرى حزبية، وهذا أمر لا يستقيم لأنه يضر بمبدأ التنافسية في السياسة، عماد الديمقراطية. يفند الهمة التهمة بالقول: وهل صداقة الملك عيب أو حرام؟ يقولون إن مؤسس حزب الجرار يستعين بنفوذ الدولة لتحقيق مآربه. يجيب الهمة بالنفي، ويقول إن سر نجاح حزبه كامن في فشل الآخرين الذين هجرهم الناس الذين لم يشاركوا سوى بنسبة %20 في آخر انتخابات تشريعية. يرد الخصوم بأن الهمة يوظف اسم الملك والانتساب إلى مشروعه في استقطاب الناس الذين يتبعونه ظنا منهم أنه موفد الملك إلى الحقل الحزبي. ويدحض الهمة التهمة بأختها: ومن من الأحزاب لا يوظف المشروع الملكي والأوراش الملكية في خطابه السياسي؟ ومن من الأحزاب يرفض أن تتاح لأي من زعمائه وضعية الهمة في يوم من الأيام؟ ثم يصارحهم بحقيقتهم: الآن فقط صار القرب من الملك مشكلا؟ لماذا لم يكن كذلك عندما كان %99 من زعماء الأحزاب ورؤسائها يطالبون بتدخلي لدى الملك لإيصال رسالة أو مطلب أو ملتمس، (بما في ذلك حزب العدالة والتنمية، الذي سلم أمينه العام السابق، سعد الدين العثماني، رسالة إلى الهمة طالبا منه وضعها بين يدي الملك عقب تفجيرات 16 ماي، والحملة التي شنت على الحزب لتحميله مسؤولية الوقوف المعنوي خلف الإرهاب)... يردون عليه نعم هذا صحيح لكنك آنذاك كنت موظفا في خدمة الدولة عندما كنت في وزارة الداخلية، أما الآن فالوضع يختلف. إنه سجال سياسي مفيد لتوضيح الصورة، ورغم أنه لا يتم مباشرة بل من وراء إشارات متفرقة ورسائل ضمنية، فهو سجال سياسي حقيقي. الآن لم يعد هذا السجال مقتصرا على «إخوان الحرفة الواحدة»، أي الأحزاب، بل صار شأن الرأي العام عموما، خاصة بعد خروج حركة 20 فبراير بشعارات مناهضة للوافد الجديد.. أيا تكن الاعتبارات التي حكمت ظهور هذا الحزب، وأيا كانت الدواعي التي دفعت الهمة إلى الخروج من أكواريوم السلطة إلى بحر السياسة، فإن انسحابه من الحزب الذي أسسه صار مؤشرا من مؤشرات «الانفراج السياسي»، وعنوانا لبداية مرحلة جديدة في يوميات السياسة بالمغرب، فسواء أحب الهمة أم كره، فإن حزبه طبع ملصقا كبيرا على جبين الدولة مكتوب فوقه: «الأصالة والمعاصرة حزب الدولة»، في وقت أصبحت فيه هذه الأخيرة في غنى عن أن ينتسب إليها حزب من الأحزاب التي صار جلها مثل الهم على القلب. فؤاد عالي الهمة رجل سياسة، والبعض يراه رجل دولة، لكنه إنسان في نهاية المطاف، ويحتاج إلى «تعويض سياسي» وسيكولوجي.. أي مخرج مشرف له من الحزب الذي يعتبره واحدا من أبنائه، فلا يعقل أن يظهر بمظهر المنهزم أو الخاضع لنفوذ الشارع أو جزء منه على الأقل، ولهذا فإن تعيينه مستشارا خاصا للملك يمكن أن يجعل منه جزءا مهما من الحل عوض أن يكون جزءا من المشكل.