إلغاء الرحلات البحرية بين إسبانيا وطنجة    أكاديمية المملكة تُعيد قراءة "مؤتمر البيضاء" في مسار التحرر الإفريقي    انهيار ترابي يتسبب في إغلاق مؤقت للطريق الوطنية رقم 2 بين الحسيمة وتطوان        المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    المجلس الوطني..    مجلس الحسابات يسترجع من الأحزاب 36 مليون درهم غير مستحقة ويطالبها بإعادة 22 مليونا أخرى    رياح عاصفية تتسبب في انقلاب شاحنة بإقليم الحسيمة    صعقة كهربائية تنهي حياة شاب ببرشيد    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    كأس أمم إفريقيا بالمغرب تحقق 6 مليارات مشاهدة رقمية    العصبة الاحترافية تقرر تغيير توقيت مباراة اتحاد طنجة والكوكب المراكشي    تدخل ميداني سريع لجماعة مرتيل عقب سقوط أشجارا إثر رياح قوية    صناعة الأبطال والرياضة المدرسية.. رؤية الحكومة لضمان الاستدامة الرياضية ببلادنا    تجديد الترحيب بالمغرب كعضو مؤسس في مجلس السلام... إشارات سياسية تؤكد مركزية المملكة في معادلات الاستقرار الدولي    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    البرلمان المغربي ينظم أشغال الدورة الخامسة للمنتدى البرلماني المغربي-الفرنسي    نشرة إنذارية.. أمطار قوية ورياح عاصفية الأربعاء والخميس بعدد من مناطق المملكة    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    حزب التقدم والاشتراكية يدعو إلى مقاربة شمولية لمونديال 2030 وينبّه إلى الفوارق المجالية    الصين تسجّل 697 مليون عملية دخول وخروج خلال 2025    إفريقيا تترقب قرارات "نهائي الكان" .. وأدلة دامغة تقوي مواقف المغرب    أشرف حكيمي يعود إلى باريس سان جيرمان لمواجهة نيوكاسل في دوري الأبطال        الاتحاد الإفريقي في ورطة ويبحث عن "مُنقذ" لتنظيم نسخة 2028    المالكي يرفض "التدخل السافر" في الشؤون العراقية بعد معارضة ترامب ترشيحه لرئاسة الوزراء    البطل عمر حموليلي يشرّف العرائش ويتألق في بطولة كتالونيا بإسبانيا    المغرب أكبر من هزيمة... والإنجازات أصدق من الضجيج    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الأربعاء    لأول مرة السيارات الكهربائية تتجاوز مبيعات البنزين    الجبهة المغربية لدعم فلسطين تعلن انخراطها في يوم عالمي للنضال من أجل الأسرى الفلسطينيين    الذهب يواصل ارتفاعه الكبير متجاوزا 5200 دولار للمرة الأولى        توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط    ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟        كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحراك السلمي في الحسيمة والنواحي: ماذا بعد "غضبة الملك والشعب"؟
نشر في هسبريس يوم 30 - 06 - 2017

منذ أكثر من ثمانية أشهر وكرة الثلج تتدحرج بعيدا عن اهتمام أصحاب القرار القابعين في مكاتبهم المكيفة غير آبهين بلظى العيش التي يكتوي بها كل من رمت به أقداره بعيدا عن دائرة المركز الجغرافي والطبقي. ثمانية أشهر عجزت خلالها الدولة بكل مؤسساتها عن إخماد فتيل أزمة ما كانت لتصبح على ماهي عليه لولا استمرار المركز في صممه المزمن وعنهجيته الزائدة كفاعل مركزي مهيمن. ثمانية أشهر كانت كافية، لتجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا خوفا على مستقبل الوطن.
كيف لا، والسلطة المركزية لم تجتهد ولم تغير من وسائل تعاملها مع الأزمات الاجتماعية، بل وكأنها تسعى إلى فرملة عقارب مغرب القرن الواحد والعشرين والرجوع بها إلى ستينيات القرن الماضي باعتماد نفس الأدوات ونفس المقاربات غير الناجعة، تخوين وقمع ومنع وترهيب واعتقال...، في سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية وتكنلوجية لم يستوعبها بعد عقل السلطة المركزية التقليدية ونواتها الصلبة "المخزن". ث
مانية أشهر خرجت خلالها نساء ورجال الحسيمة ونواحيها وصدحت حناجرهم مطالبين بالكرامة والعدالة الاجتماعية وتعبيرا عن غضبهم من حالة التهميش والفقر والبطالة التي ترزح تحتها "منارة المتوسط"، هذا الغضب تردد صداه لينفلت من الحدود الضيقة للمنطقة ويمتد عبر كل جهات الوطن ليصبح غضبا شعبيا موحدا خيطه الناظم هو المطالبة بالعدالة الاجتماعية وتوفير شروط العيش الكريم. ولأن هذا الغضب كان صادقا ونابعا من حس وغيرة وطنيين وإيمان مشروع بحق بلادنا وكل ثغورها في الازدهار والتنمية المتوازنة والعادلة، لم يبق حكرا على أبناء الشعب المغربي بل امتد إلى أعلى هرم السلطة، حيث عبر الملك خلال المجلس الوزاري الأخير عن غضبه واستيائه من تأخر إنجاز المشاريع المبرمجة والتي يمكن بفعللتراكمها الكمي والنوعي أن تخفف من واقع البؤس والتهميش.
إن حراك مدينة الحسيمة والنواحي والذي تتقاطع فيه "غضبة الملك والشعب" حول تقييم الانعكاسات التنموية للسياسات العمومية على المعيش اليومي للمواطنين، خاصة في مجالات حيوية كالصحة والتشغيل والتعليم والسكن والبنى التحتية، أفرز تضامنا شعبيا واسعا انخرطت فيه قوى وطنية ديمقراطية سياسية نقابية مدنية وإعلامية مستقلة، فأصبح يجسد نوعا من الإجماع الوطني حول مطالب اجتماعية مشروعة وعادلة تتركز في ضمان الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والاستبداد. ولا ينبغي التعاطي مع الأمر وكأنه سحابة صيف عابرة أو الارتكان الساذج لنظرية المؤامرة، بل ينبغي التعاطي مع هذا الحراك السلمي باعتباره قوة بناء اجتماعية ناعمة مواطنة هادئة وممتدة أفقيا وعموديا تتغذى بالذكاء والطموح الجماعي في بناء مغرب يحتضن ويصون حرية وكرامة كافة بناته وأبناءه. قوة فعل اجتماعية مستقلة دافعة نحو المستقبل ومشحونة بطاقات شبابية صاعدة تتنفس أريج الحرية في عالم منفتح وشفاف لا مكان فيه لاحتكار السلطة أو النفوذ أو المعلومة.
ولا شك أن مسؤولية الحكومة والأحزاب المشكلة لها، ثابتة في تطور الأوضاع والعجز عن معالجة هذا الملف، بل وتتحمل مسؤولية كبرى في تعقيده والرفع من منسوب الغضب والاحتقان الاجتماعي، على الأقل، لخمسة أسباب: أولها هدر غير مسؤول للزمن السياسي خلال فترة تشكيل الحكومة نتيجة استهتارها بجسامة المسؤولية وانشغالها بصراعات وهمية تستبيح المصالح الوطنية وتنتصر للنزعات الضيقة للذوات الحزبية المترهلة، ثانيها: التشكيك المُعاب شكلا ومضمونا للأحزاب المشكلة للحكومة في وطنية المتظاهرين ونعتهم بالانفصاليين ودعاة الفتنة، ثالثها انتظارية الحكومة وتأخر مبادرتها ورد فعلها لحل الأزمة، رابعها تأزيم الوضع عبر اللجوء إلى المقاربة الأمنية من خلال قمع المظاهرات السلمية وشن حملة اعتقالات واسعة في أوساط شباب الحراك، خامسها استغلال الإعلام العمومي وتسخير أماكن العبادة في تأليب الرأي العام وتشويه صورة الاحتجاجات السلمية، وهو ما أفرز ردود فعل شكلت منعطفا فيما يجري اليوم. وهي، من بين أخرى، أسباب كافية لتجعل مفاتيح حل الأزمة تخرج من ملعب الحكومة وممثليها كنتيجة منطقية لزعزعة شرط الثقة التي أفرزها سوء التقدير ووهم التفوق اللوجيستي والمعرفي للمركز المتحكم في عوالم الاقتصاد والسلطة والقرار على حساب الهامش المحكوم، وفق نفس الوهم، بلازمة التبعية والخضوع. فكم سيلزمنا من الوقت حتى تعمل السلطة الحاكمة في بلادنا بآليات التدبير الاستشرافي والتوقعي للأزمات، بما فيها ذات الطابع الاجتماعي؟ ألا يعي مهندسو مركز القرار أن تأمين مستقبل البلاد يكمن في وضع السلطة الحكومية في خدمة الشعب ولاشيء غير خدمة الشعب؟ ألا تعلم النخب الحاكمة أن الاحترام التام لحقوق الانسان والتدبير التفاوضي المتكافئ والمشترك يسهم في تحنب الهزات الاجتماعية والتخفيف من آثارها؟ ألا يدرك عقل السلطة الحاكمة أن المس بالحقوق والحريات أضحت أكثر كلفة في عصرنا الحالي داخليا وخارجيا؟
وقد كان لمجلس الوزراء الأخير أن يشكل متنفسا إيجابيا لتهيئة شروط معالجة الملف، لولا تهور العقل الأمني للسلطة في محاصرة المدينة واستعمال القوة المفرطة وشن حملة اعتقالات بالجملة في صفوف المتظاهرين يوم عيد الفطر بشكل يسيئ لصورة المغرب ويدمي جروحا لم تندمل بعد في منطقة عانت من ويلات الماضي واستبشرت خيرا بصفحة العهد الجديد والمصالحة الوطنية.
ولازالت إمكانية المعالجة الرصينة والنهائية لهذه الأزمة ممكنة، قبل فوات الأوان، وذلك عبر:
- إطلاق سراح كافة المعتقلين على خلفية هذه الأحداث (آلية العفو)
- محاسبة كل المسؤولين عن التجاوزات والسلوكات المنتهكة لحقوق الانسان تفعيلا للوثيقة الدستورية والتزامات المغرب الدولية، والتوقف بشكل نهائي عن قمع التظاهرات السلمية واعتقال النشطاء،
- اعتذار الأحزاب المكونة للحكومة عما صدر عنها بخصوص الحراك السلمي في الحسيمة ونواحيها (عبر وسائل الإعلام العمومي)،
- محاسبة وإعفاء كل من ثبت تورطه أو تقصيره (من وزراء ومسؤولين حكوميين وسلطات محلية وجهوية) في الاضطلاع بمهامه في إطار المسؤوليات الموكولة إليهم، تفعيلا لربط المسؤولية بالمحاسبة،
- فتح حوار مباشر مع نشطاء الحراك وممثلي القوى الديمقراطية المستقلة،
- الاستجابة للمطالب الاجتماعية المشروعة لأبناء المنطقة في التشغيل والصحة والسكن والتعليم.
- إطلاق حملة وطنية لتطهير الحياة العامة من الفساد ونهب الأموال العمومية وخيانة أمانة تسيير المرافق والمؤسسات العمومية واستغلال النفوذ. ذلك أن الفساد هو أصل كل العاهات والأزمات والمخاطر التي تتهدد بلادنا، ومحاربته الحازمة أصبحت أولوية وطنية مستعجلة.
إن بلادنا اليوم في أمس الحاجة إلى تشكيل جبهة فعل موسعة تضم كل الفعاليات والقوى الوطنية الغيورة والصادقة والشخصيات الوطنية النزيهة والمثقفين، على مستوى الدولة والمجتمع، للدفع ببلادنا إلى الرقي والازدهار وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المجالية المتوازنة والعادلة، وانتشال الحياة العامة من براثن الفساد ومحاربة كل أشكال استغلال النفوذ والارتشاء والإثراء غير المشروع، وفسح المجال أمام الكفاءات والطاقات التي تزخر بها بلادنا للمساهمة في بناء المغرب القوي بسواعد وإرادة ووطنية بناته وأبناءه. جبهة فعل وطنية من مهامها خلق شروط ومساحات أمل تستوعب طموحات وأحلام كل المغاربة في الشمال كما في الجنوب، في الشرق كما في الغرب، وبالمقابل تتوحد لتضييق مجال تأثير الفاسدين والسماسرة والانتهازيين ومحاصرتهم داخل الدولة والمجتمع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.