تتحركُ السيارة صاعدة الجبال مثل حمامة وحيدة، لا يزاحمها أحدٌ على طول طريق الاستفراد بزاكورة المرتفعة نحو السماء، دون أن تأتيها سُحُبها المتخاصمة بجواب قطرة ماء، تُطفي حصار العطش الذي يجعل أيام صحرائها متشابهة، وغير آبهة بنسوة يرتفقن غناء مبحوحا يطلب الماء من الآبار المشتتة، في المسالك المؤدية إلى المدينة، التي تئن في صمت تحت ندرة المياه. زاكورة تفتحت أمامنا، واستقبلتنا بحَرٍ يستكثر على المارين إلقاء التحية على الغرباء، والحديث مع الأقرباء؛ لا شيء سوى صمت جنائزي مقدس، تلمسه كلما اقتربت من الصنابير والمقاهي، المتفرقة على طول الشارع الرئيسي للمدينة؛ فيما اكتفت الأحياء الهامشية بما يشبه منازل يأتيك ظاهرها الرث بأخبار داخلها، الذي ينفض عنه الجميع منذ الساعات الأولى من الصباح، بحثا عن الماء في "السقايات" المجاورة. هسبريس تنقلت إلى زاكورة، التي تخلت عن رداء مدينة سكنها الكوشيون، أبناء النبي نوح يوما، وأصبحت ترزح تحت وطأة عطش أرسل أبناءها إلى السجن وهم يافعون، واستباح ملامح أنوثة نسوتها، ولم يترك غير أماني ماء يفرك به السكان جفونهم صباحا، ليلقوا بها يوما جديدا يفتح باب حياة كريمة، تضمحل أمامها تناقضات اكتفت مشاهد طريق الرباط - زاكورة بسردها بعناية. الحي العطشان منازل مترامية كمقابر جماعية عشوائية، تعيش فيها الأسر وضع المنافي التي تنصبها الأمم القديمة عقابا للمتمردين؛ لا طريق ولا ماء ولا كهرباء، لا شيء غير فضاء واسع دون ملامح، مع إطلالة خجولة لبعض شجيرات الزيتون، ومعها نسوة متفرقة يجلسن القرفصاء في الحر الشديد، حاملات أواني بلاستيكية، تسترقن بها قطرات ماء مدفونة في الأرض. وسط "الحي العطشان" التقينا بإحدى نساء المنطقة، لتحكي: "النساء هنا تعتمدن على الدور من أجل التزود بالماء من الآبار التقليدية التي تكلفن بأنفسهن بحفرها، في ظل انقطاع الماء الصالح للشرب عن المنازل ل4 إلى 5 أيام في الأسبوع، ما يحتم غياب أي طريقة لتنظيف ملابس الأطفال ولا الاغتسال، سوى بماء مشبع بالتراب وممزوج بالإهانة". "نسقي الماء بهذه الكؤوس ونضعه في سطل أو قنينات بلاستيكية، بعد أن غابت المياه عن منزلنا لليوم الثالث تواليا"، تقول السيدة التي تكابر ملامحها الظهور ب"ملحاف" أرجواني، وتضيف أنها "لم تجد بديلا سوى الركون أمام البئر الصغير لساعات من أجل ملء بعض اللترات التي تُعين على غسل الأواني وتنظيف البيت والشرب والطهو". غير بعيد عن مكان جلوس السيدة، ترتفع سقاية إسمنتية، فقدت طريقها نحو الصباغة، واكتفت بإشراع عورتها للبهائم والأطفال الذين يشربون من صنبورها في مشهد لم نفرق فيه بين الطرفين سوى بالاقتراب الشديد من سقاية وقفت في استحياء أمام برك سوداء آسنة، يلعب فيها أطفال يتجاوبون ببراءة مع الكاميرا، عابثين بخراطيم تلف أعناق طفولة تموت من فرط النسيان. شغف أطفال زاكورة بالحياة سيدفعنا إلى تتبع خطواتهم التي ستقودنا نحو سيدة أخرى، ترمقنا بنظرات "الغريب"..يحوم حولها الصغار مثل الكهان منتظرين حديثها، الذي جاء مستغيثا: "نساء الدوار يجلسن لساعات طوال منتظرات دورهن من أجل الحصول على الماء، في حين أن أزواجهن مع الجيش المغربي المرابط بالصحراء"؛ ثم جذبت إليها طفلا بحنية الجدات وأضافت: "ها نتوما كاتشوفو ولادهوم". "الرجال غادروا أرضهم من أجل كسرة خبر، وتركوا النساء هنا يصارعن الحرارة والأوضاع التي قد تنفجر في أي حين، مثل ما حصل السنة الماضية..هل يعقل أن نعيش في هذه الحرارة من دون ماء للشرب؟"، تتساءل الستينية بحسرة أمام بعض الآبار التي حفرتها الجارات، لكنها لم تجد بماء ينصف الأيدي التي اتخذت التنقيب عقابا أبديا، قبل أن ترينا مياها يخالها الناظر مستعملة، لتنفي ذلك وتقول إنها "مياه الاغتسال لسكان الحي العطشان". "واش حنا ماشي مسلمين"، تقول السيدة التي "تدفع فاتورة الماء بشكل منتظم رغم أنه مالح ولا يصلح لشيء غير غسل الملابس والأواني، كما تؤدي مقابلا ل"تريبورتورات"، تبيع الماء، وتُحول الحي كل صباح إلى متجر كبير ينتعش فيه ملاك الآبار، باستغلال ريق النساء اللواتي يكتفين بالنظر في أعين أبنائهن، لعل الزمن يرق ويأتيهم بالجنان الموعودة". ماء دون مراقبة تحركات شبيهة بالحملات التمشيطية تباشرها سيارات "الجيب" و"لاندروفيل"، و"التريبورتور"، منذ الساعات الأولى بالحي العطشان، لتزويد السكان بماء قادم من الآبار المجاورة للمدينة، يدفعون عنه مقابلا، رغم حالته السيئة، وعدم خضوعه لأي مراقبة تخص سلامته، يستخدمونه بشكل اعتيادي، دون خوف من المضاعفات التي قد يتسبب فيها للأطفال. عبد الله، قاطن بالحي العطشان لما يقارب 12 سنة، يقول: "الحي غير مزود بالماء والكهرباء. نسقي فقط بالقنينات، وفي أحيان كثيرة يظل الماء مقطوعا لخمسة أو ستة أيام متواصلة..أخرجنا هذا للاحتجاج، وكلف الأمر سنتين سجنا للعديد من شبان المدينة.. كل من يتحرك يجد "الزرواطة" بالمرصاد". "الوضع لا يطاق إلى أقصى درجة"، يضيف الرجل بملامح أنهكها عود التشكي. "الماء موجود في باطن الأرض، لكن من يستفيد منه، ومن يأخذه لا أحد يدري"، يسرد عبدالله وهو متحسر على حال "حي هجرته أزيد من 20 عائلة بسبب غياب الماء الصالح للشرب، بعد أن ملت من اقتناء 40 لترا يوميا من البائعين الذين يحضرون الماء من برك وآبار يشرب منها الكلاب والحمير، وتشتريه مرغمة بخمسة دراهم لعشرين لترا، رغم تسديدها مسبقا لفاتورة تثقل كاهلها دون جدوى". ويزيد عبدالله: "النساء اللواتي ينتشرن على آبار الحي، منهن من تنتظر الدور لساعتين أو ثلاث ساعات، خصوصا في أشهر فصل الصيف، حيث يجد الناس أنفسهم يواجهون حرارة الشمس اللافحة بزاكورة دون ماء للشرب ولا الاستحمام، وهو ما يضطرهم إلى اتخاد المستشفى منزلا كل حين، فمناعة الأطفال الضعيفة تجعلهم عرضة لعدة أمراض تفتك بهم". وسط المدينة خرجنا من "الحي العطشان"، كما تسميه الساكنة، صوب وسط المدينة، التي التقطت صفة التمدن الحديث في غفلة عن كاميرات العالم التي توثق مآسي الهامش، واستقبلتنا منازل قريبة من المؤسسات، لكنها لا تختلف عما هو حاصل في الأحياء المعزولة بجوار المركز. وحكت سيدة قاطنة: "نعاني الويلات جراء الانقطاع المتكرر للماء منذ شهر رمضان.. نكتفي فقط بملء القنينات للاغتسال والشرب، رغم أننا لا نعرف مصدره". "نشتري الماء الحلو من العربات المارة، وإلا مجاوش كنبقاو هاكا، بدون ماء، بدون اغتسال ولا شرب ولا حتى وضوء"، تقول السيدة التي تسجل أن "التجوال على منازل الجيران لاستفسارهم حول عودة الماء المنقطع أصبح عادة يومية؛ كما أن السكان جميعا أصبحوا يتخذون الطابق السفلي مسكنا، إذ لا يمكن أن يصل الماء الصالح للشرب إلى الطوابق العلوية". بجوار المنزل الذي زرناه تجلس سيدة أمام بيتها تنظر في الأفق باحثة عما يُبدد حيرتها المرسومة على تفاصيل وجهها، تقدمنا صوبها، وحكت أنها "لا تطلب سوى ماء صالح للشرب"، وزادت: "لا يعقل أن يجلس المرء في منزل بدون ماء، في 45 درجة حرارية"، مسترسلة بأنها "مريضة وأرملة جندي استشهد في الصحراء سنة 1987، ولم تجد حقوقها كاملة". "سيدنا عطانا كولشي، لكن أين الحكومة؟..نكتوي بالحرارة هنا على الحدود الجزائرية بينما يعيش الناس في باقي المناطق في النعيم..واش هادي عيشة هادي"، تقول المتحدثة ذاتها. "أبناؤنا لا يجدون ماء للشرب ولا الاغتسال، ولا أحد يحس بهم"، تنطق السيدة مغالبة الاستجداء، ومنادية ب"إعطاء زاكورة حقوقها، فكما يُساعد الناس في أعالي الجبال في فترة الثلج بمنحهم الأغطية والأكل، على الدولة أن تتدخل في فترات الحر، لمد سكان المدينة بآليات التبريد، لعلها تخفف من وطأة المعاناة اليومية"، وزادت: "وإلا فنحن ماكثون هنا، لا نفعل شيئا ذا جدوى سوى انتظار الموت". استنكار حقوقي علي مشيع، عضو مكتب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بزاكورة، يؤكد أن "مشكل الماء تعاني منه المدينة منذ أزيد من 10 سنوات، لكنه في السنتين الماضيتين تضاعف بشكل مهول، بسبب قلة التساقطات، باعتبار زاكورة منطقة صحراوية، فضلا عن الاستنزاف الكبير الذي تتسب فيه الفلاحة العصرية بالمنطقة، خصوصا زراعة "الدلاح" وغيرها، ما يؤثر على الفرشة المائية". مشيع أردف بأن "المنبع الأول للماء بزاكورة هي الآبار المجاورة، والضغط الكبير الذي يمارس عليها يجعلها ضعيفة"، وزاد: "نناقش هذا بشكل مستمر مع المجلس البلدي وعمالة الإقليم، لكن كل الحلول تكون جزئية ومرحلية، ولا تحُل المشكل سوى لأشهر معدودات، بسبب غياب إستراتيجيات فعالة للحد من المشكل، رغم كثرة الوعود التي أعطيت للساكنة". وأضاف المتحدث أن "المسؤولين والقيمين على تدبير الشأن المائي بالمنطقة يقولون إنهم وجدوا حلولا للمشكل على المدى المتوسط، عبر حفر ثقوب جديدة، أحدها صبيبه 25 لترا في الثانية، والثاني 30 لترا في الثانية، وأخبرونا بأنهما سيكونان جاهزين في شهر غشت الجاري، كما وعدوا ببناء سد في تييوين، وهو الذي سيمكن من القضاء على المشكل في أفق سنة 2022". وأشار مشيع إلى أن "الدولة عليها أن تفكر في استقرار الناس، لأنهم بدؤوا ينزحون صوب المناطق الأخرى، في ظل غياب الماء بشكل دوري رغم التطمينات المقدمة"، مسجلا أن "الماء ينقطع عن المنازل ل12 ساعة، فيبقى الناس دون استحمام ولا شراب ولا غسيل في جو حار يصل أحيانا إلى 47 درجة". وختم مشيع حديثه قائلا: "الوضعية الحالية جعلت الناس يخرجون الصيف الماضي احتجاجا، فجرى اعتقال العديد من الشبان والأطفال القاصرين، أُطلق سراح بعضهم، فيما بقي الشاب أسامة الغليض حبيس سجن طاطا، بعد الحكم عليه بسنتين نافذتين، بسبب مطالبته بحقه في مطلب بسيط لا يتجاوز قطرات ماء لا غير".