بجهة سوس ماسة، وبإقليم تيزنيت بالتحديد، تقع جماعة الركادة أولاد جرار، التي تبعد عن مركز مدينة تيزنيت بحوالي 15 كيلومترا من جهة الجنوب، وتمر منها الطريق الرئيسة رقم 1 الرابطة بين الأقاليم الشمالية والأقاليم الجنوبية. ومعروف أن الثقافة المحلية تنهل من ثلاثة روافد رئيسة: عربية وأمازيغية وحسانية. فهي مزيج من الثقافات في ثقافة واحدة، وهو ما يميزها عن بقية القبائل المغربية، وتشاركها في ذلك بنو عمومتها من قبائل هوارة. ومن أبرز المآثر التاريخية التي تزخر بها هذه القبيلة منارة أولاد جرار الموجودة بمنطقة الركادة، وهي نسخة طبق الأصل من منارة مراكش، لكنها ذهبت ضحية النسيان والإهمال. كما تشهد المنطقة تهميشا طال مختلف مناحي الحياة، وأثر على المعيش اليومي للسكان، الذين اضطر أغلبهم إلى الهجرة بحثا عن آفاق أرحب للعيش الكريم، بعد أن أضحت معضلات التنمية ترخي بظلالها على كل ركن في هذه الرقعة. ويُعدّ النقل العمومي أحد تجليات هذا التهميش، الذي يئن تحت وطأته سكان الركادة أولاد جرار: معاناة يومية، وانتظار طويل. ورغم الاحتجاجات والاجتماعات، فإن معضلة النقل العمومي ظلت قائمة، ولم يستطع مدبرو الشأن المحلي ولا السلطات الإقليمية حل هذا المشكل، الذي حيّر من شدّهم الشوق إلى بلدتهم والمستقرّين بها، رغم قساوة ظروف الطبيعة، التي تزيدها لا مبالاة المسؤولين قساوة، فيئن الأهالي في صمت، آملين أن تتحسن أحوالهم مع هذه الخدمة المفقودة. وفي تصريح لهسبريس، قال مصطفى البكار، وهو فاعل جمعوي بأولاد جرار، إن مشكل النقل العمومي بجماعة الركادة أولاد جرار "ليس وليد اليوم بالمرة، لكن التراكمات الناتجة عن الفترات السابقة جعلته في الوقت الحالي أزمة حقيقية، يعاني معها الأمرين السكان، الذين يقدر عددهم ب15000 نسمة، خصوصا في ظل عدم وجود حلول جذرية، ووجود فقط حلول ترقيعية تكون في غالبيتها عبارة عن التزامات شفهية لممثل الشركة المكلفة بالنقل وممثل سيارات الأجرة، لا تتجاوز مدة فاعليتها على أرض الواقع أسبوعا أو أقل، لتعود "حليمة إلى حالتها القديمة". "كمتتبع للموضوع عن كثب، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، أرى أن الحل الوحيد يبقى في يد سلطات الوصاية بعمالة تزنيت، التي يجب أن تقوم بتفعيل دورها الرقابي، الذي سيكون جزءا كبيرا من الحل الذي تصبو إليه ساكنة أولاد جرار. وعندما نتحدث عن الرقابة نقصد إرغام الشركة المكلفة بالنقل وسيارات الأجرة على احترام دفتر التحملات بالنسبة إلى الأولى، والقانون المنظم بالنسبة إلى الثانية، على اعتبار أن التجاوزات المتعلقة بما سبق هي المسبب الأول والأخير في الأزمة التي يعرفها القطاع بين جماعتي الركادة وتزنيت"، يقول مصطفى البكار. ويرى المتحدث ذاته أن "بدون ما سبق سنكون لا محالة أمام تأزم إضافي للمشكل نفسه، وهو ما سيفتح أبوابا أخرى للساكنة من أجل مواصلة الاحتجاجات والوقفات وكافة الأشكال النضالية، في ظل انعدام الثقة بين مكونات القطاع، وأيضا غياب الوفاء بالتعهدات التي خرجت بها اجتماعات عديدة همت مناقشة الموضوع نفسه". وفي تصريح لهسبريس، قال سعيد باحمان، وهو من سكان المنطقة، إن "ساكنة أولاد جرار خرجت للاحتجاج مرات عديدة، بسبب معضلة غياب وسائل النقل العمومي، وهو المشكل الذي نعانيه منذ سنين، حيث لم تفلح الاجتماعات الماراطونية المنعقدة مع السلطات المحلية والإقليمية، في حلحلة الوضع، ولم نقم بتنفيذ الأشكال الاحتجاجية إلا بعد أن استعصى على الجهات المعنية إيجاد حل نهائي لهذه المعضلة الكبيرة، وسنبقى صامدين ومستمرين في الترافع بكل الوسائل، إلى حين تحقيق مطلبنا الأساسي متمثلا في خدمة النقل العمومي، وتفعيل خطوط حافلات النقل العمومي المشار إليها في دفتر التحملات كخط إغير ملولن". الحسين إدمبيري، وهو من أبناء أولاد جرار، أوضح في تصريحه لهسبريس، أن "من أبرز تجليات التهميش الذي طال منطقة أولاد جرار غياب وسائل النقل، التي تضمن للسكان المحليين قضاء أغراضهم خارج المنطقة في ظروف مريحة، حيث يظل الانتظار ساعات طوال من المشاهد اليومية التي لا تزال تتكرّر. وما يحزّ في النفس أن تجد نساء متقدمات في السن وأطفالا ورضعا يتجرعون مرارة الانتظار في لهيب الشمس وقر الشتاء، في انتظار وسيلة نقل قد تأتي أو لا تأتي. وقد أصبح هذا الوضع كابوسا يقض مضجع كل الفئات العمرية من ساكنة أولاد جرار، والوضع لا يزال مستمرا. لذا نطالب بعدالة اجتماعية في توفير هذه الخدمة، لا سيما بعد أن تم "طرد" سيارات النقل السري". أما عمر مومادي، فسار بدوره في اتجاه سرد معاناة أهالي أولاد جرار مع مشكل النقل العمومي، مبرزا، في تصريح لهسبريس، أن لا أحد يصغي إلى حجم ما يتكبّده من فُرض عليهم الاستقرار والتعلق بأرض الأجداد في أولاد جرار، حيث يتم التعامل مع كل المحطات والاحتجاجية باستخفاف ومزاجية وظرفية، وسرعان ما تتلاشى الوعود والحلول المؤقتة لتعود الساكنة إلى اجترار المعاناة نفسها، التي لا نعلم متى ستنتهي". وأوضح المتحدّث ذاته أن "حافلة النقل العمومي تشمل خدماتها خط العين والودادية، فيما منطقة إغرم، التي تضم أكثر من ثمانية دواوير، لم تتمكن ساكنتها من الاستفادة من هذه الخدمة، حيث تعود الحافة من آيت الرخا غاصة بالركاب، فيُصبح مستحيلا أن تتكدس نساؤنا وأبناؤنا وسط هذا الوضع". "نضطر إلى حجز فندق بمدينة تزنيت أو البحث عن مكان آخر للمبيت عندما نود زيارة طبيب أو قضاء غرض إداري معين، يوما قبل ذلك، لكون انتظار وسيلة نقل في الصباح بمنطقة أولاد جرار ضرب من المغامرة، مع ما يعني ذلك من مصاريف إضافية، تكون الساكنة الفقيرة في غنى عنها، هي المعروفة باستعمال وسائل النقل العمومي، فضلا عن المعاناة وإزعاج العائلات في المدن القريبة، وهو ما خلق أزمة حقيقية في خدمة النقل العمومي، ينضاف إليها استغلال بعض سائقي سيارات الأجرة لهذا الوضع المأزوم للزيادة في أسعار الرحلات"، يردف المتحدّث ذاته. إحدى السيدات من أولاد جرار قالت، في اتصال مع جريدة هسبريس، إنّ "انتظار العثور على مقعد داخل سيارة أجرة أو حافلة يصل في أحيان كثيرة إلى ساعات طويلة، مما يحرم المواطنين من الالتحاق بمقرات عملهم في الوقت المحدّد، وهو ما يجعلهم يبحثون عن أيّ وسيلة نقل، مهما كانت، من أجل الوصول إلى وجهاتهم المقصودة، بما في ذلك استقلال سيارات "الخطافة"، وهو ما جعل عددا من أصحاب السيارات الخاصة يلجؤون إلى ما نسميه "العتّاق"، لدوره البارز في حل أزمة النقل، وإن كانت ظروف النقل داخل هذه العربات غير مواتية، لكن اللهم العمش ولا العمى". وفي تعليقات لرواد موقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" من أولاد جرار حول مشكل النقل، كتب أحدهم "من الساعة الثامنة وما زال الانتظار مستمرا، انتظار سيطول إلى وقت غير معلوم. نعم هي معاناة ساكنة أولاد جرار، التي فوضت أمرها إلى الله، بعد اللامبالاة التي يكرسها المنتخبون، فلا الحافلات تأتي في الوقت، ولا سيارات الأجرة". وأضاف آخر متفاعلا مع الموضوع "هادشي ماشي معقول وابزاف، 3 ساعات والناس واقفة كتسنا ترنسبور ومكاين والو...واش معندكومش الغيرة على هاذ البلاد، راه كلنا كنعانيو..". فيما كتب ثالث أن "الحل الوحيد هو المطالبة بمنح رخص النقل المزدوج لأكبر عدد من وسائل النقل، ليكون العرض أكبر من الطلب، أو توفير "الطارة والبنادير" و الرايات للتنقل مع الخطافة في أمان، على أساس أنه حفل زفاف أو ما شابه ذلك لتأمين سلامة الخطاف من قبضة الأمن". هسبريس ربطت الاتصال برئيس المجلس الجماعي للركادة أولاد جرار، الحسين أوسايح، من أجل استقاء رأيه في موضوع النقل العمومي، فوعد بأن يُعاود الاتصال بنا، لكنه لم يفعل.