أعداد كثيرة من النساء، متزوجات أو عازبات، فرض عليهن وضعهن الاجتماعي والاقتصادي التوجه إلى وحدات تلفيف الخضر والفواكه والمصبرات أو الضيعات الفلاحية من أجل العمل لكسب قوت اليوم وإعالة أفراد أسرهن، متحملات ظروف التنقل وطول ساعات العمل وأخطار الطريق، وغير ذلك من الصعوبات التي تظل لصيقة بعمل النساء خارج البيت. وفي هذا الإطار، يُعد التحرش والاستغلال الجنسي أبشع مظاهر معاناة هذه الفئة، وإن كان الأمر لازال طابوها، يصعب الولوج إلى عالمه أو معرفة أي أرقام رسمية حول الظاهرة. إيحاءات ونزوات هسبريس انتقلت إلى اشتوكة آيت باها، المعروفة بحركيتها الفلاحية، من خلال تركيز عدد كبير من الضيعات الفلاحية ووحدات التلفيف بها، والتقت بعض العاملات هناك، غير أن العديد منهن رفضن الحديث عن الموضوع، وبعد محاولات عديدة، اقتنعت شابة في العشرينات من العمر، واشترطت الحديث باسم مستعار، (خديجة)، موردة أنها تعرضت مرات عديدة لكل أنواع التحرش داخل جميع أماكن العمل التي اشتغلت فيها. "حصلت على دبلوم في مجال الفلاحة، وكانت أولى القصص مع البحث عن التداريب الميدانية، إذ يعمد مسؤولو الضيعات ووحدات التلفيف إلى طلب رقم الهاتف في البداية، وبعدها تبدأ كل أنواع التحرشات، فبداعي المساعدة على التكوين، يُحاول المسؤول الانفراد بالمتدربة، ويطلق إيحاءات بصرية وجسدية، ويسمعها عبارات بها إيحاءات جنسية، بل يحاول لمس المناطق الحساسة من جسمها، مع تقديم دعوات لتناول وجبة خارج نطاق العمل"، تقول خديجة. وعن سؤال لهسبريس عن استفحال الظاهرة، على الأقل انطلاقا من تجربتها، قالت خديجة، التي تعمل حاليا بوحدة للتلفيف، ناحية اشتوكة: "الظاهرة موجودة، وتمس العازبات والمتزوجات على حد سواء، وأبطالها رؤساء مباشرون أو مكلفون بمهام داخل الوحدة، أي من لديهم سلطة على العاملات. لكن، أقول لكم وبكل جرأة إن هؤلاء العاملات يُساهمن في تفشي الوضع، وذلك بقبولهن للأمر والرضوخ لنزوات المتحرشين، وغياب الجرأة لديهن في الجهر أو تقديم الشكاية ضد المعتدين". وأضافت المتحدّثة: "لا يمكن أن نتستر وراء الخوف من فقدان العمل من أجل الرضوخ لهذه الممارسات، التي تتعدّد أصنافها وأشكالها، فمثلا باشتوكة آيت باها العمل متاح بكثرة داخل وحدات التلفيف أو الضيعات الفلاحية..يمكن أن أجهر بتعرضي للتحرش وأفقد عملي، وأجد آخر في اليوم نفسه، لأن هذا العمل لا يتطلب شهادة أو دبلوما. وأجدد قولي إن الظاهرة لا يخلو منها مكان عمل، إلا بعض الوحدات، التي تفرض تدابير صارمة ووقائية، تُجنب هذه الاعتداءات كوضع الكاميرات وعدم التساهل مع كل محاولة للتحرش". سلطة المنصب المستشار النفسي محمد الفقير قال في تصريح لهسبريس إن "قضية التحرش في الأوساط المهنية لا تقتصر على مجتمع إنساني دون آخر، لكن نسبة تفشيها هي الاختلاف البارز، ففي المجتمع المغربي الذي يهمنا بالدرجة الأولى فإن الوقائع المسجلة، والتي يرتكز عليها الحديث، تتمحور حول العاملات في وحدات التلفيف والضيعات الفلاحية، وطبعا الضحايا في الغالب الأعم هن نساء، مع بعض الاستثناءات التي يصرح فيها رجال بأنهم تعرضوا لشكل من أشكال التحرش اللفظي أو الجسدي". وأورد المتحدّث ذاته: "هذه المجالات من العمل التي يشار إلى كونها تعرف حالات التحرش أكثر من غيرها، والأمر يجد تفسيره في العوامل التالية، أولا كون هذه الميادين تستقطب يدا عاملة مهمة أغلبها نساء، بعضهن يواجهن ظروفا اجتماعية صعبة، ويعتبرن معيلات لأفراد أسرهن، أو لا يجدن أي بديل غير العمل كعاملات أو مياومات، وهذا يجعلهن يعشن ضغطا نفسيا كبيرا لكونهن محتاجات للعمل". واستطرد المستشار النفسي في تحليله لهذه الظاهرة: "أمام هذا الوضع، يعمد من لديهم اختلالات في تنشئتهم الاجتماعية والنفسية إلى ممارسة التحرش بهن، والذي يصل في أحيان حد استغلالهن جنسيا. وهؤلاء الأشخاص في غالب الحالات التي يصرح بها تكون لديهم مسؤولية في الإشراف على تدبير وسير العمل، ما يعني أن المتحرش أو المعتدي يحاول استغلال سلطة المنصب الذي يشغله، وهو شخص يكون معروفا لدى عموم من يعملون تحت إشرافه بكونه يمارس سلوكياته المنحرفة، والتي تصل في بعض الحالات إلى ممارسة ساديته". وللظاهرة تأثير على حياة الضحايا، يفسر محمد الفقير ذلك بالقول: "نصادف بشكل متكرر حالات ضحايا تحرش واعتداء يعبرن عن كونهن يشعرن بحالة من الضياع وفقدان الثقة في المحيط الاجتماعي، كما يتطور الأمر لدى بعضهن إلى تعاطي المخدرات وسلوكيات عنيفة تجاه الذات والغير، وتتحول بعضهن إلى أمهات عازبات، وما يخلفه الأمر من كلفة اجتماعية"، مضيفا: "هناك عدد من الضحايا لا يستطعن التبليغ عن حالات التحرش أو الاعتداء، وذلك راجع لكونهن يجهلن كيفية التصرف في مثل هذه المواقف من الناحية القانونية، مع خوفهن من فقدان مصدر الرزق أو تعرضهن للتهديد، ناهيك عن كون المتزوجات يتخوفن من كشف الأمر مخافة رد فعل أزواجهن وتداعياته على أسرهن". محاربة التحرش ومن جانب آخر، تابع المستشار النفسي محمد الفقير حديثه مع هسبريس قائلا: "لا يمكن إنكار وجود وعي متنام بثقافة محاربة التحرش والاستغلال الجنسي في الوسط المهني، وأن هناك مؤسسات ومقاولات تشدد في حماية العمال والمستخدمين تجاه كل ما ليست له علاقة بالعمل، لكن مع ذلك وجب الحرص الدائم على المصاحبة الاجتماعية والتوعية القانونية وتقديم الدعم النفسي، وهو ما سيكون في صالح العمال وأرباب العمل". وحول طبيعة الرجال الممارسين للتحرش بالعاملات قال المتحدث ذاته: "الرجال الذين يتحرشون بالنساء العاملات في الوسط المهني يستمدون جرأتهم من السلطة المحدودة لهم، ويختارون ضحاياهم من النساء المسالمات اللواتي يتفادين المشاكل؛ بمعنى أن المتحرشين دافعهم النفسي هو محاولة إشباع غرائزهم الجنسية والاستمتاع بممارسة سلطتهم على الجنس الآخر، وهذا النوع من الناس في طبعه جبان ومضطرب نفسيا، يعجز عن فرض نفسه بشكل طبيعي خارج نطاق العمل، فالأمر يرتبط بتكوينه النفسي والتربية التي تلقاها". عبد العزيز السلامي، رئيس فرع أكادير للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قال في تصريح لجريدة هسبريس إن "تنامي ظاهرة التحرش بالعاملات داخل أوساط العمل ينم عن هشاشة الحماية القانونية للأجراء، إذ إن الترسانة القانونية مازالت تشوبها بعض النواقص المتعلقة بإثبات واقعة الاعتداء الجنسي، سواء على مستوى التحرش أو مستويات أخرى متقدمة". وأورد الفاعل الحقوقي ذاته في السياق نفسه أن "الضرورة تستدعي أن يكون العمل القضائي مساهما في تطوير النصوص القانونية وملاءمتها مع حالات التحرش داخل الضيعات الفلاحية ومحطات التلفيف والوحدات الصناعية وكل أماكن العمل بصفة عامة. ومن ضمن هذه الحالات ما يمكن تكييفه إلى الاتجار بالبشر".