المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان تصدر دليل الصحفي الرياضي    زياش و"الكان"... حينما تسقط القوانين قناع الإشاعة    كرة القدم.. نيمار يمدد عقده مع سانتوس حتى نهاية 2026    قرعة تصفيات كأس أمم إفريقيا للفوتسال ترسم طريق المنتخبات نحو المغرب 2026..    مطار محمد الخامس.. إسناد صفقة بناء المحطة الجوية الجديدة للتجمع المغربي "SGTM" و"TGCC"    الكونغرس الأمريكي يحتفي بالمغرب كحليف تاريخي لا غنى عنه لواشنطن    اكتشاف بقايا بشرية قديمة بالدار البيضاء يسلط ضوءا جديدا على فترة حاسمة من تطور البشرية    النائبة البردعي تنقل إلى البرلمان خطر انهيار الطريق الوطنية بين وزان وشفشاون    جمعية هيئات المحامين بالمغرب تحذر من تمرير "قانون يضعف العدالة"    رئيس مجلس النواب يلتقي بالقاضي    السيد البلاوي يبرز دور النيابة العامة في أمن التظاهرات الرياضية الكبرى    المغرب يوقف تصدير السردين المجمد لحماية السوق الداخلية واحتواء الأسعار    رئيس الحكومة يترأس اجتماع لجنة قيادة إصلاح المنظومة الصحية الوطنية        سلا.. توقيف شخصين وحجز 3000 قرص طبي مخدر من نوع "ريفوتريل"        بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الأحمر    بنك المغرب يحسم جدل "تشابه" ورقة 100 درهم التذكارية مع 200 درهم    نتائج إيجابية لموسم صيد الأخطبوط    موسكو تنتقد احتجاز أمريكا ناقلة نفط    جامعة الشيلي تمنح ميدالية رئاستها لسفيرة المغرب كنزة الغالي    وزير جنوب إفريقي يعتذر للمغرب    مسرح العرائس بين التكوين والاعتراف الثقافي: تجربة الكراكيز القفازية بأيت ملول نموذجا    بالأمازيغية: «سال سال امجرب نومرك» ديو غنائي يجمع محمد بزي ومصطفى بولاربيح    من تنظيم جمعية جوهرة الفنون الثقافية الدورة الرابعة لمهرجان تارودانت الدولي لفنون الشارع    أكلات أمازيغية تستهوي زوار "الكان" وضيوفه في سوس    السفير الأمريكي الجديد لدى المغرب يؤدي اليمين أمام جي دي فانس    الفرنسي بن يدر والمغربي بيار يوقعان للوداد الرياضي    الرباط والبيضاء ومراكش تحتضن الدورة 31 لأسابيع الفيلم الأوروبي من 28 يناير إلى 11 فبراير        مطالب باستضافة المغرب للمشجع الكونغولي الشهير لنهاية كأس أمم أفريقيا تقديرا لوفائه للزعيم لومومبا    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    فرق الإنقاذ تعثر على شاب مفقود بمنتزه تلسمطان بعد يوم كامل من البحث وسط الثلوج    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    إلغاء حوالي 140 رحلة جوية في باريس بسبب الثلوج    الركاني: ربط تطوان بمطار البيضاء وعواصم أرووبية بشرى خير ومبادرة مهمة لتنشيط السياحة وتشجيع الاستثمار وتسهيل التنقل    مهرجان "حلالة العربي".. صرخة إبداع في وجه الفقر الثقافي    الأمم المتحدة تدين "الفصل العنصري" الإسرائيلي و"خنق" حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية    رمضان بلا "سيتكومات".. التلفزة المغربية تطوي صفحة كوميديا الانتقادات    هيئات تطالب الداخلية والثقافة بالتحقيق في أبحاث أثرية سرية غير مرخصة جنوب المغرب    وجدة تكتسي بالبياض .. عوامل جوية استثنائية وراء تساقطات ثلجية نادرة    عاصفة ثلجية تضرب أوروبا الغربية وتشُلّ الطيران والقطارات    النفط يتراجع بعد إعلان ترامب أن فنزويلا ستصدر الخام إلى أمريكا    مدرب كوت ديفوار: الانضباط الدفاعي والفاعلية الهجومية صنعت الفارق    الشبيبة الديمقراطية الوطنية تدعو إلى الابتعاد عن التوظيف الانتخابي لإمكانيات الدولة وتعزيز مشاركة الشباب في الاستحقاقات المقبلة    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الأربعاء    مادورو وزوجته أصيبا أثناء محاولة اعتقالهما من قبل القوات الأمريكية    50 مليون برميل نفط فنزويلي لأمريكا    تعيين نائبة رئيس الوزراء الكندي السابق مستشارة اقتصادية للرئيس الأوكراني    أعيدوا ‬لنا ‬أعداءنا ‬القدامى ‬أو ‬امنحونا ‬آخرين ‬جددا ‬حتى ‬يظل ‬‮..‬ ‬وطني ‬دوما ‬على ‬خطأ‮!‬ 2/1    نستله تسحب حليب أطفال من أسواق أوروبية بعد رصد خلل في الجودة    دراسة علمية تبرز قدرة الدماغ على التنسيق بين المعلومات السريعة والبطيئة    بريطانيا تحظر إعلانات الأطعمة غير الصحية نهاراً لمكافحة سمنة الأطفال    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البعد الهوياتي في التنمية
نشر في هسبريس يوم 20 - 02 - 2020

منذ أن دعا الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية ليوم 13 أكتوبر 2017، إلى إعداد نموذج تنموي جديد، والنقاش النظري متواصل حول طبيعة هذا النموذج، ومرتكزاته وأولوياته وأهدفه. أما بعد تعيين اللجنة المكلّفة بإعداد وصياغة هذا النموذج التنموي الجديد، يوم 12 12 2019، فقد انتقل النقاش مما هو نظري إلى ما هو عملي يتعلق بالتنزيل الإجرائي لهذا النموذج التنموي.
من المعروف أن النموذج التنموي ليس مجرد عملية "تقنية"، يكفي إنجازها طبقا للمعايير المعروفة والمطلوبة في مثل هذه العمليات، ليتحقّق ها النموذج بشكل ناجح، كما في عملية بناء قنطرة، أو تشييد عمارة، أو إنشاء سدّ، أو إصلاح محرّك سيارة... ولهذا إذا كانت الموارد الاقتصادية والمالية والتقنية، ومجموع التجهيزات المادية، المندرجة ضمن ما يُعرف بالبنية التحتية، والضرورية في كل مشروع تنموي، حاضرةً بشكل مادي قابل للملاحظة، وحتى للقياس، فإن هناك "موارد" أخرى قد لا تكون "مادية" ولا "مرئية"، لكن دورَها قد يكون حاسما في إنجاح أو إفشال المشروع التنموي المعني. يتعلّق الأمر بالبنية الفوقية، بالمفهوم الماركسي، والتي تخصّ الاختيارات الإيديولوجية للدولة، والتي يكون لها تأثير على سياستها العامة، وعلى تصوّرها لأولويات التنمية ولوسائلها وأهدافها. وخير مثال على ذلك أن التخطيط لنموذج تنموي في إطار نظام اشتراكي أو دولة تيوقراطية إسلامية، ليس هو نفس التخطيط لنفس النموذج التنموي في إطار نظام رأسمالي أو دولة علمانية، وذلك حتى عندما يوظّف التخطيطان نفس الموارد الاقتصادية والمالية، ويستعملان نفس التجهيزات المادية والتقنية.
ويندرج ضمن الاختيارات الإيديولوجية للدولة لغتُها وهويتُها، وما يرتبط بهما من ثقافة، بمعناها الأنثروبولوجي العام، وأبطال تاريخيين، واقعيين أو أسطوريين، وتمجيد لأحداث تنتمي إلى الماضي، حقيقية كانت أو مُختلقة... ما علاقة هذا الجانب الإيديولوجي بالتنمية وكيف يؤثّر عليها؟
الإنسان كمورد أول للتنمية:
إذا عرفنا أن التنمية الحقيقية هي تلك التي تهدف إلى تنمية الإنسان وتأهيله ليكون صانع التنمية، وموردها الأول قبل الموارد الطبيعية ولاقتصادية؛ وأن "صنع" هذا الإنسان وتأهيله يتوقّفان على تصوّر معيّن لنوع الإنسان الذي نريد "صنعه" وتأهيله؛ وأن هذا التصوّر هو نتيجة قناعات إيديولوجية معيّنة عن الإنسان الذي نريد، كأن نريد إنسانا معاديا لليهود، وهو ما يقتضي غرس العداء للسامية في الأذهان كما كانت تفعل الإيديولوجية النازية؛ أو معاديا للشيوعية، وهو ما يستدعي نشر وترسيخ فكرة أن الشيوعية خطر يهدّد الإنسانية كما كانت تفعل الولايات المتحدة أثناء فترة الحرب الباردة؛ أو مسلما وهّابيا متطرّفا، وهو ما يتطلّب تعليما دينيا يركّز على أفكار ابن تيمية؛ أو محاربا شرسا، وهو ما يحتاج إلى تعليم شبه عسكري وتكوين في فنون القتال والحرب؛ أو معاديا للأمازيغية، وهو ما يستلزم إعطاء الأولوية في التكوين لأكذوبة "الظهير البربري"؛ أو عالِما مبتكِرا، وهو ما يتطلّب تعليما ينمّي استعمال العقل والملاحظة التجريبية مع إنشاء مزيد من المختبرات ومعاهد التكوين العلمي؛ أو إنسانا يؤمن بالغيبيات والخرافات والشعوذة، وهو ما يحتاج إلى نشر وترسيخ "فضائل" الرقية الشرعية، والفوائد "الطبية" لبول البعير؛ أو إنسانا ذا ميولات عنصرية يعتبر عرقه المفترض هو الأفضل والأسمى، وهو ما يتحقّق عبر تكوين ينشر الوعي الخرافي الكاذب أن هذا الإنسان ينحدر من "نسب شريف"... إذا عرفنا ذلك سنعرف أن الإيديولوجية التي تتبنّاها الدولة، وتعمل على نشرها عبر المدرسة والإعلام والمساجد ولإدارة...، ذات تأثير مباشر على التنمية، باعتبار أن هذه الإيديولوجية هي التي تحدّد غايات وأولويات هذه التنمية، وهو ما يحدّد بدوره نوع التأهيل المناسب للإنسان المناسب لهذه الغايات والأولويات.
لماذا فشل النموذج التنموي السابق؟
الدعوة إلى إعداد نموذج تنموي جديد هي اعتراف صريح بفشل النموذج التنموي السابق. لماذا فشل إذن هذا النموذج التنموي؟ بجانب الفساد كعامل يفسّر فشل كل المشاريع التنموية بالمغرب (انظر موضوع "لماذا سيفشل النموذج التنموي الجديد؟" ضمن كتاب "قضايا مغربية"، بموقع "تاويزا")، هناك العامل الإيديولوجي، الذي تحدّثنا عنه في الفقرة السابقة، والذي له دوره الرئيسي في فشل هذه المشاريع التنموية. ويتعلّق الأمر، كما شرحنا، بنوع المواطن الذي تريد الدولة إعداده وتأهيله ليكون قاطرة للتنمية. وبما أن الدولة المغربية تقوم على إيديولوجية العروبة والإسلام، فإن كل مشاريعها التنموية كانت تُحضّر وتُنفّذ بالشكل الذي يؤدّي إلى تنمية العروبة والإسلام لدى المواطن المغربي.
وإذا لم يعد الدستور الأخير، دستور 2011، ينصّ على الانتماء العربي للمغرب، كما فعل دستورا 1992 و1996 اللذان جاء فيهما أن المغرب «جزء من المغرب العربي الكبير»، فلا يعني أن الدولة تخلّت عن انتحالها الانتماء العربي، لأن العبرة ليست بالنصوص الدستورية والقانونية، وإنما بالسياسة العامة للدولة، بما يندرج ضمنها من برامج تعليمية ومن اختيارات لغوية ومن عمل ديبلوماسي، ومن مواقف وتصريحات للمسؤولين الممثّلين لهذه الدولة، والتي هي سياسة تمارَس بناء على أن الدولة المغربية عربية في هويتها وانتمائها. أما الإسلام فتجاوز في المغرب وظيفته الدينية ليتحوّل إلى وظيفة هوياتية مثل العروبة، كما أوضح ذلك دستور 2011، الذي ينص في التصدير على «أن الهوية المغربية تتميز بتبوإ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها». ولأنه دين الدولة (الفصل الثالث من الدستور)، فهو إسلام سياسي بامتياز لارتباطه بمؤسسة سياسية بامتياز وهي الدولة.
النتيجة أن إيديولوجية الدولة، أي العروبة والإسلام السياسي، والتي في ضوئها تحدّد غايات وأولويات سياستها التنموية، هي التي تفسّر أن المشاريع التنموية، مهما اختلفت في صيغها ومضامينها، فإن هدفها يبقى هو تكوين مواطن عربي ومسلم، مرتبط قلبا وعقلا بالعروبة والإسلام السياسي التابع لها (ألا يُعطف دائما الإسلام على العروبة في العبارة الشائعة: العروبة والإسلام؟)، وتأهيله للدفاع عن هذه العروبة وهذ الإسلام، وليس تكوين مواطن بكفاءات علمية، ومعارف مفيدة، ومهارات نافعة، قادر على الابتكار والإبداع، مؤهّل لمواجهة مشاكل الحياة وإيجاد حلول لها بالعقل والمنطق والعلم، وليس بالتفكير الخرافي ولا الغيبي والديني.
تنمية العروبة والإسلام السياسي بدل تنمية الإنسان:
فشل النماذج التنموية السابقة يرجع إذن إلى فشل في تكوين العنصر البشري المناسب والضروري للتنمية. لقد نجحت تلك النماذج في تحقيق أهدافها التي هي تنمية العروبة والإسلام السياسي، كما تشهد على ذلك هيمنة العروبة العرقية والقومية بالمغرب، وانتصار الإسلام السياسي بشكل غير مسبوق، كما يتجلّى ذلك في انتشار التطرف الديني وظهور الخلايا الإرهابية، ووصول دعاة الإسلام السياسي إلى رئاسة الحكومة وتسيير الشؤون العامة للدولة. هذا النجاح الكبير لتنمية العروبة والإسلام السياسي، يقابله إخفاق مريع للتنمية الحقيقية، التي تحتاج إلى العلم والمعرفة، والعقل والمنطق، وليس العرق والغيب. ولهذا نلاحظ أنه بقدر ما تتقدّم العروبة والإسلام السياسي بالمغرب، بقدر ما تتراجع التنمية، ويتدحرج المغرب إلى المراتب الخلفية في التصنيف الدولي لمستويات التقدّم والتنمية، كما يكشف عن ذلك أنه كان في 1980 أغنى خمس مرات من الصين (انظر موضوع: "لا جدوى من وقف التعريب اللغوي بدون وقف التعريب الهوياتي" على الرابط: http://tawiza.byethost10.com/1tawiza-articles/arabe/arabi.htm). ولهذا فليس بغريب إذا بدأ يتذيّل، في مجال التنمية، دولا إفريقية سبق أن كان متقدّما عنها، مثل السنيغال، كينيا، رواندا، إثيوبيا...
لماذا تخلّف المغرب مقارنة مع دول تجاوزته رغم أنه كان متقدّما عنها في الماضي القريب؟ لأن الإيديولوجية التي تبنّتها أو تبنّتها لها حاميتها فرنسا الدولة منذ 1912، جعلتها تحصر التنمية في تنمية العروبة والإسلام السياسي، كما كتبت. وهو ما حقّقت فيه نجاحا تجاوز ما كان منتظرا من نتائج. وهكذا تكون التنمية الوحيدة التي حققت نجاحا باهرا في المغرب هي تنمية التحوّل الجنسي للمغاربة من جنسهم الأمازيغي الإفريقي إلى جنس عربي أسيوي، أي تنمية التعريب، مع ما يصاحبه ويؤدّي إليه من تنمية للإسلام السياسي الذي ليس إلا الوجه الآخر للتعريب، أي التحوّل الجنسي. فشلت إذن التنمية الحقيقية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية (دمقرطة الحكم...)، لأن الأولوية أُعطيت لتنمية العروبة والإسلام السياسي.
شروط نجاح النموذج التنموي الجديد:
الآن، وقد عرفنا الأسباب الإيديولوجية لفشل النماذج التنموية السابقة، نستطيع، في ضوء ذلك، إعداد نموذج تنموي نتجنّب فيه الفشل بتجنّب تلك الأسباب التي كانت وراء هذا الفشل. وهو ما يعني أن من شروط نجاح النموذج التنموي الجديد القطعَ مع تنمية الإسلام السياسي والعروبة العرقية والإيديولوجية، اللذيْن كانا يؤطّران المشاريع التنموية السابقة، الشيء الذي كان وراء فشلها. وينتج عن ذلك أنه بدل السعي إلى "صنع" إنسان عروبي ومسلم إخواني، يكون أداة لتنمية العروبة العرقية والإيديولوجية وإسلامها السياسي، ينصبّ العمل التنموي على "صنع" إنسان مغربي حقيقي ليكون أداة لتنمية مغربية حقيقية. وهذا ما دعا إليه الملك في خطاب 20 غشت 2019 عندما أكّد على ضرورة إعداد «نموذج مغربي مغربي خالص». وما معنى أن يكون النموذج التنموي مغربيا مغربيا خالصا؟ معناه، بناء على أن الإنسان هو المورد الأول للتنمية كما سبق أن أوضحنا، إعداد وتكوين إنسان مغربي مغربي خالص. وما معنى إعداد وتكوين إنسان مغربي مغربي خالص؟ معناه أن يكون ما هو عليه، مطابقا لهويته التي يستمدها من موطنه بشمال إفريقيا كهوية أمازيغية جماعية، جعلت منه إنسانا أمازيغيا إفريقيا، وليس عربيا كما أوهموه بذلك وأشاعوه منذ 1912. وأكرّر موضّحا أنني عندما أقول: "وليس عربيا"، فلا يعني ذلك عداء للعروبة أو خصومة معها. فالعروبة، بموطنها وعند شعوبها العربية بدول الخليج، نقدّرها ونحترمها وليس لدينا معها أي مشكل. وإنما الخصومة هي مع العروبة المنتحَلة والزائفة بالمغرب، لأنها تزوير وبهتان وتحوّل جنسي، أي قومي وهوياتي، مخالف للحقيقة، وللأخلاق، وللدين وللطبيعة. والعرب الحقيقيون أنفسهم لا يعترفون بعروبة دول شمال إفريقيا، ويرفضون انتسابها إليهم.
فإعداد وتكوين إنسان مغربي مغربي خالص، شرط لتحقيق تنمية مغربية مغربية خالصة، لأن همّ هذا الإنسان سيكون هو تنمية بلده ووطنه، وخدمة هويته الأمازيغية الجماعية، وليس تنمية التحوّل الجنسي، وخدمة القضايا العربية والهوية العربية، التي لها أهلها الذين يخدمونها ويدافعون عنها.
لجنة النموذج التنموي:
عندما نتأمل تشكيلة لجنة النموذج التنموي، برئيسها وأعضائها الخمسة والثلاثين، والتي عيّنها الملك يوم 12 ديسمبر 2019، نلاحظ أنها لا تضم أي أمازيغي ضمنها. ولا أقصد أنها لا تضم ناطقين بالأمازيغية أو المنتمين إلى عائلات أمازيغية، وإنما أقصد أنها خالية من أعضاء واعين ومؤمنين بالهوية الأمازيغية الجماعية للمغرب. وهو أمر يبعث على التشاؤم بخصوص طبيعة النموذج التنموي الذي ستقترحه اللجنة، وينبئ أنها ربما لن تأتي بجديد في ما يتعلق بتصوّرها لمواطن الغد، الذي سيؤهّل ليكون منتجا وصانعا للتنمية. فغياب العنصر الأمازيغي، بالمعنى الذي شرحته، داخل هذه اللجنة، مؤشر على أنها ستُعدّ نموذجها التنموي دون تغيير لتصوّرها لإنسان المستقبل، الذي قد يبقى هو نفسه إنسان الأمس، أي ذلك المتحوّل جنسيا، بالمعنى القومي والهوياتي، الحامل لوعي زائف وكاذب بانتمائه الحقيقي. وهو نفس الإنسان الذي أدى إلى فشل النماذج التنموية السابقة، لأنه أُهّل ليس ليكون قادرا على تنمية اقتصاد البلاد وإنتاج الثروة بما كان ينبغي أن يتوفّر عليه من معرفة وكفاءة ومهارات، وإنما أُهّل ليكون عروبيا ومسلما إخوانيا ووهّابيا، مستعدا لتفجير نفسه، ليس من أجل الدفاع عن قضايا وطنه، بل من أجل العروبة وإسلامها السياسي.
وإذا كان جل أعضاء اللجنة ينتمون إلى التيار الفرانكفوني، فلا يعني ذلك أن اللجنة ليست ذات توجّه عروبي في إيديولوجيتها وقناعات أعضائها. بل إن الحضور الطاغي للتوجّه الفرانكفوني ضمن اللجنة دليل على توجّهها العروبي المناوئ للأمازيغية. لماذا؟ لأن الفرنكوفونية، كما يثبت ذلك تاريخ المغرب المعاصر، هي حليف استراتيجي للعروبة في المغرب، منذ أن تدخّلت فرنسا عسكريا لحماية هذه العروبة في 1912، كما هو معلوم. ومنذ ذلك التاريخ وفرنسا، مع ما يرتبط بها من إيديولوجية فرانكفونية، هي العدوّ التاريخي الأول للأمازيغية والأمازيغيين. ولهذا فإن التعريب تحقّق أولا بالفرنسية قبل العربية، وأن الفرنكوفونية هي الوجه الآخر للتعريب في المغرب (انظر موضوع: "التعريب نجح أولا بالفرنسية قبل العربية" ضمن كتاب: "في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي"، بموقع "تاويزا"). وقد أجاد الأستاذ الدكتور حسن أوريد في تبيان دور الفرنكوفونيين المغاربة في خدمة الفساد والاستبداد رغم تكوينهم العصري ومستواهم الثقافي العالي (انظر موضوع: «آفة الفرنكوفونيين في كتاب: "من أجل ثورة ثقافية بالمغرب"» ضمن كتاب: "قضايا مغربية"، بموقع "تاويزا").
الخلاصة أن طبيعة تشكيلة اللجنة لا تبشّر أن النموذج الذي ستقترحه سيكون "مغربيا مغربيا خالصا"، كما جاء في خطاب الملك. بل تشي بأن هذا النموذج لن يختلف كثيرا عن سابقيه ما لم يتضمّن في مرتكزاته تحرير المغرب من التبعية للعروبة، هوياتيا وإسلاميا، وذلك بالدعوة إلى بناء مغرب جديد على أساس هويته الأمازيغية الجماعية، وإسلامه المغربي، كما كان يمارسه المغاربة قبل وباء الإخوانية والوهابية، القادم من المشرق.
ولا يمكن اعتبار الهوية والإسلام موضوعا إيديولوجيا لا علاقة لهما بموضوع النموذج التنموي، إلا إذا كنا ننظر إلى التنمية على أنها مجرد إجراءات تقنية تخص ما يتحقق من منجزات خلال مدة قصيرة لا تتعدّى خمس سنوات مثلا. وهنا يكون الموضوع ليس هو التنمية بل فقط "النمو" .Croissance وشتان بين الاثنين. فالتنمية، كما سبق توضيح ذلك، لا تتعلق بالإنجازات المادية والتقنية، الخاصة بمدة معينة. وإنما تتعلق بإعداد الإنسان وتأهيله ليصبح قادرا، هو نفسه، على صنع التنمية. ومن هنا نرى أن طبيعة الهوية ونوع الإسلام (نوع المذاهب والتيارات...) اللذيْن يؤمن بهما الفرد، لهما تأثير على نوع التنمية التي ينتجها. فعندما تكون هويته عربية وإسلامه إخوانيا ووهابيا، فإن التنمية تعني لديه تنمية هذه العروبة وهذا الإسلام. وهذا النوع من التنمية هو الذي أفشل التنمية الحقيقية بالمغرب، وكان وراء الدعوة إلى إعداد نموذج تنموي جديد، كما سبقت الإشارة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.