آخر حوارات اليوسفي: عندما قال لي الحسن الثاني نحتاج إلى برلمان يوجد به أصحاب “شيكات”    الرميد: “لقد فارقنا اليوسفي أحد الرجالات الأفذاذ.. الرجل الديمقراطي والوطني”    الشرطة الأمريكية تعتقل فريق “سي إن إن” على الهواء أثناء تغطيته الاحتجاجات (فيديو)    الحرب على الحشيش في زمن كورونا.. يقظة أمنية وتنويه دولي    توسع البؤر بطنجة يفاقم الوضع الوبائي بالجهة    رغم قرار الوزارة.. أرباب مقاهي ومطاعم طنجة يفضلون عدم فتح أبوابهم لهذه الأسباب    عبد الرحمن اليوسفي يغادر إلى دار البقاء بعد صراع مع المرض    أشرف حكيمي.. أسرع لاعبي الدوري الألماني    البام يطالب بنقل اختصاصات تدبير المرافق الصحية للجماعات    عبد الكريم جويطي ل «الملحق الثقافي»:    صفرو: شرعية رئيس رباط الخير على المحك بعد تقديم 20 عضوا لاستقالة جماعية    مكتب الفوسفاط يحقق رقم معاملات بقيمة 12.27 مليار في الربع الأول من 2020        “الكاف” توافق على صرف مساعدات مالية للاتحادات الأعضاء    سد باب لوطا ضواحي تاهلة يبتلع شابا والوقاية المدنية تسارع الزمن لاستخراج الجثة    شركة رونو توقف جزءا كبيرا من نشاطها في المغرب وتستغني عن آلاف العمال    الممثلة المغربية طاهرة: لم أؤد مشاهد مبتذلةفي"سلطانة المعز"    حضور مغربي في الفيلم العربي الفرنسي"تروكاديرو"    المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة يدعو إلى تأجيل الرجوع إلى المساجد    اليوسفي الذي حمل وردة اليسار بأمانة..هكذا حظي بتكريمات خاصة من الملك محمد السادس    شاهد اقوى ما قاله اليوسفي الذي مات فجر اليوم: لا يجب ان نخجل مما حدث    كورونا.. آيت الطالب ينفي خبر إعادة 300 مغربي عالق بالخارج في الأسبوع    الصين تتهم أمريكا بأخذ مجلس الأمن "رهينة خاصة"    مَنْطِق بالتَّطْبِيق نَاطِق    بنشعبون: مخطط الانعاش الاقتصادي للاتحاد العام لمقاولات المغرب يشكل منظومة “مرجعية غنية للغاية “    المغرب يسجل "54" حالة كورونا خلال 16 ساعة    خارجية قطر تكشف حقيقة انسحابها من مجلس التعاون الخليجي    تويتر يضع إشارة "تمجيد للعنف" على تغريدة لترامب بشأن أحداث مينيابوليس    توقعات أحوال الطقس اليوم الجمعة    الرباط.. إيداع طبيب وشريكه السجن في قضية استغلال قاصرين جنسيا    تاونات.. الأمن ينفي تعرض سيدة لأي عنف أو إيذاء عمدي أثناء تدخل أمني لتوقيف ابنيها    جائحة “كورونا”.. البرازيل تحصي أكثر من 26 ألف حالة إصابة جديدة    العرائش..رصاصة تفك احتجاز عون سلطة داخل فرن تقليدي    مخاوف من موجة ثانية ل”كورونا” في كوريا الجنوبية، وتحذيرات من سحب قوات حفظ السلام من دارفور    بودريقة والزيات والحكماء .. "حرب باردة" تُشْعل "القلعة الخضراء"    ميلان يتقدم على روما في التعاقد مع مزراوي    حركة التاريخ في فكر المفكر محمد طلابي    الممثل بوبكر يعتذر للأئمة .. والمحامي يطالب المغاربة بالستر    الجديدة : جمال و حمودة يصدران أغنية ''جايحة'' في زمن الحجر الصحي    هيئات مهنية إسبانية تنادي بترحيل "عاملات الفراولة" إلى المغرب    افتتاح سوقين للمواشي بمدينتي الريش وبومية    السودان يؤكد التزامه وجديته في إنجاح حملة جمع السلاح بالبلاد    كورونا.. الأمم المتحدة تدعو إلى دعم جهود تعافي الدول النامية    1297 وفاة بفيروس كورونا خلال 24 ساعة بالولايات المتحدة    ريال مدريد يحافظ على صدارة تصنيف أغنى أندية أوروبا    المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية يعطي انطلاقة تهييء القاعة المغطاة للفقيه بن صالح بتعاون مع المجلس الجماعي من أجل استعمالها كمركز لامتحانات الباكالوريا .        وفاة غي بيدوس: رحيل فنان محب للعدالة    نقص أطباء التوليد بإقليم العرائش يصل البرلمان    اتفاقية تعاون لإنعاش قطاع النقل السياحي بالمغرب    مولاي حفيظ العلمي ينسحب من الاستثمار في قطاع الصحة بعد بيع مصحة « غاندي »    إسبانيا تسمح بفتح أحواض السباحة ومراكز التسوق الإثنين    تحديات قطاع السيارات بالمغرب في ظل أزمة كوفيد-19    المغرب يعرب عن دعمه الكامل للاستجابة العالمية لوباء فيروس كورونا    المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة يكشف عن موقفه من فتح المساجد بأوروبا    الأوقاف تكذب : فتح المساجد أمام المصلين سيتم بعد قرار السلطات المختصة بعودة الحالة الصحية إلى وضعها الطبيعي.    وزير الأوقاف: كورونا ابتلاء من الله وسبب رجوع كثير من الناس إلى الله    الملك محمد السادس يصدر أوامر من أجل تنظيم الزكاة في المغرب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





آن للإنسانية أن تنصت لحكمائها
نشر في هسبريس يوم 03 - 04 - 2020

لقد عاشت الإنسانية على مدى قرن من الزمن، أي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى إلى أزمة وباء كوفيد 19، عدة فواجع ومآس إنسانية هائلة تمثلت في اندلاع حروب وإبادات جماعية في كل بقاع العالم أتت على الأخضر واليابس، وأودت بحياة ما يزيد على 160 مليون شخص خلال "قرن الدم" (Le siècle du sang :1914-2014 : les vingt guerre qui ont changé le monde) (منها ما يقرب من 12 مليون عربي ومسلم كما ذكر المهدي المنجرة في كتابه قيمة القيم، ص 14)، ومجاعات كبرى راح ضحيتها ما بين 70 إلى 100 مليون إنسان (أشهر المجاعات في التاريخ الحديث: موقع حفريات)، وأوبئة فيروسية مميتة كالأنفلونزا الإسبانية (1918_1919) التي تسببت في مقتل 50 مليون شخص على مستوى العالم، وأنفلونزا هونغ كونغ (1968_1970) التي أزهقت روح مليون شخص أغلبهم في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنفلونزا الخنازير (2009 – 2010)... وغيرها من الأوبئة العالمية أو القارية التي كانت تسوق معها ملايين الضحايا من بني البشر... أضف إليها ما أحدثه "الإنسان" من دمار شامل في البيئة الطبيعية بسبب النفايات الصلبة والسائلة التي يخلفها الاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية المشتركة... مما أدى إلى اختلالات فظيعة على مستوى تكافؤ فرص الإنسانية في الاستفادة من خيرات الطبيعة وتقاسم الثروات الوطنية والعالمية، حيث أكدت تقارير الأمم المتحدة أن: "أكثر من 800 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع، و أكثر من 90 مليون طفل تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية ونقص الوزن، و300 مليون عامل يعيشون على أقل من 1.25 دولار في اليوم، و حوالي 795 مليون شخص يعانون من نقص التغذية، و لا يزال 2.4 مليار شخص لا يتوفر على مرافق الصرف الصحي الملائمة، بما في ذلك 946 مليون شخص يبولون ويتغوطون في العراء، ويعيش ما يقرب من مليار نسمة في سكن غير لائق بالآدميين...)!!
وعلى الرغم من هذه المفارقات الصادمة والفواجع الفظيعة التي تعيشها الإنسانية في القرن الواحد والعشرين، فإنها انساقت وراء فلسفة اللذة والاستمتاع والاستهلاك واللهو واللعب بلا حدود في إطار "حداثة مادية سائلة وجارفة"، إلا أنها خادعة وبلا معنى ولا روح لأنها تهتم بشكل الإنسان وظاهره الخارجي، وتُظْهر "الإنسان العالمي" بمظهر "الرخاء العام"، وأنه يعيش "سعادة غامرة" ولذلك فهي تلتأم في مهرجانات فنية ومسابقات رياضية كبرى تُنْفق عليها بسخاء الشركات العابرة للقارات ملايير الدولارات واليوروهات... بل وانتهى الأمر بهذه الفلسفة إلى السقوط في التفاهة1(LA médiocratie)، وجعلها نمطا حياتيا جديدا وجذابا أنتجه النسق الفكري والاجتماعي والسياسي الليبرالي في أوربا وأمريكا وسوّق له بقوة في كل بقاع العالم عبر الأنترنيت من خلال وسائل التكنولوجيا الرقمية المتطورة .. ومن مظاهر هذا النموذج:
إبراز التافهين في وسائل الإعلام وتسليط الأضواء عليهم وتقديمهم للمجتمعات الإنسانية على أنهم رموز للاقتداء في "النجاح" و"السلام" و"المحبة" و"التسامح"... وغيرها من الكلمات الرنانة العظيمة المبنى ولكنها خالية المعنى. !!
سلعنة الجسد البشري، أي تقديمه كسلعة استهلاكية (produit) بدون قيم إنسانية، ولكنه مادة قابلة للتداول بالبيع والشراء وكل أشكال الاستغلال وتحقيق أرباح خيالية في عالم المال والأعمال و"الجمال"!
الانتقاص من قيمة العلم والمعرفة، من خلال إبراز "المواهب" في عالم الرياضة والفكاهة والغناء والرقص والسياسة والمال والأعمال... التي لا تتوفر حتى على الحدود الدنيا من التعليم، وتفتخر أنها كانت لها قطيعة كاملة ومبكرة مع كراسي الدراسة ومع ذلك "حققت نجاحات باهرة في الحياة المادية" وأصبح لها "حضور وازن في المجتمع"، بل ويُحْتفى بهذه النوعية من البشر ويلقبون بأنهم "نجوم ومشاهير"، ويتم الإغداق عليهم بأموال طائلة حتى بات الناس يتحدثون عن أن مداخيلهم تصل إلى مبالغ فلكية في الدقيقة الواحدة، مع أنهم لا ينفعون الإنسانية بشيء في المجالات الحيوية التي تخص صحتهم الجسدية أو العقلية أو النفسية أو الروحية أو الاجتماعية أو التربوية...، لأنهم لا يملكون في رصيدهم المعرفي والإنساني إلا ما يصفه المتاجرون بصورهم وأسمائهم على أنه "مهارات" في "أقدامهم" أو "حناجرهم" أو "أجسادهم"... دون أن يعني هذا الكلام أننا ننكر أهمية الفن والرياضة في حياة الإنسان، ولكن لا نريد يُرْفع قدرهما أكثر مما يستحقان أو أن يتّخذا وسائل "تخريبية مدعومة" لتخدير جماهير الإنسانية وصرف اهتماماتها عن القضايا المصيرية التي تتعلق بالمشترك الإنساني الذي يحفظ الكرامة الآدمية لجميع البشر فوق هذه البسيطة: (التنمية، البيئة، العدالة الاجتماعية، الصحة، القضاء على الفقر، توفير الغذاء الكافي والسكن اللائق، السلام، التعايش، التضامن...).
الترويج "للمقولات التافهة"، وجعلها أمثالا سائرة وعبارات سيّارة ومتداولة بسرعة البرق عبر وسائط التواصل الاجتماعي، بل وتوظيفها من طرف بعض الأشخاص المحسوبين على "النخبة المثقفة" لإضفاء "المصداقية والمشروعية الثقافية" عليها، مما أدى إلى تنميط الألسنة وتسطيح العقول وتمييع المعرفة ككل!!
تلويث سيرة وسمعة ذوي القيم الإيجابية، من أي جنس أو دين أو بلد كانوا، وذلك من خلال عمليات الحفر والتنقيب العميق في كل حركاتهم وسكناتهم قديمها أو حديثها، أو تصيد بعض عثراتهم وتضخيمها، أو حتى من خلال الترويج الواسع للسيناريوهات اللاأخلاقية المفبركة... حتى يقتنع الجميع بأن كل من على أديم الأرض مُدنّس وحليف إبليس!!!
وأمام هذه الفواجع كان حكماء الإنسانية من علماء دين وفلاسفة ومفكرين وباحثين اجتماعيين وأنتربولوجيين وخبراء اقتصاديين ودارسي مستقبيلات وأضرابهم من علماء الطبيعة والإنسانيات -كانوا- يدقون ناقوس الخطر حول كل تلك المخاطر والمفارقات التي ألمحنا إلى بعضها في هذه المقالة، وذلك للتنبيه إلى أن الإنسان يهدد وجوده المادي والطبيعي والقيمي، ويسير نحو "حتفه" أو "نهايته" بتدابيره وسياساته المتبعة في علاقاته الشخصية والعالمية التي تزداد فيها مساحات التمييز والعنف المفرط وإذكاء روح الكراهية بين الشعوب والأفراد واتساع فجوة العيش الرغيد بين إنسان البلدان المُسْتغنية والمفَقّرة... وتوظيف العلم والمعرفة في الإضرار بالإنسان من خلال الإنتاج المفرط لوسائل الدمار الشامل من أسلحة نووية وبيولوجية وجرثومية وتكنولوجية... بما يجعل العيش على كوكب الأرض –في المدى المنظور- صعبا وشاقا بسبب السياسات الاقتصادية/ الاستهلاكية المعولمة التي لا يهمها الإنسان بقدر ما تهمها "أرباحها الصافية" التي تجنيها من هذه السياسات اللاإنسانية!! وهو ما ظهر بجلاء للإنسانية جمعاء مع أزمة كورونا، حيث تبيّن أن هذه المخاطر التي حذر منها حكماء الإنسانية ليست بمنأى عن أي كان وفي أي مكان في عالم اليوم، وأنه كما تمت عولمة الهامبرغر والسوشي والشاورما والكسكس وكل ما ينفع الإنسان صحيا ونفسيا واجتماعيا...يمكن أن تتم عولمة الفيروسات والأوبئة والأوجاع التي تهدد وجود الجنس البشر ي، أو بعبارة أخرى كما تمت عولمة الخير بسهولة فإنه يمكن أن تتم عولمة الشر بسهولة وسرعة أكبر!!!
1 - Médiocratie/Mediocracy : مصطلح ظهر في القواميس الغربية حوالي عام 1825، وتعني النظام الاجتماعي الذي تكون الطبقة المسيطرة فيه هي طبقة الأشخاص التافهين، أو الذي تتم فيه مكافأة التفاهة والرداءة عوضا عن الجدية والجودة. (مشاعل عبد العزيز الهاجري مترجم كتاب: نظام التفاهة (La médiocratie) للفيلسوف الكندي Alain Denault ص 14).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.