المغرب يتعهد بنشر قوات أمن وإنشاء مستشفى ميداني في غزة    مجلس الحكومة يهتم بمجلس الصحافة    الزلزولي: "أنصار ريال بيتيس الأفضل في "الليغا" ويذكرونني بجماهير المنتخب المغربي"    هاته هي الأسماء التي تم تعيينها اليوم في مناصب عليا بالمجلس الحكومي    اليوم الوطني للسلامة الطرقية بالمغرب، رمزية التخليد وضعف في التعبئة المجتمعية    الحكومة تصادق على مشروعي مرسومين لتوسيع تمليك أراضي الجماعات السلالية    ليلى شهيد.. رحيل امرأة استثنائية    تبعات نهائي أمم إفريقيا اعتراف من داخل الكاف: المغرب كان ضحية قرارات لم تحترم المساطر ولا رجعة في تتويج السنغال    الذهب يرتفع مع تزايد التوتر بين أمريكا وإيران وترقب بيانات تضخم أمريكية    أخبار الساحة    تطورات: وفاة الشخص الذي قفز من مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية    تنافس قوي بين المغرب وبلجيكا على ريان بونيدة    مكتب الصرف يطارد استثمارات "مخفية" لرجال أعمال مغاربة في الخارج    عمالة إقليم العرائش .. كافة سكان مدينة القصر الكبير يمكنهم العودة إلى منازلهم ابتداء من اليوم الخميس    توقعات أحوال الطقس خلال العشرة أيام الأولى من شهر رمضان    الحكومة تصادق على الصيغة الجديدة لمشروع قانون المجلس الوطني للصحافة    وزارة الأوقاف تحدد موعد قرعة الحج        انطلاق عملية الإحصاء الخاص بالخدمة العسكرية بداية مارس المقبل    وزارة الأوقاف تعلن مواعيد قرعة الحج لموسم 1448ه وإعلان اللوائح النهائية    نقابات الصيادلة تندد ب"الإقصاء" ومجلس المنافسة يؤكد شرعية إصلاح القطاع    اعتقال شقيق ملك بريطانيا بعد فضيحة إبستين    "الكونفدرالية" ترفض الإصلاح الحكومي الأحادي لأنظمة التقاعد وتحذر من المساس بمكتسبات الأجراء        بعد أكثر من 14 سنة على تعيين أعضائه.. تساؤلات حول تأخر تجديد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رغم تعيين رئيس جديد    الارتفاع يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    شنغن تتجه لتمديد التأشيرات لأكثر من خمس سنوات    استيراد أبقار إضافية يعزز تموين السوق باللحوم الحمراء في شهر رمضان    بنزيما: "شهر رمضان يمنحني التركيز والتألق"    المغرب يجمع منتخبات إفريقيا وآسيا في دورة دولية ودّية بالرباط والدار البيضاء    تحالف انتخابي بلا تعاقد.. هل يغامر اليسار بما تبقى من رصيده؟    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    آيت منا يراهن على جمهور الوداد لاقتحام دائرة أنفا بالدار البيضاء        إنفوجرافيك | 5780 شخصًا.. ماذا نعرف عن الموقوفين على خلفية حراك "جيل زد 212"؟    ملحق أبطال أوروبا.. إنتر يسقط في فخ بودو وأتلتيكو يتعثر ونيوكاسل يكتسح    نقابة تطالب مؤسسة الحسن الثاني للنهوض بالأعمال الاجتماعية بمنح إعانات استثنائية لموظفي الصحة المتضررين من الفيضانات    سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    جديد النظر في "مقتل بدر" بالبيضاء    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    الأستاذ باعقيلي يكتب : "مقدمات" ابراهيم الخديري على مائدة "كاتب وما كتب"    كاتبان مغربيان في القائمة القصيرة ل"جائزة الشيخ زايد للكتاب" في دورتها العشرين    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أوراق من زمن الجائحة
نشر في هسبريس يوم 21 - 04 - 2020

- هذه تسع أوراق من محفظتي ومن مفكرتي في هذه المرحلة العصيبة من حياتنا كمغاربة وكبشرية. وأتمنى لكم قراءة ممتعة...
1- إستراتيجيو اللغو: العِلم اللقيط
-قرأت كثيرا من ''التحليلات'' للأوضاع الوطنية والدولية الجارية، في هذا الظرف العصيب وفي سياق هذه الجائحة الكونية البغيضة. لاحظت أن عددا كبيرا من ''الكتاب'' يقررون ولا أحد يفترض، وقد استفزني الأمر كثيرا.
إذا كنتم تؤمنون بالعلم، فلا تقرروا شيئا من فضلكم. ألم يكن من الأجدر أن تقولوا وأنتم ''تحللون'':- أظن أن..- يبدو لي..- بناء على المعطيات التالية..- أفترض في ضوء كذا وكذا..- ربما..- قمت باستنباط نتائج معينة من تحليل كذا......الخ...هكذا ستكون أفكاركم وجهات نظر مقبولة، وذلك يدخل في نطاق حريتكم المصونة بقوة القانون...
- أتركوا هذا السلوك المشين، ولا تحسبن أنفسكم إستراتيجيين فعليين وخبراء آخر ساعة، على الأقل لكي لا تكونوا مشابهين لأولئك ''الإستراتيجيين المغاربة'' الذين طفقت بهم ساحة الإعلام العمومي والافتراضي (قبل الجائحة).. أعني أولائك الذين على بالكم.....
- أصبح الكل يحلل ويُنظٍر ويضرب أخماسا في أسداس في شبكة الأنترنيت وعلى نطاق لا حد له.
- تذكرت على التو، بشكل خاص ماكس فيبر ( 1864-1920) كما تذكرت آخرين كثيرين. إنه أحد المراجع الأقوى لفهم كل التقلبات والثورات الكبرى للزمنين: الحديث والمعاصر، بحسه العلمي الاستباقي الفذ، كان يحب استنباط الظواهر الميكرو- سوسيولوجية من قلب الصيرورة التاريخية، أي من قلب الظواهر الماكرو البادية بوضوح كامل..ثم يفترض بناء عليها فرضيات للمستقبل....
-كما تذكرت على سبيل التلميح ابن خلدون (1332-1406 م)، مهندس ''علم العمران البشري'' في القرون الوسطى، و....
أنتم أيها السادة، ''تستنبطون'' المستقبل كله، من الماضي السحيق الهارب من كل تقنيات الضبط المنهجي، ماضي المجاعات والحروب والأوبئة الفتاكة، دون أن تستشيروا المؤرخين المتخصصين، والحاضر الغامض إلى اليوم وهو في لحظة غليان شديد، بطريقة: ''التحنقيز المعرفي''. هكذا ففي مقالات أو حتى تدوينات مقتضبة تقررون مصير العالم في دقائق..
- اطرحوا التساؤلات..هذا حقكم، قولوا فقط أشياء تعرفونها (باراكا من المسخرة التوقعية وهي ''دوجما'' فضيعة). كفى من اليقينيات الخاوية.
- لا ألوم ''مٍّي نعيمة'' وأشفق على حال المسكينة حين صاحت بطريقة غير مقبولة تماما في الفيديو: ''قسما عظما -قسما عظما..''. لكن ألومكم أنتم....
- هل عرفتم ألا قيام لأنظمة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية وإيديولوجية كبرى سوى على أنقاض أنظمة أخرى، مع تشديدي القوي على أن فترات مخاض تاريخي دقيقة تخترق الزمن المعاصر، ومع مراحل انتقالات جد معقدة المبنى والمعنى.....فالتغيير التاريخي ليس لعبة ''داما'' تؤول بحركة واحدة في اتجاه أو آخر....في اتجاه رابح وخاسر.
- أرى أنكم: ''تخربشون'' حين تتحدثون عن سقوط هذا النظام العالمي وصعود نظام بديل له..قد يسقط هذا النظام فعلا، وقد يصعد آخر... لكن ليس بالسخافة التي تتصورونه بها...
- وبجرة قلم، تتوقعون سقوط ما تسمونه: ''الغرب''، سقوط الاتحاد الأوروبي، سقوط ''الكاوبوي'' الأمريكي، سقوط "الليبرالية" أو ''الرأسمالية'' (لاحظت كثيرا من الخلط في تداول هذين المفهومين).....صعود ''التنين'' الصيني، أو: ''الثعلب'' الياباني، أو ''الدب الأبيض'' الروسي، أو ''الشيطان'' التركي، وربما كبريات دول جنوب شرق آسيا....ولا أعرف من أيضا وضعتموه في سكة الصعود....
- اصبروا قليلا من فضلكم، حتى تنقشع بعض معالم الرؤية على الأقل....واتركوا العلماء يشتغلون....
- أتركوا الإستراتيجيات لأهلها من العلماء، وانفعونا وانفعوا بلدكم على الأقل بعدم مبارحة دياركم في هذا الزمن الاستثنائي......مع عنايتكم بواجباتكم الاجتماعية والمهنية المختلفة بالطبع.....
- اللعب والضحك مقبول ومحمود في هذا الزمن الصعب، لأن منافعه في التنفيس عن الروح والحد من هذا الضيم والقلق الذي يحيط بنا..لكن...لا للهراء...
2- إيطاليا الإنسانية جدا
- في التاريخ نفسه من السنة الماضية (بداية أبريل)، كنت في زيارة إلى إيطاليا، وقد كنت بالضبط في روما ''الأسطورة القديسة'،' ونابولي ''ساحرة الأزمنة القديمة'.
-إيطاليا محبة الحياة، تقاتل اليوم بكل قواها هذا الوباء القاتل الذي حصد الآلاف من مواطنيها، ولم يكن 'أصدقاؤها' الأوروبيين في مستوى التضامن معها، إذ تركوها لوحدها في الواجهة. ومما لا شك فيه، كما أعتقد، أن في هذه الواقعة بعض الحقيقة، وفيها أيضا بعض ''التطبيل'' لأهداف إيديولوجية وإستراتيجية..لا علاقة لها بمحبة إيطاليا..( خليو الأوروبيين يفكو وحايلهوم براسهم. راهوم قادين...).
- أحببت بشكل شبقي هذا البلد الجميل، وربما أصبحت أحبه أكثر. ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أشدد على معطى تاريخي رمزي عميق جدا هو أن إيطاليا في التاريخ الأوروبي جملة وتفصيلا هي مهد حركة الإصلاح الديني، أو لأقل الثورة الدينية الكبرى كلها. وقد كانت مقدمة مرجعية في الخروج الأوروبي الواسع النطاق، من ربقة القرون الوسطى، بمعنى من محن وجرائم الكنيسة الكاثوليكية (الإمبراطورية).
- إيطاليا أيها السادة هي مهد النزعة الإنسانية التي حررت الفكر الأوروبي بعد ثورات لاحقة (النزعة الإنسانية هي التي جعلت الإنسان سيدا على هذا العالم)، من جبروت اللاهوت الكنسي. إن ما يسميه الباحثون: ''عصر النهضة الأوروبي''، لا يفهم ولا يستقيم، بدون هذه المساهمة المرجعية لإيطاليا..وبعد ذلك..فلا أنوار ولا حداثة ولا ما-بعد الحداثة، ولا تقدم، ولا علم ولا عقلانية، الخ..... في غياب النهضة.... أي في غياب إيطاليا...
- أتذكر في هذا السياق الدقيق علمين كبيرين من خيرة مؤسسي هذه النهضة، في حلتها الإنسانية (الإنسية) الرائعة ( في القرن الرابع عشر): إيطاليا هي بلد فرانشيسكو بيتراركا-بيترارك (1304-1374) رائد النهضة الإيطالية، التي تلقفها في ما بعد (القرن الخامس عشر) الفيلسوف الهولندي اللامع دزيدريوس ايراسموس (1469-1536)، رائد النهضة الأوروبية.
-رحم الله جميع ضحايا هذه الجائحة الشنيعة (وقد كان من بينهم مغاربة أيضا).
- إيطاليا...دمت سالمة...
3- تحية إجلال وتقدير
- تحية إجلال وتقدير لكل خدام الصحة العمومية في وطننا الحبيب، بجميع وظائفهم ومراتبهم ومواقعهم الطبية والإدارية والخدماتية، وهم يضحون بحياتهم في خدمة هذا الشعب من أقصاه إلى أقصاه، للحد من خسائر هذه الجائحة الرهيبة التي داهمتنا كما داهمت العالم كله.
- تحية لكل المخلصين الأوفياء لقسم أبقراط، في زمن المحن والخوف والذعر الذي يحيط بنا من كل جانب.
- استمعت اليوم لفيديو على يوتيوب، يتحدث فيه طبيب نبيل اسمه الحسن التازي، وهو يضع عيادته الخاصة كاملة (كلينيك في الدار البيضاء) رهن إشارة السلطات الصحية العمومية للمساعدة على التصدي لهذا الوباء الخطير. وأيقنت على التو أن هناك في هذا البلد كثيرا من أمثال البروفسور التازي من القطاع الخاص، يشتغلون بناء على هذا المبدأ النبيل. فتحية لكم جميعا. وليت الباقين يلتحقون بكم، وينسون لحظة التجارة والأعمال....
- تذكرت أيضا طبيبة إنسانة، مناضلة بجميع المقاييس، أعرفها جيدا منذ سنين (وهي اليوم في فترة نقاهة اضطرارية- الله يشافيها). إنها البروفسور أمينة بلافريج من مصلحة طب الأطفال في المستشفى الجامعي السويسي بالرباط، وقد كانت دائما في مقام النبل العالي، في خدمة الأطفال من مختلف طبقات الشعب، بروح استماتة قل نظيرها، وقد كانت تشتغل بقلب كبير، دون أن تكون هناك جائحة تقتضي هذه الاستماتة الأسطورية..وأنا أعرف جيدا أن كثيرا من أطبائنا وطبيباتنا في الصحة العمومية يمتلكون نفس الخصال السامية.....فتحية لكم، تحية لكن.....
- في هذا السياق، لن أنسى تحية كل القوات العمومية المغربية، مدنية وعسكرية، وكل رجال ونساء السلطة الترابية والمركزية، ورجال ونساء العدالة، على تضحياتهم التي لا تقدر بثمن (من البقال والخضار والمعلم وشرطي المرور ورجل القوات المساعدة وعامل النظافة وكل اليد العاملة الوطنية، إلى أعلى درجة وظيفية يمكن أن نتصورها.....).
- دمتم، دمتن، في خدمتنا......تقبلوا، تقبلن، اعترافنا....تقبلوا، تقبلن، محبتنا التي نعجز فعلا عن التعبير عنها....
-دمتم سالمين.....دمتن سالمات....
4- "بونجور ناظور، بونسوار كازا"
- كنت مرارا، حين يقتضي الأمر ذلك، وفي إطار التذكير النافع بعلاقات معقولة وأخلاقية بين الأستاذ والطالب، أذكر طلبتي وطالباتي أثناء الدرس بحكمة جليلة لا يعرف معانيها الجميلة بشكل عملي (براغماتي)، سوى ''أصدقاء الطريق''، أعني مهنيي الطرق والنقل الطرقي، من (شيفورات وكريسونات...) شاحنات الوزن الثقيل الذين يقطعون الطرق طولا وعرضا، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، في الليل وفي النهار، فالأمر سيان بالنسبة لهم..
- تقول هذه الحكمة التي يكتبها أصحاب (الكاميونات) خلف عرباتهم بالبنط العريض، حتى يراها من يشاركهم (يتقاسم معهم) الطريق في الصفوف الخلفية:
"اٍحترمْ..تُحترمْ".
- إنها حكمة جميلة من أجل تقاسم عادل للفضاء العمومي بين الناس، يقدمها لنا أصحاب الشعارات النضالية من أجل لقمة خبز نظيف:- بونجور ناظور، بونسوار كازا- بونجور مراكش، بونسوار الداخلة......وفي قلب هذه 'البونجورات' و' البونسوارات'، لا ينسى هؤلاء أن يذكروننا أيضا بكلمة جميلة أيضا: ''خُوكْ أنا".
- تقبلوا اعترافنا بكم وبخدماتكم أيها السادة، خاصة في هذا الظرف الحرج الذي نجتازه في مواجهة هذه الجائحة. فمن بين القوات المغربية التي لم تتوقف عن العمل في هذا الوقت العصيب، أنتم بالذات.....قدموا شكرنا أيضا لكل الفلاحين والمنتجين واليد العاملة والمستخدمين الذين يقفون وراءكم....أولائك الذين يشاركون معكم هذه المتاعب...
5- العمل باعتباره إيمانا
- متى يتحول منطوق العمل إلى شعار عملي في ديارنا؟ - متى يستطيع أن يتحول إلى أحد مقومات التَّديُّن والإيمان الديني؟ بعبارة أوسع وأبهى، متى يتحول إلى جزء من إنسانيتنا؟.
- كان الفيلسوف الهولندي دزيدريوس ايراسموس (1469-1536)، رائد النهضة الأوروبية..يقول: ''عش كأنك ستموت غدا، واعمل كأنك ستعيش أبدا''؛ كما كان يردد: ''أتمنى أن أموت في وقت العمل، لا في وقت الراحة''. وكان ايراسموس مدافعا عنيدا عن العلم والعمل كقيمتين اجتماعيتين مقدستين، وعدوا شرسا للكسل والخمول بجميع معانيهما.
- وكتب الفيلسوف الهولندي الفذ باروخ سبينوزا (1632-1677) رائد فلسفة الدين الحديثة: "لا يمكن الحكم على أحد بأنه مؤمن أو غير مؤمن إلا بأعماله، فإذا كانت أفعاله حسنة، مع اختلافه في عقائده عن بقية المؤمنين، فهو مؤمن، وإذا كانت أفعاله سيئة واتفقت عقائده لفظيا مع آخرين فهو غير مؤمن. ذلك لأنه إذا وجدت الطاعة وجد الإيمان بالضرورة. والإيمان دون الأعمال ميت....". هكذا اشتغل سبينوزا على التراث الديني بعقل جذري ناقد وذكي...
- أقول مرة أخرى، بصيغة أخرى: هل نستطيع فعلا، بعد أن تمر هذه الجائحة ونحن سالمين، أن نراجع بعض القيم من قلب ذواتنا النائمة، دولة ومجتمعا وأفرادا...؟.
- لنفكر، لنتأمل..حتى نتدبَّر...
6-التعليم ومحبة العلم
- بحت أصواتنا جميعا.. بحت أصوات كل محبي هذا الوطن، في مطالبتنا بتعليم له جودة عالية. وطالبنا دائما كمغاربة ننشد المستقبل بالاستثمار في التعليم لأنه مشتل التنمية بمفهومها الواسع في جميع القطاعات، ومن بينها بطبيعة الحال الصحة والطب.
- في زمن هذه الجائحة المقيتة، ازداد صوت المطالبين، لأن الواقع العملي صار شاهد عيان قوي على نواقصنا وتواضع إمكانياتنا.
- لسنا فقط محتاجين لتعليم نافع، بمعنى تعليم منتج، أو بعبارة أخرى تعليم يلبي حاجياتنا التكنولوجية، من حيث نربح كفاءات تقنية بمقومات جودة دولية (لا تكفي رؤيتنا التكنوقراطية).. إننا نحتاج أيضا ما أسميه: تعليما مستنيرا، يصنع إنسانا يقضا واعيا وذكيا، إنسانا يحب المعرفة ويؤمن بالعلم، أقصد إنسانا يحب العمل والابتكار والإنتاج النزيه، ولا يحب الخرافات ولا يؤمن بها بتاتا..إن الإيمان بالخرافات ضار بالإنتاج نفسه، ويعرقل التنمية إلى حد كبير.. إنه أحد فراملها القوية...على الأقل لأنه يحفز على الاستكانة والكسل والتفاعل بشكل تشاؤمي مع الواقع..(وزيد وزيد....).
- أستوحي هذا الكلام من ملاحظاتي اليومية لما يجري من تفاعلات في الحقل الاجتماعي في هذا الظرف العصيب. لعلنا بعد تغلبنا على هذا الوباء الفظيع، وأنا متفائل بأننا سنربح هذه الحرب، نعلن حربا أخرى واسعة النطاق على الجهل والأمية والخرافات. وما يحز في نفسي أنني أرى كفاءات عالية المقام العلمي والتقني، تؤمن في أعماق نفسها بهذه الخرافات وهذه الشعوذة الفكرية...
7- يا أيها الناس: "استثمروا في العلم"، استثمروا في الحياة.
- استثمروا في العلم والبحث العلمي بمعنييه: التيكنوقراطي والمدني (الإنساني).....استثمروا في المعرفة...استثمروا في الإنسان فهو الصانع الوحيد للخيرات والثروات وصانع كل ما هو جميل ونافع في هذه الحياة..إنه الخالق الوحيد لما أسماه ابن خلدون العمران البشري.
- استثمروا في التعليم فهو وحده صانع هذا الصانع المبتكر، المبدع، هذا الصانع الذي يحب العمل ويكره الكسل والاتكال والخمول، ويعشق الاجتهاد والخلق...ويهفو بقلب صادق وعقل يقظ إلى البحث عن آفاق جديدة لا تنتهي....أليست هذه هي: ''عمارة الأرض".
- وبلغة شعبية بسيطة أقول بالدارجة: ''قولي آش كاتعرف وآش كاتعرف دير، نقولك شكون نتا..''. أليس هذا صحيحا؟.. ومن الطبيعي أنه لا يمكنك أن تعرف شيئا أو تتقن شيئا في غياب التعليم...إنها نفس الدلالة التي سجلها أنتروبلوجي أمريكي لا أتذكر اسمه (في ستينيات القرن العشرين وفي أوج تبلور مفهوم التنمية)، حين ميز بين المجتمع التقليدي من جهة والمجتمع الحديث (الحداثي) من جهة أخرى، قائلا (بتصرف مني): "إن المجتمع التقليدي هو الذي تصنع فيه التراتبيات الاجتماعية في ضوء الشعار الآتي: بالأمازيغية ''أومي ثكيذ ميس (أوشييران) (مين يعنا باباش؟". "وبالدارجة: ''ولد من نتا؟".
"والمجتمع الحديث هو الذي يتم فيه الترقي الاجتماعي في ضوء الشعار الآتي: ''مين تسناذ أتكاذ؟"- ''آش كاتعرف دير؟".
- حاربوا الفساد، فلا تنمية بالمطلق على قاعدة الريع ومافيا النهب والجشع الخبيث والهدام....وفي حضور الريع والفساد، فلا تعليم ولا صحة ولا صناعة ولا أخلاق، ولا قيم ولا اقتصاد، ولا...الخ...
- دمتم سالمين، دمتن سالمات..
8-الانتلجانسيا 'مقطوعة الجذور': بدون روابط
- في طور الإنصات للمشهد الاجتماعي المغربي هذه الأيام، أمدني أرشيفي الذهني (الفكري) بمفهوم قوي، ابتكره الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني من أصل هنغاري: ''كارل مانهايم'' (1893-1947)..إنه:
.L'intelligentsia without ties (Sans attaches-Liens).
- يحتاج هذا المفهوم إلى كثير من التأمل والمراجعات والنقد بطبيعة الحال...
- مانهايم هو أحد الفلاسفة الماركسيين التاريخانيين من عشرينيات القرن العشرين إلى ستينياته أو سبعينياته. وهو من جيل أصدقائه الآخرين:- الهنغاري جورج لوكاتش (توفي 1971)- الإيطالي أنطونيو غرامشي (توفي 1937) – الألماني كارل كورش (توفي 1961). ومانهايم هو صاحب الكتاب الشهير: ''الإيدولوجيا واليوتوبيا (الطوبى)'' (1929)، ويعتبر مقدمة في تأسيس ما يسمى: "علم اجتماع المعرفة".
- تعني ''الانتلجانسيا بدون جذور(روابط)'' باختصار تلك ''الطبقة الاجتماعية'' التي تجتمع على أرضية مجموعة من المبادئ والأفكار والقيم التي تتشارك في الإيمان فيها والدفاع عنها، مع أنها لا تنتمي إلى طبقة اجتماعية واحدة. إنه نوع من تقاسم القيم والأفكار. فكلمة: ''مقطوعة الجذور'' أو: ''بدون انتماء ورابط" تعني أنها حاضرة في غياب انتمائها الطبقي الأصلي. بل إن هذا المفهوم مناقض ومناهض تماما لمفهوم ''الطبقة'' كما كان رائجا عند ''دوغمائيي'' الماركسية والستالينيين بجميع مراتبهم.
- تذكرت هذا المفهوم بطاقاته الإجرائية العميقة، وأنا أعي جيدا حساسيته النظرية الكاملة، حين بدا لي اليوم أن فئات عريضة من الشعب المغربي ''ظهر معدنها'' بوضوح في خضم مواجهة هذه الجائحة. وكثير من الكرماء ومحبي النزاهة، والعاملين الأوفياء والقوات العمومية المناضلة في هذا البلد لا ينتمون إلى طبقات اجتماعية واحدة (من الأعلى إلى الأسفل)، اتحدوا وآمنوا بالمشترك، وتركوا جانبا الانتماء الطبقي والاجتماعي....وحتى إذا لم يكن هؤلاء بالضبط صناعا للتغيير، فهم على الأقل مساهمون في حل الأزمات، ومساهمون في نجاح التضامن الوطني بمعناه النبيل...لقد امتلكوا على الأقل أيضا أخلاقا عالية المقام ويكفيهم ذلك...
- الموضوع طويل جدا، وأنا أطرحه للتأمل والتفكير فقط....فالإيحاء في كثير من الأحيان خلاق ومبدع، وأنا شخصيا أحبه ولا يأتيني إلا كمقدمة للتعرف على الأشياء وعلى ما يحيط بي؛ إنه يكون مقدمة ضرورية للإتيان بالمعنى....أقصد، للبحث والتنقيب...
9- العلم لا شيوخ له: رحم الله الفقيه المستنير محمد بلحسن الحجوي
لنستمع للفقيه المفكر المغربي الإصلاحي التنويري محمد بلحسن الحجوي، وهو يتحدث منذ ما ينيف عن قرن كامل:
1- يظهر لي أن ندرة المجتهدين من عدمهم هو من الفتور الذي أصاب عموم الأمة في العلوم وغيرها؛ فإذا استيقظت من سباتها، وانجلى عنها كابوس الخمول، وتقدمت في مظاهرها التي أجلها العلوم، وظهر فيها فطاحل علماء الدنيا من طبيعيات ورياضيات وفلسفة، وظهر المخترعون والمكتشفون والمبتكرون كالأمم الأوروبية والأمريكية الحية، عند ذلك يتنافس علماء الدين مع علماء الدنيا، فيظهر المجتهدون...".
-هذا كله للتأمل والنظر...
- إنني أجد الحجوي منذ ما يفوق قرنا من الزمان، مهما كان موقفنا من وجهة نظره، مالكا لحس إبستيمولوجي قوي، وعارفا دقيقا لمفهوم وماهية العلم، وهو فقيه. ولا أكاد أجد بعض خاصة ''علمائنا'' الذين (حاسبين على راسهوم بلا قياس) لبسوا هذه الأيام جبة: ''العالم العلامة''، فيصولون ويجولون في مزارع علمية لا حصر لها، ولا نكاد نحس أين تنتهي حدودها....وتجدهم أحيانا يتفقهون في الدين ويحتمون به، حماية لسطوتهم ومشيختهم. لقد امتلأ بهم الويب عن آخره، وامتلأت ببعضهم حتى بعض قنواتنا الوطنية.. ولم يعد لنا ما نقوله نحن الناس البسطاء....
- إنهم تحولوا إلى ''نجوم العلم'' مقتدين ربما، بنظرائهم نجوم تفاهة آخر زمن....
(سثمازيغت: سذحاث...شفاث زي ثيكاست نتاقشاث.....) بالدارجة: ''قليلا من الحياء..ولا تغالوا في الاعتداد بأنفسكم فيفتضح غروركم وعجزكم''..الترجمة ليست حرفية)...( نصيحة: بقى في الميدان ديالك وغادي تكون عالم ديال بصاح..).
في الختام، أتذكر أنني قرأت منذ يومين مقالا للكاتب الرصين ومدقق الوثائق والأرشيفات صديقنا الأستاذ علي الإدريسي، حول العلم والعلماء في زمن الجائحة (الأزمة)، أنارنا فيه بفقرة حكيمة كتبها محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1958، قال فيها: ثلاثة إذا تعاونوا وتآزروا قادوا مجتمعاتهم والعالم إلى شاطئ السلامة، أما إذا اختلفوا وتنافروا فذلك طريق الدمار والخراب للجميع. ويتعلق الأمر بالتعاون بين العلماء الباحثين عن ترقية شروط الحياة، وعلماء الدين، وأهل الفكر بعامة".
-كلام محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله يصب فكريا وبإجمال، في مجرى كلام الحجوي....
-الله ينجينا من علماء ''البوز'' في زمن الفكر ''المسطح''...وراكوم عارفينهوم..
- (بقى في دارك)..سلاما لهذا المغرب الحبيب..سلاما للإنسانية من هذه الجائحة البغيضة...
*أستاذ باحث- الكلية متعددة التخصصات بالناظور- جامعة محمد الأول.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.