محمد شوكي: الحكومة حققت تحولا بنيويا والاقتصاد يسير في منحى تصاعدي    منيب تنتقد عدم مناقشة البرلمان لمقترح العفو العام عن المعتقلين السياسيين وقانون تجريم تضارب المصالح    المغرب يسجل حرية متوسطة وازدهارا منخفضا.. كيف تعيق سيادة القانون مسار التحول؟    انتشال جثة شاب مغربي حاول دخول سبتة المحتلة سباحة.. وعدد الوفيات يبلغ 15 منذ مطلع العام    مغني الراب الفرنسي "نينيو" يحيي حفل افتتاح مهرجان موازين    كتاب جديد لبوخصاص يسبر أغوار "التأثير الناعم في الإعلام"    وداد تمارة يقترب من إنجاز تاريخي وسط احتدام سباق الصعود للقسم الأول    تازة تحتفي بذاكرتها التراثية في الدورة السابعة ل"موسم الزهر"    مزور يدعو التجار إلى ابتكار حلول جديدة لمواكبة التحولات التي يشهدها القطاع    الشحن عبر هرمز لا يزال ضعيفا مع تعثر محادثات أمريكا وإيران    امطار رعدية مرتقبة بمنطقة الريف والواجهة المتوسطية    جريمة مروعة تهز الدار البيضاء.. العثور على سيارة سائق "طاكسي" يقود إلى خيوط جديدة في جريمة قتله    حيرة الصدق فِي زَمَنِ النُّصُوصِ المُوَلَّدَةِ.. عبده حقي    "التأثير الناعم في الإعلام".. كتاب جديد لبوخصاص يرصد آليات التحكم في غرف الأخبار    بطولة اسبانيا.. مشاركة مبابي في الكلاسيكو مهددة بعد تأكيد إصابته في الفخذ    هدوء حذر في مالي بعد معارك دامية    أمطار رعدية ورياح قوية بعدة مناطق    حقوقيو مراكش يطالبون بالوقف الفوري لهدم الحي العسكري ويدينون الانتهاكات التي تطال الساكنة    "بيت الشعر" يطلق "شعراء في ضيافة المدارس" احتفاء بالرباط عاصمة عالمية للكتاب    فنانة هولندية تجسد قوة المرأة المغربية الصامتة في عمل لافت    فن الشارع يرسخ مكانة الرباط كعاصمة إفريقية للإبداع الحضري    إيران تقدم مقترحا جديدا للولايات المتحدة بهدف إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب    "نارسا" تحذر من موقع إلكتروني مزيف يستهدف سرقة بيانات المواطنين    حريق مهول يلتهم واحة تملالت بزاكورة والخسائر فادحة رغم تعبئة ميدانية لاحتوائه    غينيا تعرب عن خالص شكرها للملك بعد العملية الإنسانية الخاصة بعودة مواطنين غينيين إلى بلادهم    دوري أبطال أوروبا.. حكيمي يتمرن مع باريس سان جرمان عشية مواجهة بايرن ميونيخ    الجمعية المغربية للصحافة الرياضية تستعرض نجاحاتها في مؤتمر الإتحاد الدولي    إلغاء هدف "شرعي" يشعل الجدل والوداد يطالب بفتح تحقيق عاجل في قرار الVAR    تقرير: أمريكا والصين وروسيا أنفقت 1480 مليار دولار على جيوشها في 2025    "حزب الله" يرفض "قطعيا" التفاوض المباشر مع إسرائيل ويقول إنه لن يتراجع بمواجهتها    موقع إلكتروني "مزيف" ينتحل هوية "نارسا" والوكالة تحذر    مشاركة مميزة في الدورة ال16 من سباق النصر النسوي        دي ميستورا يتحدث لأول مرة عن زخم وفرصة حقيقية لتسوية الملف قبل الخريف، ويشيد بالصيغة المفصلة لخطة الحكم الذاتي:    بورصة البيضاء تستهل الأسبوع بارتفاع    حين تتحول شريحة علم الأمراض إلى عنصر استراتيجي في قلب المنظومة الصحية المغربية    ضوابطُ جديدةٌ لاستيراد الأدوية.. التأشيرةُ الصحيةُ تعيدُ رسم قواعد السوق الدوائية بالمغرب    النفط يواصل ارتفاعه وسط استمرار التوترات    وزير الصحة مطلوب في البرلمان بسبب إقصاء مرض "جوشر" من التغطية الصحية    مدير المعرض الدولي للفلاحة بمكناس يكشف إنجازات وتطلعات الدورة ال18        كيوسك الإثنين | المغرب يتصدر الدول العربية في مؤشر حرية الإنترنت    الاندماج ليس شاياً ورقصاً: نقد للواقع التنظيمي في خيام برشلونة        "الحشيش المغربي المُقنّن" يخطف الأنظار في معرض الفلاحة بمكناس    مهاجم إدارة ترامب يمثل أمام القضاء    بال المغرب 2026: الفتح الرباطي يواصل التألق و يؤكد الطموح نحو الأدوار المتقدمة        إيران تعرض فتح هرمز دون اتفاق نووي    بنكيران ينتقد واقعة "الصلوات التلمودية" بمراكش: لا بد من معرفة الجهة التي سمحت بهذه الممارسة    "نظام الطيبات" في الميزان    نتنياهو يعلن خضوعه لعلاج من "ورم خبيث" في البروستاتا    الولايات المتحدة توافق على علاج جيني مبتكر للصمم الوراثي                34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل تجتاز البشرية حاليا أخطر مراحلها؟
نشر في هسبريس يوم 14 - 08 - 2021


"يولد الناس، يؤلم بعضهم بعضا ثم يموتون" مارك توين
عشتُ كمتتبع ومهتم أجواء الحرب الباردة، في إطار جزع يومي من المبادرة إلى الضغط على الزر النووي، سواء في واشنطن أو موسكو. هكذا، يزداد اندفاع دقات قلوب جميع شعوب الكرة الأرضية أو تعود إلى وتيرة طبيعية، حسب اشتداد منحى التوتر آنذاك بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، مع تعثر جلوس مسؤولي البلدين الماسكين بزمام مصير الكون إلى التفاوض حول ملف من الملفات الدولية، ودائما الشفرة النووية في قبضة كف عفريت.
جميعنا موصول مصيره، بخصوص البقاء أو الاضمحلال، بلمسة أوتوماتيكية، أقل من طرفة عين؛ قد تأتي خطأ أو قصدا.
هدأت الأمور قليلا، انهار وطن لينين لأسباب كثيرة، فانحدر من مستوى الإمبراطورية العظيمة التي كانت تقود تكتلا بشريا هائلا على جميع المستويات، داخليا وخارجيا في إطار ما يسمى بالتكتل أو المعسكر الشيوعي، كي تغدو مجرد دويلات مفككة الأوصال، تعيش أزمات خانقة وحروبا جانبية وما يترتب على ذلك من إنهاك واستنزاف على جميع المستويات. في المقابل، انتهت زمام قيادة العالم إلى الولايات المتحدة الأمريكية بكيفية مطلقة، انتقلت معها البشرية من طور نظام القطبين إلى القطب الواحد أو الأمركة، فبدأت القطائع تتشكل على جميع المستويات قياسا لمنظومة الوضع الإستراتيجي المتأتي من نتائج الحرب العالمية الثانية.
بداية التسعينيات، حدثت بغتة الأزمة العراقية- الكويتية، لأسباب كذلك ما زالت مجهولة حقيقة دوافعها وخلفياتها؛ بغض النظر عن السبب الظاهر المتمثل في اقتحام جيش صدام حسين للأراضي الكويتية. وحينما رفض الرئيس العراقي سحب جنوده، بدأ التهديد والوعيد واحتشدت بشكل مهول جدا أكثر من ثلاثين قوة عسكرية؛ بزعامة واشنطن لإعلان الحرب على الشعب العراقي بسبب جرة حاكمه.
مرة أخرى، وضعت البشرية يدها على قلبها جراء الإعلان الدولي عن إمكانية اندلاع حرب عالمية رابعة بسبب صنيع النظام العراقي، ستقضي تماما على كل شيء فوق البسيطة. توقفت الرحلات السياحية، لاسيما نحو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.. أغلقت مقاولات كثيرة، طرد العديد من العمال، انكمشت الاقتصاديات، تراجعت أسهم البورصات، اختفت مواد غذائية من الأسواق، تحولت الأحلام إلى كوابيس.
بالفعل، شكلت تلك الحرب أو الهجوم من طرف واحد، التي استمرت أربعين يوما، قطيعة مفصلية مع الزمان السابق؛ بل جسدت ثانية على نحو ملموس، لجيل تلك الفترة –وأنا واحد من أفراده – ما روي له شفويا أو قرأه عن هزيمة حزيران 1967، مع اختلاف التفاصيل بطبيعة الحال، لكن النتيجة ذاتها. قضي على العراق/ الحضارة قضاء تاما على جميع المستويات، وأدخل منذئذ هذا الكيان المميَّز جدا دوامة جحيم غير الجحيم لم يخرج منه غاية اليوم، ولن يخرج منه حتما. أيضا، استنزفت ثروات المنطقة استنزافا بشعا، تحت ذريعة حماية الأنظمة القائمة من أيِّ تهديد محتمل.
استمرت المنطقة تكابد وحدها بشحمها ولحمها مخلفات ونتائج حرب همجية، يستنشق أفراد شعوبها كل صباح إشعاعات الأسلحة وأدخنة حرائق آبار البترول، ثم انزاحت أنظار باقي الإنسانية مبتعدة حيث عادت الشعوب إلى الانشغال بقضاياها الخاصة، بعد أن انصبت على بؤرة النزاع كل أنظار العالم طيلة يوميات شهور بداية المواجهة وانتهائها. بدأت الذاكرة تبتعد شيئا فشيا، بالانخراط من جديد في سبل حياة لا تقتضي بالضرورة نزوعا دمويا نحو التلويح بإعلان القيامة. طبعا، محاولة لملمة الأشلاء، في إطار انكماش اقتصادي وهواجس مرتابة، حيال ممكنات المستقبل، مما يضعف فلسفات العقل المبادر.
صبيحة يوم الثلاثاء 11 شتنبر2001، استفاقت شعوب العالم مرة أخرى على صدمة واقعة فريدة من نوعها، مختلفة عن مشهد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي أو ملحمة حرب الخليج الثانية: أمريكا، بجلال قدرها، تضرب لأول مرة ضربة موجعة أقرب إلى خيال سينما هوليود في عقر دارها. فقد هاجمت أربع طائرات مدنية برجي مركز التجارة العالمي، ثم البنتاغون مقر وزارة الدفاع الأمريكية. مقتل ثلاثة آلاف أمريكي فوق أرضه، جراء مخطط دبَّره ونفذه تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن حسب ادعاءات المحققين الأمريكيين، كانت أكثر من كافية لاستباق نهاية العالم الطبيعية بأخرى، فقط زعيم البيت الأبيض وفريق مستشاريه العسكريين من يتحكم في زمام بدايتها وإخمادها وأساليب طرقها، وعلى جميع الدول لا سيما المغلوب على أمرها أن تحدد موقفها بشكل طارئ واضح: معي أو ضدي ولا مجال للنقاش.
اختبرت البشرية من جديد حالة طوارئ رهيبة، اختلط خلالها كل شيء بكل شيء، بدأت الشعوب المغلوب على أمرها تتحسس رقابها، لاسيما المجموعة العربية والإسلامية؛ ما دام الفاعلون ينحدرون من جنس تلك المجموعة، ثم ساد التوجس والخوف وتراجعت سلطة المواثيق الحقوقية والقانونية وخطاب الأنوار والعقل والتسامح والتعايش لصالح بلاهة مسوغات حرب عبثية بين المؤمنين وغير المؤمنين، وأهل الله في صراع مع أنصار الشيطان، إلخ، بحيث استلهم خطاب هذه الجهة أو تلك مسوغات تبررها المرجعيات التيولوجية الدامسة لكل طرف.
هكذا، صار الإرهاب عملة دولية متداولة، ظهرت تنظيمات دموية، وتجددت أساليبه، بشكل تحولت معه البسيطة إلى ساحة للوغى مفتوحة على مصراعيها أمام الموت: تفجيرات عن بعد وقرب ومن مختلف الزوايا، اقتحام لفضاءات التجمعات والشروع في إطلاق سيل من الرصاص على الحاضرين، دهس المارة بالشاحنات والسيارات، دسائس الذئاب المنفردة، وغير ذلك. معطيات انتشار وبائي، كرسه توسع المنظومة الرقمية، فاختزلت قارات العالم إلى رقعة صغيرة جدا نتيجة الثورة الهائلة لتكنولوجيا المعلوميات.
بالموازاة، انجرفت الإنسانية من الناحية الإيتيقية خلف منظومة استهلاك شمولية؛ فقد ولج العالم، جراء دهاء وخبث مخططات دوائر تجمعات الليبرالية المتوحشة، دوامة نفق مظلم بلا منتهى، مدخله الارتكاز فقط على قيمة القيم المتمثلة في الربح المادي بكل الطرق، مثلما يكمن منتهاه في الاستهلاك الأكثر رعونة وبلاهة. لذلك، لم تعد حياة الناس تنزاح طيلة عقدي الألفية الثالثة عن حدي: إرهاب الاستهلاك بكل أنواع التطعيم الإعلامي، ثم الاكتفاء باستهلاك يوميات بلا طعم ولا مذاق، مهددة صباحا ومساء بغدر الإرهاب.
دأبت الليبرالية المتوحشة على سعيها بكل جد وتفان، فألغت محور الإنسان تماما من رهاناتها واتجهت مخططاتها الاستهلاكية نحو التشيؤ؛ مما أدى إلى استنزاف طاقة العالم المادية ومخزونه. وبدأت سلبيات ذلك تتجلى بوضوح على لبنات التوازن المعقول بين الإنسان ومجاله الحيوي، غاية وصولنا شهر مارس 2020، حين الإعلان رسميا عن الإفلاس والانهيار وحتمية إغلاق العالم وتوقفه، تحت دواعي تهديدات لا ترحم، مصدرها لفيروس قاتل.
عموما، على غرار عصارة التأويلات التي خلصت إليها سجالات وتأملات سياقات المحطات التاريخية الانتقالية، المشار إليها أعلاه، بحيث اتجه الاتفاق في مجمله إلى أن الإنسانية لحظتها انتقلت صوب نظام عالمي جديد، بتفاصيل ومقومات مغايرة لما كان سائدا سابقا. حدث ذلك مع ربيع أوروبا الشرقية أواخر الثمانينيات، ثم حرب العراق، وهجوم 11 شتنبر. وبالفعل، أكدت الفترات التالية لتلك الأحداث الصادمة الكبرى حقيقة تلك التنبؤات.
طبعا، فيروس كورونا باعتباره حدثا تاريخيا ثوريا، بالمعنى الجذري للكلمة، وطدت مجرياته نفس القناعة: لم يعد في وسع الأنساق السابقة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، أن تبثّ سواء في حاضر أو مستقبل البشرية أبسط مقومات الحياة، ما دام استمرار تلك الأنساق يتعارض بنيويا مع بقاء هذه الحياة حية.
غير أنه يوجد عنصر جوهري يمنح واقعة كورونا تميزا استثنائيا يجعل ظرفيتها أكثر ضبابية وإبهاما وانفتاحا على المجهول، ويمنح التساؤلات الوجودية العميقة في هذا المضمار موقعا أكثر أهمية من الأجوبة السهلة لمجرد الاستهلاك السطحي؛ العابر: شكلت الانقلابات السابقة، مثلما كان الأمر دائما، مجالا لصراع إنساني محض، مجاله غنيمة السلطة. بالتالي، بعد ذهاب وإياب، وشدّ وردّ، تبعا لموازين القوى، يمكن للأطراف المتصارعة وضع نهاية للمعركة؛ وإن مؤقتا غاية إشعار ثان.
حاليا، الصراع مع أثر بيولوجي فضفاض بشكل لا نهائي غير معلوم مطلقا؛ لا يلمس، لا يرى، لا يسمع، لا يتكلم، لا حقيقة تذكر عن هويته، سوى قابليته للتحول بكيفية جينية، لا يدركها ربما سوى الجان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.