ضمن الأدوار التي بدأت تضطلع بها التكنولوجيات الحديثة مؤخرا، كونها بدأت تساهم في إبراز وإظهار بعض الظواهر أو المظاهر الاجتماعية التي لم تكن معروفة من قبل، كما أصبحت تساهم، في تكامل مع الأدوار التي يقوم بها الإعلام التقليدي، في تسليط الضوء على بعض الأحداث والوقائع التي يمكن أن يكون قد طالها التعتيم والإخفاء، ومن دون أن ننسى طبعا بعضا من وسائل الإثارة التي تلجأ إليها في بعض الأوقات مختلف هذه المنابر، من خلال الرغبة في خلق الحدث والإثارة وإعطاء بعض المواضيع جرعة إعلامية زائدة عن الحد، أكثر مما هي متواجدة عليه على أرض الواقع. انسجاما مع ما سبق، يمكن أن نأتي على ذكر قضية ما بات يعرف في الوسط الإعلامي "بالمسيحيون المغاربة" أو "المغاربة المسيحيون"، وهو التوصيف الذي لا يروم التحدث عن مجمل التواجد المسيحي داخل المغرب من حيث الأجانب الذين يستقرون في المغرب أو يزورونه ولديهم طقوسهم الخاصة المرتبطة بطبيعة الدين المسيحي الذي يعتنقونه، بل يتعلق الأمر هذه المرة بمغاربة (نعم مغاربة) مال قلبهم أو تمت "عملية استمالة قلوبهم" ويعتنقون الديانة المسيحية، كل بحسب ظروفه وحيثياته. فمنهم من سبق وأن عاش تجربة الهجرة في بعض الفترات من حياته وتأثر بالديانة المسيحية، كما أن منهم من كان عرضة لموجات من التبشير التي تطال العديد من البلدان مثل المغرب، فيما البعض الآخر يبدو أنه قد تفاعل إيجابا مع الرسائل المسيحية والروحية التي يتم التقاطها سواء عبر الفضائيات من خلال بعض القنوات المسيحية، أو عبر ساحة الإنترنت الذي أصبح يوفر العديد من المواد والفقرات في قالب جذاب ومثير وعبر استخدام أرقى التقنيات في ما يخص الصوت والصورة، وهي الرسائل التي يبدو أنها أخيرا قد وجدت لها صدى في قلوبهم، وتم بموجبها "تحويل وجهتهم الدينية" من اعتناق الديانة الإسلامية إلى اعتناق الديانة المسيحية، في تحول قد يبدو غريبا نوعا ما في منطقنا نحن المغاربة والمسلمين، وهو ما يبعث على الدراسة والبحث. من منطلق ثقافي صرف، نعرف بأنه يصعب تصور إنسان مغربي وهو يحمل لديانة أخرى غير الديانة الإسلامية، مع استثناء فيما يخص تواجد اليهود المغاربة والذي له سياقه الخاص المعروف، والمرتبط بخصوصية معينة وبواقع الصراع العربي الإسرائيلي. غير ذلك فالحاصل في المغرب أن ثنائية "المغربي، المسلم" هي ثنائية لصيقة ولا فراق وافتراق بين المرادفتين، وهو ما يسهل المأمورية "من منظور ديني" في التعامل مع الإنسان المغربي من حيث اعتباره تلقائيا شخص مسلم، ولذلك وعلى سبيل المثال فقط تخلو مجموعة من الوثائق الإدارية من أية إشارة إلى الديانة اعتبارا إلى كون الدين الإسلامي هو الدين السائد، كما يساهم هذا الانسجام والتماسك الديني في تيسير العديد من التشريعات والقوانين (خاصة في مجال الأحوال الشخصية) بحيث تجد نفسها في مخاطبة تركيبة بشرية شبه متجانسة ولا تجد كثير عناء في تلبية حاجاتها بنسب كبيرة. على أن هذا الانسجام والتماسك الديني، لا يجب أن يخفي عنا حقيقة كون المجتمع المغربي وكغيره من المجتمعات يعرف تحولات كبرى في بنياته وهياكله الاجتماعية، بحيث لم يعد الحديث عن المسيحية مرتبطا بحمولة سلبية ناتجة عن اعتبار المسيحية ديانة الإنسان الغربي الأوروبي المستعمر للبلد، بل وبفعل استقبال المغرب لهجرة العديد من الأفارقة السود والذين يدين بعضهم بديانة سيدنا عيسى عليه السلام، فقد شكل هذا المعطى مناسبة لاكتشاف وجه جديد للديانة المسيحية بملامح مغايرة. غير أن تواجد مسيحية حديثة النشأة معروفة بقلة عددها ويحمل أشخاصها للجنسية المغربية، قد غير الوضع بشكل كلي، بحيث لم يعد المسيحي ذلك "الآخر"، بل بمغاربة يعيشون معنا ويفترض أنهم يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، لهم نفس الحقوق كما أن عليهم نفس الواجبات. كان تاريخ التعايش والقبول بالآخر الذي عرفه المغرب، قد يشكل معطى إيجابي سيلعب لا محالة في صالح تسريع وتيرة القبول بالوجه الآخر للمغربي "حديث التشكل"، فإنه بالموازاة مع ذلك يلزم نوع من الاشتغال على الواجهة الثقافية والتربوية والقانونية سواء فيما يخص تحصين الناشئة من التحولات الدينية الانفعالية أو في ما يخص تأمين مرور هذا الانتقال والتحول بشكل سلس، مادام هذا التواجد قد يشكل عامل إثراء وتنويع للهوية المغربية. مع الأخذ بعين الاعتبار كون المسألة ليست بالسهولة التي نتصورها، إذ يصعب حتى الساعة إن على المستوى الجنائي أو الاجتماعي تقبل وجود مغاربة كانوا مسلمين وأصبحوا من معتنقي ديانات أخرى داخل البلد. في نفس الاتجاه وإلى أن يتأكد العكس، يلزم الكف عن اعتبار كل من اعتنق المسيحية من المغاربة هو أداة في خدمة أجندات غربية، صحيح قد يلعب جزء من هؤلاء الأشخاص هذا الدور، وبحسب ما تم تداوله من معلومات عبر وسائل الإعلام فالتنصير قد يكون أسرع إذا ما هو استعان "بأبناء البلد" لأن المغربي يكون أكثر استعدادا لتقبل دعوات أبناء جلدته أكثر مما هو مستعد لتقبل نفس الطلب من أية جهة أخرى، خاصة إذا كانت هذه الجهة جهة غربية وإن توسلت في ذلك بالعديد من عوامل التحفيز والجذب، دون أن ننسى أن الموقع الاستراتيجي للمغرب قد يشكل عامل إغراء للعديد من التيارات الدينية التبشيرية والتي تحاول جاهدة استثمار هذا الموقع الجغرافي للمغرب كجسر عبور لحمل الدين المسيحي نحو القارة الإفريقية، وهو ما يدفعها لفعل كل شيء من أجل كسب "قلب الإنسان المغربي" والذي بإمكانه مسايرة منطقها طمعا في الكسب المادي أكثر منه استجابة لنداءات الروح. وهو ما يجعل من النظرة إلى "مسيحية" المسيحي المغربي تصاب بالخدش إذا ما تم استحضار كل هذه الأبعاد والدلالات. من جهة أخرى ومن منطلق ديمقراطي صرف، يبدو أن "وضعية الأقلية" التي يوجد عليها هؤلاء المسيحيون الجدد قد تكون مدعاة لكي يكونوا أكثر احتراما للقيم التي توافق عليها مختلف المغاربة، علما بأن هذه القيم هي في الأصل مطبوعة بطابع ديني إسلامي صرف، لأنه وبفعل التاريخ فقد انصهر الإسلام مع الواقع المغربي وصار جزء من العرف والثقافة السائدة ودخل في أعماق البنية الثقافية والروحية للمغاربة. انطلاقا من هذا الأمر قد يصبح "النضال" من أجل التعدي على حرمة الأغلبية المسلمة داخل البلد، كبعض النداءات (نداء المسمى رشيد) التي تنادي بالحق في الإفطار العلني لرمضان كشكل من أشكال إظهار التمايز والحرية الدينية، نوعا من التجاوز للحدود وخلقا للالتباس والتداخل فيما بين الديني والسياسي، في سياق دولي يتسم كما هو معروف بالهشاشة ويعرف رغبة بعض الأوساط في خلق البلبلة داخل البلد عبر اللعب على الأوتار الحساسة والتي لها علاقة بالأعراق والنعرات والديانات، وهو ما لا يساهم عمليا في تعزيز أواصر الثقة وفي خلق الأجواء السليمة للانتعاش وممارسة الشعائر الدينية لكلا الطرفين، فلقد كان الإسلام صريحا وحاسما في هذا الأمر حين أكد على أنه "لا إكراه في الدين" كما أن مقتضيات الدستور الحالي قد نصت هي الأخرى على حرية المعتقد، وهو ما يجعل من الصيام أمرا شخصيا مرتبطا بمرجعية الشخص الذي عليه أن يمارسها في احترام لقيم المجتمع وخصوصياته. على أنه عموما وإذا كان لمثل هذا النقاش من حيوية، فإنه يذكرنا بما كانت عليه الأوضاع في فرنسا إبان مناقشة القضايا المرتبطة بالهجرة وبالحجاب الإسلامي في المدارس، بحيث كان الاهتمام منصبا حول تتبع مدى قدرة الديمقراطية العريقة لفرنسا في استيعاب وقبولها بأشخاص ارتضوا أن يكونوا فرنسيين بصيغة أخرى غير متعودة، عبر حمل رموز دينية لها إيحاءاتها ومدلولاتها في المرجعية الثقافية الفرنسية خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكانت النتيجة أن فرنسا قد أخطأت في الامتحان بحيث انطوت على نفسها وكان واضحا أنها قد استحضرت مرجعيتها المسيحية النصرانية. على أنه وبفعل العولمة وبفعل التحولات الحاصلة في المجتمعات فيمكن القول أن المغرب قد وصلته تقريبا نفس الموجات وأصبح معني بتقديم الأجوبة على نفس التساؤلات تقريبا في سياقات مختلفة طبعا، وإذا كنا نطالب فيه فرنسا وقتها بأن تكون فيه أكثر عدلا وتراعي فيه حرمة الآخر، فهل نفلح نحن هذه المرة في إعطاء النموذج وفي ابتداع حلول وتخريجات تكون مفيدة في معالجة مثل هذه المواضيع الشائكة والتي تتطلب قدرا كبيرا من الرصانة وضبط النفس، ونعتقد بأن المغرب بما يحمله من رصيد تاريخي حافل بالتعايش والتساكن والتجانس بين الأديان قادر على إخراج التوليفة المناسبة للعيش في أمان وطمأنة ولقطع الطريق أمام كل من يحاول اللعب بأمور على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية. مهتم إعلامي