مناظرة التنمية البشرية.. الشامي: لا تنمية حقيقية بدون حكامة جيدة في دورتها الأولى بالصخيرات    حكومة العثماني تصادق على تعيينات في مناصب عليا    المملكة تخفض رسوم استيراد القمح ابتداء من فاتح أكتوبر    محامي "بن على" يكشف ل الغد وصية الرئيس التونسي الأسبق بعد وفاته    غيابات بالجملة في تداريب الوداد استعدادا لمواجهة الجيش    لوبيتيجي أمام فرصة رد الاعتبار في لقاء "ريال زيدان"    الاتحاد المصري يعين البدري مدربا جديدا ل”لفراعنة”    قضية الريسوني.. مدير الشرطة القضائية يتبرأ من تسريب المحاضر: لسنا مسؤولين عن ذلك- فيديو    سفر أحد المتهمين ضمن وفد برلماني لدولة إفريقية يؤخر قضية “كازينو السعدي” إلى أواخر أكتوبر    زين العابدين.. من كرسي الحكم بتونس الى الوفاة في المنفى    إدارة سجن طنجة 2 تكشف حقيقة إضراب معتقلي الريف عن الطعام    مغربيان في التشكيلة المثالية لعصبة ابطال اوروبا    صورة: حارس ريال مدريد يثير غضب جماهيره    منير أبو المعالي يكتب.. نم قرير العين فإن جطو لا يفزع    نتنياهو خارج الائتلاف وغانتس يرفض عرضه لتشكيل حكومة وحدة    انتخاب المغرب رئيسا لمنتدى الهيئات التنظيمية النووية بإفريقيا    هجوم على كارول سماحة بسبب "التجاعيد".. ورامي عياش يدعمها    المصادقة على مشروع مرسوم يحدد اختصاصات وتنظيم وزارة الاقتصاد والمالية    عامل أزيلال يدشن إعدادية سيدي بو الخلف ويعطي الانطلاقة الرسمية للمبادرة الملكية مليون محفظة    بعد تتويجها بلقب تحدي القراءة على الصعيد الوطني..ابنة تطوان تتنافس من جديد مع 16 تلميذا عربيا    طنجة تستعد لفصل الشتاء.. مسؤولو المدينة يتجندون لمواجهة خطر الفيضانات (صور)    بن شماش: أنا حريص على وحدة البام ومنفتح على كل المبادرات الجادة    بشير عبده للمجرد: أغنيتك فيها نغم مغربي أصيل والكلام جميل    تونس : منافسة قوية بين قيس سعيد ونبيل القروي بعد تخطّي عقبة الدورة الأولى    خطير بالصور..الترجي التونسي يتطاول على مقدسات المغاربة    الجزائر.. مقتل شخصين في صدامات بين محتجين وقوات الأمن    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    الخلفي: رئيس الحكومة أحدث لجنة تتابع توصيات المجلس الأعلى للحسابات    المغرب والمملكة المتحدة يجددان تأكيد رغبتهما المشتركة في توفير إطار ملائم يتيح تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين    قتيلان بصدامات بين محتجين وقوات الأمن في غرب الجزائر    قضية الريسوني تصل للبرلمان.. وهبي يطالب الرميد بالتدخل للتصدي للخروقات وحماية الأطباء من التشهير    يتيم يفتح ورش قانون النقابات    المغرب يتقدم رتبتين في ترتيب الفيفا لهذا الشهر    إضافة جائزة التحقيق الصحفي للجائزة الوطنية الكبرى للصحافة    الأمهات اللائي يتناولن حبوب منع الحمل أكثرعرضة للإصابة " بالسكري "    إيران تهدد ب"حرب شاملة" في حال توجيه ضربة عسكرية إليها    إيهاب أفضل مطرب عربي    وزراء ومفكرون في حملة “العالم بدون صور”    رغم الظرفية غير المواتية.. مجمع الفوسفاط يرفع رقم معاملاته    فريق طبي يزيل قرنا طوله 10 سنتم ظَهر برأس فلاح هندي بسبب إصابة تعرض لها قبل 5 سنوات    محمد هوار رئيس المولودية: استقبال الفتح الرباطي بالمركب الشرفي مرتبط بموافقة المصالح الامنية    لا زيادة في غاز البوطان    «سؤال الشعر والمشترك الإنساني» بدار الشعر بمراكش .. الناقد خالد بلقاسم يستجلي أفق الشعر في ظل المشترك    دراسة كندية تربط بين الصداع النصفي وارتفاع خطر الإصابة بالخرف    برنامج «امبولس» لمجموعة OCP يحط الرحال في إثيوبيا    بإتفاق بين شركات.. إرتفاع أسعار المحروقات‬ يحرق جيوب المغاربة    فلاشات اقتصادية    مجلس المنافسة يكذب اتفاق الشركات حول تحديد أتمنة المحروقات    دراسة: تحقيق انتقال ديمغرافي سليم في أفق 2050 يتطلب تحسين نشاط النساء وخلق فرص شغل منتج لفائدة الشباب    الرنكون على موعد مع المهرجان الوطني للتراث الشعبي    تيمة التقاسم تدشن انطلاق الموسم الثقافي للمعهد الفرنسي بالبيضاء    تحذير عالمي: "عدوى فيروسية" سريعة الانتشار تهدد بقتل عشرات الملايين    تناول الجبن يوميا يحمي الأوعية الدموية من التلف    الاجتماع على نوافل الطاعات    على شفير الإفلاس    على شفير الافلاس    على شفير الافلاس    ... إلى من يهمه الأمر!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أوريد يكتب: هل انتهى دور المثقف؟
نشر في لكم يوم 22 - 08 - 2019

هو ذا السؤال الذي يطرحه مؤرخ إسرائيلي مثير للجدل، هو شلومو صاند، في كتاب صدر مؤخرا في فرنسا باللغة الفرنسية مترجما عن العبرية «هل انتهي المثقف الفرنسي؟». وشلومو صاند سبق أن فكك أسطورة الشعب اليهودي في كتاب أثار جدلا داخل إسرائيل وخارجها، وهو من معارضي الاحتلال الإسرائيلي والمناصرين لحق الشعب الفلسطيني.
يُنقبّ الكاتب هذه المرة في مسار المثقف، خاصة في الحالة الفرنسية، باعتبارها المحضن لدور المثقف الناقد، منذ عصر الأنوار. يمتلئ الكتاب بأسئلة عدة. هل انتهى حفدة فولتير، الذين يعيدون النظر في الواقع القائم؟ وهل خفت بريق ذرية سارتر ممن يملكون ضميرا؟ هل توارى من كان سلطة مضادة وحاملا لقيم؟ يهمنا الموضوع طبعا، لأن دور المثقف في العالم العربي موضوع سجال؟ هل يمكن للمثقف في العالم العربي أن ينجح في ما أخفق فيه السياسي؟ هل يستطيع أن يزيح التكنوقراطي الذي تربع على عرش الاستشارة والقرار والتوجيه؟ هل ينبغي أن نقارن دوره بما يجري حاليا في الغرب، أم علينا أن نغور أعمق لكي نتلمس أوجه المقارنة في التاريخ، مع لحظة الاحتقان التي عرفتها المجتمعات الغربية في القرن الثامن عشر، أمام سطوة الكنيسة وسلطان الدين وبطش الملكيات وزيغها، وبتعبير آخر، ألا يجوز أن نقارن ما هو قابل للمقاربة، الوضع الحالي في العالم العربي والاحتقان الذي عرفته أوروبا في القرن الثامن عشر.
تظل الحالة الفرنسية المرجعية التي هيأت لبروز المثقف ومهدت لدوره في الشأن العام. أخذ المثقف عن رجل الدين سلطته الروحية، ظهركمشاغب في حضن الملكية والحاشية، كما حدث مع فولتير، لينتهي متمردا. غذّى فكرَ الأنوار وقدح الثورة، ثم حمل مشعلها وأفكارها وسعى في نشرها.. أصبح فاعلا. تطور دوره وأصبح حاسما مع ما أرساه الفيلسوف سان سيمون، أول من نحت كلمة انتلكتيال intellectuel التي يُعرف بها المثقف في اللغة الفرنسية. يحيل المصطلح إلى من يشتغلون بالأفكار، ويحملون قيما وضميرا، ويشكلون جبهة ضد ما كان يسميه سان سيمون بالأفكار المسبقة. لا يمكن للمجتمعات أن تتحرر، حسب هذا المفكر الذي يعتبر رائد الفكر الاشتراكي، من دون هذه الشريحة التي تشتغل بالأفكار وتحمل ضميرا.
واللحظة المفصلية المهمة في مسار المثقف ومن دونها لا يمكن فهم الماركسية هي التي وضع متنها أب الوضعية أوكست كونت، الابن الروحي لسان سيمون. المثقف يستند على أداة علمية، من أجل تفسير الواقع وتغييره. هي فكرة مسلم بها في كل أدبيات الماركسية، ولكن جذورها تعود إلى أب السوسيولوجيا، أو من نحت المصطلح، أوكست كونت.. المثقف إذن لا يكتفي بتفسير العالم، بل يعمد إلى تغييره.
يُذكّر شلومو صاند في كتابه بشيء أساسي وهو أن ثورتين عالميتين غيرتا معالم العالم، وألهبتا أحلاما كونية، الثورة الفرنسية والثورة البولشيفية، كانتا شأنا ثقافيا، أو تعبيرا أدق كانتا شأن مثقفين. لم يكن من قدح الثورتين نبلاء ولا رجال دولة ولا بنكيون ولا قادة عسكريون، ولكن كانوا «هامشيين» زاوجوا بين المضاربة الفكرية والتنظيم.
القرن العشرون في أوروبا هو قرن المثقف بامتياز، هو من انتصب سلطة روحية مكان الكنيسة، إلا أن شلومو صاند يقف عند الانزياح الذي بدأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لم تعد المجتمعات الغربية يطبعها النزاع، وأخذت تنحو نحو التوافق، وكان من نتائج بروز دور الدولة الراعية، تواري المثقف الراديكالي أو الناقد. يمكن اعتبار كتاب دانيل بيل «نهاية الأيديولوجية» اللحظة المفصلية في انتهاء دور المثقف النقدي في الغرب، وبداية مثقف «مدجن»، يشتغل داخل بنيات، في إطار تخصص، تحت تأثير عنصر أساسي يمارس صولة أو ديكتات وهو التلفزيون، ما أفرز المثقف الإعلامي الذي لم يتوار إلى الآن. الحلقة الأخيرة التي أجهزت على دور المثقف النقدي، هي ما بعد سقوط حائط برلين. رصد شلومو صاند هذه الشريحة في فرنسا من خلال نموذج الكاتب ميشيل هولبيك، الذي لا يتورع عن انتقاد الإسلام والمسلمين، في تعابير لا تخلو من فظاظة وفجاجة. طبيعة المثقف النقدي أنه يحت
Contact
رم خصمه، ولا يوظف الكراهية ضده وإن اختلف معه. المثقف المحافظ لا يتورع من التضخيم والافتراء والشيطنة، بل الكراهية.
من خلال استقراء تاريخ أوروبا خاصة، نجد أن دور المثقف اقترن بالمواجهة مع مؤسسات معطلة لطاقات المجتمع، والمثقف هو من حرر طاقات مجتمع من خلال خلخلة البنيات التي تعوقه. ما بين الحربين العالميتين صدر كتاب في فرنسا كان له وقع كبير في أوروبا، لجوليان بندا بعنوان خيانة «المثقفين» clercs ولعل الأقرب في الترجمة كلمة علماء بمعناها الديني. الفكرة الأساسية في هذا الكتاب هو أن المثقف ليس من يحترف الإدانة ولكن من يفكك بنية، ويفهم واقعا، يسعي أن يؤثر فيه، من خلال الائتمار بمحددات ثلاثة: العقل والحق والعدل. هو الثلاثي المكون لوظيفة المثقف.
المثقف يسعى للحق ويأتمر بالعدل، ويوظف العقل. من دون العقل من العسير الحديث عن المثقف. هذا التعريج يفيدنا لكي نفهم المسؤولية المنوطة بالمثقف في العالم العربي. لا يمكن الاكتفاء بتفسير الواقع، ولكن العمل على تغييره من خلال تحرير طاقات المجتمع من القوى التي تعرقله وتشكل عناصر إعاقة، عن طريق تحليل عقلي للواقع. والبنيات التي تحول دون تحرر المجتمعات في العالم العربي هي الأليغارشيات والطغمات والمؤسسات الأمنية والدينية والثقافة التقليدية المحافظة. والعالم العربي وما يمتلئ به من ديناميات، وما يعرفه كذلك من تعثر محتاج لمن يفسر تلك الدينامية ومن يعين في توجيهها الوجهة الصائبة، من أجل التغيير السلس.
ولكن المثقف لا يوجد من ذاته، لا بد للمجتمعات أن تستشعر الحاجة إليه، ومن دون هذه الحاجة، ومن دون إحاطة هذه الشريحة بالرعاية، فقد تبرز كشهب ما تلبث أن تهوى في السديم، أو توظَّفُ خبرتها لفائدة الآخر. التحليل الذي قدمه مروان معشر من أن الديناميات الحالية شأن جماهير من غير نخبة، نصف الحقيقة، والنصف الثاني هو أنه لا يمكن فصل الديناميات الإيجابية للجماهير عن دور المثقف في التوعية والتأطير والتنظيم.
المصدر: عن “القدس العربي”


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.