في وقتٍ تعرف فيه الساحة السياسية المغربية غليانًا متزايدًا بفعل الاحتجاجات الشبابية وتصاعد الغضب الاجتماعي، تبرز ملاحظة لافتة: غياب الوزراء وأعضاء الحكومة عن وسائل الإعلام وبرامج الحوار العمومي، وكأن الصوت الرسمي اختار الصمت في لحظة تتطلب أعلى درجات الوضوح والمصارحة. في ذروة احتجاجات جيل "Gen Z"، لوحظ انسحاب شبه جماعي لعدد من الوزراء من النقاش العمومي، ورفضهم المتكرر المشاركة في البرامج السياسية. هذا الغياب لا يُقرأ فقط كخيار تواصلي، بل كمؤشر على ارتباك داخلي داخل الأغلبية الحكومية التي تبدو اليوم أكثر انقسامًا من أي وقت مضى. وما زاد الصورة غموضًا أن القلة من المسؤولين الذين اختاروا الظهور الإعلامي لم ينجحوا في تهدئة الأجواء، بل أجّج بعضهم التوتر بخطاب متعالي كما حدث في المرور غير الموفق للناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، أو من خلال تصريحات متناقضة كالتي صدرت عن الوزير مهدي بنسعيد في مقابلة على قناة Medi 1. بدل أن يقدّم هؤلاء تفسيرات مقنعة، بدا وكأنهم يلقون باللوم على الآخرين أو يقلّلون من حجم الاحتقان، وهو ما فُهم لدى الرأي العام ك غياب للإنصات الحقيقي واستعلاء في الخطاب الرسمي، فزاد من فقدان الثقة في الأداء الحكومي برمّته. في هذا السياق، صرّح نزار بركة في برنامج "نكونو واضحين" على القناة الثانية قائلاً: "أنا هنا بصفتي أمينًا عامًا، لا كعضو في الحكومة"، في إشارة تُفهم منها محاولة تبرؤ ضمني من الحصيلة الحكومية التي تواجه انتقادات واسعة. أما نجوى كوكوس، البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة المشارك في الحكومة، فذهبت في الاتجاه نفسه بقولها إن "الأغلبية البرلمانية شيء، والحكومة شيء آخر، وأنا لست عضوة فيها". تصريحات من هذا النوع تعزز الانطباع بأن حبل التضامن الحكومي بدأ يتفكك، وأن بعض المسؤولين يفضلون الابتعاد عن السفينة في لحظة اهتزازها. القائد السياسي الحقيقي يُقاس بشجاعته وقت الأزمات ويُقال إن أول من يفرّ من السفينة عند الغرق هم الفئران، واليوم تبدو حكومة أخنوش وكأنها تغرق وسط أمواج من الفشل والتخبط. ما نلاحظه هو تراجع بعض الوزراء ومحاولتهم التنصل من المسؤولية والابتعاد عن من كان قائدهم طيلة أربع سنوات. غير أن المغاربة واعون تمامًا بما يجري، وسيرفعون صوتهم للمطالبة بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على كل من شارك في هذا الغرق السياسي الجماعي. في النهاية، يبدو أن الجرأة في مواجهة الرأي العام أصبحت عملة نادرة داخل المشهد السياسي، وأن الاختبار الحقيقي للقيادة لا يكون في لحظات الهدوء، بل عندما تشتد العواصف.