أفضت التداعيات الخطيرة لتسريب الامتحان الموحد المحلي ومواضيع المراقبة المستمرة بمؤسسات "الريادة" في سلك التعليم الابتدائي، والتي حدثت قبل يومين، إلى إلغاء تلك الامتحانات واتخاذ قرارات استثنائية غير مسبوقة. وكشفت هذه القرارات عن حجم الارتباك الذي أصاب منظومة التقويم، مؤكدة في الوقت نفسه على حساسية الامتحان ضمن مشروع "الريادة" الذي يُعتبر أحد أعمدة الإصلاح التربوي الجاري. ووفق معطيات حصل عليها موقع "لكم"، تقرر إعادة إجراء الامتحان الموحد المحلي واختبارات المراقبة المستمرة للمواد الأساسية الثلاث (اللغة العربية واللغة الفرنسية والرياضيات) لجميع المستويات، يومي الثلاثاء والأربعاء 3 و4 فبراير 2026. وذلك بعد عطلة منتصف السنة الدراسية 2025/2026، في خطوة تهدف إلى تدارك ما اعتُبر مساسا خطيرا بمبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة التقويم. إلغاء النتائج وإعادة الطبع… كلفة التسريب الباهظة ومن أبرز القرارات التي تّم اتخاذها، وفق معطيات حصل عليها الموقع عقب اجتماع وطني عُقد أمس الأربعاء 21 يناير الجاري، إلغاء جميع النتائج التي جرى تسجيلها للشق الكتابي، مع التنصيص صراحةً على عدم البدء أو الاستمرار في عملية التسجيل. وهذا يعني عملياً إهدار المجهود الإداري والتربوي الذي بُذل خلال الأسابيع الماضية، و تحميل المنظومة تكلفة إضافية على المستويين الزمني والتنظيمي بسبب فعل التسريب الواحد. كما تقرر – وفق خلاصات الاجتماع – طباعة مواضيع الامتحانات على مستوى المديريات الإقليمية، في تراجع واضح عن منطق الإعداد والتدبير المركزي، الذي أثبتت الوقائع محدوديته في ضمان سرية المواضيع، بعد أن كان يُفترض أن يشكل ضمانة للنزاهة. دورة استدراكية وتدبير مرن للمرحلة الانتقالية وتفاديا لإقصاء المتعلمين المتغيبين لأسبابٍ مبررة، تّم الإعلان عن تنظيم دورة استدراكية يوم 9 فبراير 2026 لهم، في محاولة للحفاظ على البعد الإنصافي داخل المنظومة. وفي إطار تدبير المرحلة الانتقالية، سُمح باختبار مواضيع الرياضيات التي كانت محفوظة داخل أظرفٍ مغلقة – رغم واقعة التسريب – ليس كاختبارات تقويمية بل كوضعيات تدريبية. ويهدف ذلك إلى استثمار نتائجها في تشخيص تعلمات التلاميذ، ورصد نقاط القوة والضعف، والاستعداد للمحطة الجديدة في 3 و4 فبراير المقبل. كما جُهّزت المؤسسات لتستثمر الأيام المتبقية من الأسبوع الحالي في استكمال الشق الشفوي لجميع المستويات وتسجيل نتائجه، إلى جانب استخدام اختبارات الرياضيات كتمارين تدريبية، بما يضمن استمرارية التعلمات وعدم تجميد الزمن المدرسي. المحاسبة تدخل على الخط بالتوازي مع التدابير التربوية، دخل البعد القانوني بقوة على خط الأزمة، إذ شرعت مديرية الشؤون القانونية في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مسرّبي الامتحانات ومواضيع المراقبة المستمرة على شبكات التواصل الاجتماعي، وضد مصدر التسريب، تمهيداً لتطبيق الجزاءات القانونية والتأديبية اللازمة. ورغم أن هذه الخطوة تبدو متأخرة في نظر بعض المتتبعين، إلا أنها تحمل رسالة واضحة مفادها أن التسريب لم يعد يُنظر إليه على أنه "سلوك عابر"، بل كفعل يهدد مصداقية المدرسة العمومية ويقوض أسس الإصلاح. تأجيل بيان النتائج ومراجعة نموذج التقويم ونتيجة لهذه التطورات، تقرر تأجيل تسليم بيان النتائج الخاص بالمرحلة الثانية من التعليم الابتدائي حتى بعد اجتياز الشق الكتابي الجديد وتسجيل نتائجه، وذلك بعد عطلة منتصف السنة الدراسية، في تأكيد على أن التقويم لن يُبنى على معطيات مشكوك في نزاهتها. من جهة أخرى، كشفت المعطيات عن توجه داخل الوزارة يُدرس اعتماد امتحانات موحدة على الصعيد الجهوي، يشرف على إعدادها فريق جهوي من المفتشين المواكبين، أو العودة إلى التوحيد على المستوى الإقليمي، في محاولة لإيجاد صيغة وسطى بين ضمان الجودة وتقليص مخاطر التسريب. أزمة ثقة تتجاوز مجرد تسريب ويرى مراقبون أن ما وقع في مؤسسات "الريادة" يتجاوز حدود تسريب امتحان، ليكشف عن هشاشة بنيوية في تدبير التقويم داخل نموذج إصلاحي ما يزال في طور التثبيت. فإعادة الامتحانات، وإلغاء النتائج، وتغيير مساطر الطبع والإعداد، كلها مؤشرات على أن معركة الإصلاح لا تُحسم بالشعارات ولا بالمذكرات، بل ببناء منظومة محكمة قادرة على حماية أبسط قواعد النزاهة. وبين سندان المحاسبة القانونية، ومطرقة الحاجة إلى مراجعة عميقة لمساطر التقويم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتحول هذه الأزمة إلى فرصة لتصحيح أعطاب نموذج "مؤسسات الريادة"، أم أنها ستُسجل كحلقة أخرى في مسلسل الارتجال الذي رافق إصلاحات سابقة؟ كما يطرح الفاعلون داخل القطاع.