كلما اقترب موعد الانتخابات، بدا المشهد السياسي وكأنه أرضٌ تتحرك تحت أقدام أصحابها. أغلبياتٌ كانت تبدو صلبة كالجدار، تتحول فجأة إلى توازنات هشّة، وتحالفاتٌ قُدِّمت للرأي العام باعتبارها قدرا سياسيا لا يتغير، تبدأ في التشقق بصمت أو بضجيج. فماذا يحدث؟ ولماذا ترتجف الأغلبيات عند أول اقتراب لصندوق الاقتراع؟ الحقيقة أن الأغلبية في كثير من التجارب السياسية لا تُبنى دائماً على انسجام فكري عميق، بل على حسابات مرحلية. هي أشبه بهدنة بين مصالح مختلفة أكثر منها اتفاقا على مشروع واضح. وحين تكون السلطة هي نقطة الالتقاء الوحيدة، فإن اقتراب الانتخابات يعيد طرح السؤال المؤجل: من سيبقى؟ ومن سيدفع ثمن المرحلة؟ قبل الانتخابات، يتحول السياسي من شريك في الحكم إلى مرشح يخشى المحاسبة الشعبية. يبدأ كل حزب في مراجعة موقعه داخل الأغلبية، لا بمنطق الوفاء للتحالف، بل بمنطق النجاة الانتخابية. هنا تظهر لغة جديدة: تبرؤ من قرارات سابقة، نقد خافت للحلفاء، ومحاولات لإعادة رسم المسافة مع السلطة حتى لا يتحمل الجميع الكلفة نفسها. الناخب بدوره يصبح حاضرا بقوة. فالأغلبية التي كانت تتحدث بصوت واحد داخل المؤسسات، تجد نفسها مضطرة لمخاطبة جمهور متنوع، لكل فئة مطالبه وغضبه وانتظاراته. وحين تكتشف الأحزاب أن رصيدها الشعبي تآكل بفعل قرارات صعبة أو وعود لم تتحقق، تبدأ عملية "إعادة التموضع"، فتكثر الانسحابات الرمزية والمواقف المفاجئة. ثم إن الانتخابات تفتح شهية الطموح الشخصي. داخل كل حزب قيادات تنتظر اللحظة المناسبة للصعود، ووجوه جديدة ترى في اهتزاز الأغلبية فرصة للظهور. وهكذا تتحول السياسة من إدارة مشتركة للحكم إلى سباق فردي نحو المستقبل، فتضعف الروابط التي كانت تجمع الأمس. الأغلبية إذن لا تتزلزل لأن الزمن تغير فجأة، بل لأن حقيقتها تظهر. الانتخابات تشبه المرآة؛ تعكس ما كان مخفياً خلف لغة التوافق. فإذا كانت الأغلبية مبنية على رؤية مشتركة، ازدادت تماسكا. أما إذا قامت على التوازنات المؤقتة، فإنها تتفكك بمجرد اقتراب لحظة الحساب. وفي النهاية، ليست اهتزازات ما قبل الانتخابات علامة مرضٍ بالضرورة، بل قد تكون علامة صحة ديمقراطية. فالحياة السياسية التي لا تعرف المراجعة ولا القلق قبل حكم الناخبين، هي حياة جامدة. أما الارتباك، والجدل، وإعادة الاصطفاف، فهي دليل على أن الكلمة الأخيرة ما تزال للشعب، لا للتحالفات المغلقة. لذلك، كلما اقتربت الانتخابات، لا تتزلزل الأغلبيات فقط... بل تنكشف حقيقتها. باحث مغربي