يوم أمس، استحضرتُ مع الصديق محمد العلمي ذكرى رحيل عزيزنا إدريس الخوري. هذا المبدع الذي لم يكن عادياً حتى في لحظة وداعه الأخيرة، فقد اختار له الموت يوما رمزيا بامتياز، هو الرابع عشر من فبراير.. "عيد الحب". إن هذا الاقتران التراجيدي بين الحب والموت يحيلني فورا إلى مناخات رواية بيار دوشين الشهيرة "الموت حباّ" (1981)، تلك التي خلدتها السينما بفيلم يصور قصة حب مستحيلة ولدت من رحم الاضطرابات التي هزت فرنسا في ماي 1968. ومن عجائب المصادفات أن الراحل إدريس الخوري كان قد واكب تلك الثورة الطلابية بوجدانه وقلمه، حيث كان ينشر بعض انطباعاته عنها في شكل مذكرات بجريدة "العلم" تحت عنوان "يوميات تحت الشمس"، وكأنه منذ تلك البدايات كان ينسج خيوط قدره مع التاريخ، ويربط مساره الشخصي بالتحولات الكبرى للروح الإنسانية في بحثها عن الحرية والجمال. لكن، هل كان صاحب "الأيام والليالي" يؤمن بالحب كما تروج له ثقافة السان فالنتان الاستهلاكية؟ إن سيرة بَّا إدريس تكشف عن تناقض وجودي جميل. فقد عُرف عنه في الأوساط الثقافية والاجتماعية نوع من الصد والحدة، بل والعدوانية أحياناً في تعاملاته… لكن المتأمل بعمق يدرك أن تلك القسوة لم تكن إلا قناعاً صلباً يحمي به هشاشة إنسانية مفرطة، وسياجاً يضعه حول قلبه الذي لم يكن يحتمل رداءة الواقع. ومع تقدم العمر، وخاصة في سنواته الأخيرة بعد أن استقرت أحواله المادية بفضل المعاش الذي استفاد منه من مؤسسة محمد الخامس للتضامن، خفتت تلك العدوانية تدريجيا، وبرز وجه إدريس الآخر.. العطوف والحنون واللطيف إلى أبعد الحدود. وكأن الطمأنينة المادية منحت روحه القلقة فرصة لتتصالح مع العالم، وتكشف عن مكنوناتها الخيرة. *** في عالم إدريس الخوري القصصي، لم يكن الحب ورديا أو ناعما، بل كان معجونا بطين الأرض وعرق المهمشين… تظهر تيمة الحب في قصصه دائماً من خلال ثنائية الإحباط والضياع. وتعتبر قصته "أيام خديجة البيضاوية" نموذجا فذا لهذا الحب المحبط، فأبطاله ليسوا فرسانا قادمين من الأساطير، بل هم أولاد الشعب، منسيو قاع الدارالبيضاء، والمنكسرون تحت وطأة الحاجة واليأس. أتذكر مرة، ونحن في ملهى "نيكريسكو" بزنقة بوان كاريه بالدارالبيضاء، كيف استوقفته إحدى فتيات الليل ودار بينهما حديث طويل. حين سألته، أخبرني بزهو وتأثر أنها طلبت منه أن يكتب قصة حياتها، وأسرّت له بأنها تقرأ أعماله، وأن مجموعته القصصية "ظلال" لا تفارق وسادتها… هنا تكمن عظمة إدريس "ولد درب غلف".. إنه الكاتب الذي يجد جمهوره الحقيقي في الخمارات والأزقة الضيقة وبين الأرواح المعذبة، ومن هذا النبض الصادق كان يستمد وقود إبداعه. في حياته الشخصية عاش إدريس تجربة قلقة مع الاستقرار الزوجي، فقد تزوج وطلق ثلاث مرات. كان بشهادة أصدقائه الخلص، يشبه في تركيبته النفسية صديقيه الراحلين محمد زفزاف ومحمد شكري. هؤلاء الثلاثي المتمرد لم يُخلقوا للارتباط المؤسساتي أو للقيود الزوجية الرتيبة… كانوا كائنات هائمة في فضاءات الحرية، يجدون بيتهم الحقيقي في المقهى وفي السهر وفي متعة الكتابة… أكاد أسمعه الآن برنّة صوته المتميزة ولكنة سخريته المعهودة، وهو يتلفظ مقهقها باسم "عيد الحب" متهكما: – "هاي.. هاي… على السان فالنتان! وانت بوك غير درويش"… كان يرى في هذه المظاهر مجرد مرض برجوازي وتزييف للمشاعر الإنسانية العميقة التي لا تحتاج لطقوس مستوردة لتعبر عن نفسها. *** إن صورة بَّا إدريس لا تكتمل إلا بإضافة الألوان الجمالية التي ميزت حياته الخاصة.. لم يكن مجرد قاص، بل كان سادنا للجمال بجميع تجلياته.. كان يمتلك مجموعة نادرة من الأسطوانات النادرة في زمن ما قبل الكاسيت والديجيتال، وكان حين يستضيفنا يصرُّ على ممارسة طقس الاستماع بجدية صوفية.. يضع الإبرة على الأسطوانة بحذر ويقول لازمته الشهيرة: "اسمعوا… هادي هي المَّاسق ديال النفس!" بالنسبة له لم تكن الموسيقى تسلية، بل كانت أداة لتطهير الروح من درن اليومي والسياسي المبتذل. هذا الشغف الرفيع امتد لديه ليشمل السينما والفنون التشكيلية، حيث كان ناقدا بصيرا يمتلك مصفاة ذوقية لا تقبل إلا الجيد والأصيل. ألا يمكن اعتبار إدريس الخوري محباً للحياة؟ بلى.. وبكل قوة. رغم ملامح النكد الإبداعي التي قد توحي بها نصوصه، إلا أنه أقبل على الحياة بكل ما استطاع إليها سبيلا.. أحبها في الملبس الأنيق، وفي المذاقات الرفيعة، وفي الصداقات المتينة، وفي التسكع المثقف في شوارع الدارالبيضاء والرباط. لقد كانت عدوانيته أحيانا مجرد دفاع عن النفس ضد قبح العالم ورداءة المحيط، بينما كان قلبه في الداخل يرقص على إيقاع الجمال… إن رحيله في عيد الحب لم يكن مصادفة، بل كان القفلة الأخيرة في نص حياته.. تكريما لرجل أحبَّ بصدق وعاش بصدق ورحل تاركاً خلفه "موسيقى النفس" تعزف في ذاكرة كل من عرفه. يمضي الأحباب.. ويبقى حبهم عصياً على النسيان. الصورة: عبد الرحيم التوراني برفقة إدريس الخوري (الدارالبيضاء 1980)