لو كانت طنجة شركة مساهمة، لكانت انظار المستثمرين تتجه اليوم حصريا نحو اسهم "طنجة المتوسط" والمناطق الحرة البراقة. غير ان في الاقتصاد، كما في السياسة، حاجة دائمة الى رجل يمسك بملفات "الداخل" حين ينشغل الجميع بالخارج. وهنا يبرز محمد عمار الشماع بوصفه هذا الرجل، اذ ان مكتبه في المنطقة الصناعية "مغوغة" يمثل المكان الذي تدار فيه واحدة من اعقد عمليات التكيف الاقتصادي في الشمال المغربي، بعيدا تماما عن صخب المانشيتات العريضة. ولا يملك الشماع ترف بيع "الوهم" او تسويق مشاريع على الورق؛ ذلك انه يجلس على راس (AZIT)، الجمعية التي تدير واقعا اسمنتيا صلبا يمتد على 138 هكتارا. وهنا لا يتعلق الامر باجتذاب رؤوس اموال جديدة بقدر ما يتعلق بالحفاظ على ما هو موجود. وفي المقابل يميل المسؤولون عادة الى التخلص من "الارث القديم" لصالح الواجهات الزجاجية، بينما يتبنى الشماع فلسفة محافظة -بالمعنى الانجليزي للكلمة- ترى في استمرارية المؤسسات الصناعية القائمة انجازا يفوق في قيمته تدشين اخرى جديدة. وعندما تصفه الاوساط الاقتصادية المحلية ب"رجل التوازنات"، فهي لا تجامله، بل تشير الى قدرته على ادارة التفاوض بين بيروقراطية الدولة ومتطلبات مقاولات تعيش تحت ضغط المنافسة الشرسة. فهو لم يرفع صوته يوما للمطالبة بالدعم، بل صاغ ملفات تقنية دقيقة جعلت من برامج مثل (FONZID) ممرات لضخ الحياة في شرايين المنطقة. ومن ثم فان هذا النوع من "الذكاء الاجرائي" هو ما يجعله لاعبا اساسيا؛ اذ لا يشتكي من المشكلة، وانما يقدم هيكلة قانونية للحل. وليس من قبيل الصدفة ان يظهر اسمه في قوائم "شخصيات السنة" الاقتصادية، ومن بينها الاستفتاء الذي نظمته منصة طنجة24 لاختيار شخصيات السنة، حيث ورد اسمه ضمن فئة ريادة الاعمال، رغم انه لا يدير "ستارت اب" تكنولوجية ولا مجمعا سياحيا؛ ذلك ان هذا الظهور يشكل اعترافا ضمنيا بان الاقتصاد الحقيقي لا يزال يحتاج الى "اوصياء" عقلاء. وعليه يمثل الشماع تلك الطبقة من الفاعلين الذين يدركون ان الطفرة الاقتصادية لطنجة تحتاج الى جذور بقدر حاجتها الى اجنحة. وبينما يركض الاخرون يفضل هو المشي بثبات، مؤمنا بان المنطقة الصناعية التي يمثلها ليست "اطلالا" للسبعينيات، بل "احتياطيا استراتيجيا" لمدينة قد تفقد ذاكرتها الانتاجية اذا لم تجد من يحرسها. وفي النهاية يبدو الشماع وكانه يمارس نوعا من "الزهد الوظيفي"؛ اذ ان نفوذه لا يستمد من الظهور الاعلامي، بل من كونه المرجع الذي لا يمكن تجاوزه حين يتعلق الامر بمصير مئات المصانع التي تشكل العمود الفقري الصامت للمدينة. وبذلك يكون، باختصار، الرجل الذي يضمن ان تظل المصابيح مضاءة في مغوغة، في وقت تتوجه فيه كل الطاقة نحو الميناء المتوسطي.