يشعر المغاربة اليوم بضغط متزايد لآثار التغير المناخي على حياتهم اليومية، حيث تكشف نتائج استطلاع وطني أن 65 بالمائة من المواطنين يؤكدون أن فشل المحاصيل الزراعية في مناطقهم أصبح أكثر حدة خلال السنوات العشر الماضية، في مؤشر واضح على تصاعد المخاطر المناخية في بلد يُصنف ضمن أكثر البلدان عرضة لتداعيات التغير المناخي. وتُظهر هذه المعطيات، الواردة في تقرير صادر عن شبكة "أفروباروميتر" البحثية، في 13 يناير 2026، أن إدراك المواطنين لخطورة الوضع بات مرتبطاً بتجارب معيشية مباشرة تمس الأمن الغذائي والمائي وسوق الشغل والاستقرار الاجتماعي. ويستند التقرير إلى استطلاع ميداني أُنجز في فبراير 2024 على عينة وطنية تمثيلية تضم 1200 مغربي بالغ، بهامش خطأ يبلغ +/-3 نقاط مئوية عند مستوى ثقة 95 بالمائة، وهو ما يمنح نتائجه موثوقية إحصائية في توصيف اتجاهات الرأي العام.
وتكشف البيانات أن انعكاسات التغير المناخي تدفع شريحة واسعة من الأسر إلى تعديل أنماط عيشها، إذ أفاد 47 بالمائة من المستجوبين بأنهم اضطروا إلى تغيير مصادر المياه التي يستخدمونها أو تقليص استهلاكهم لها، بينما صرح 36 بالمائة بأنهم غيروا أنواع المحاصيل التي يزرعونها أو الأغذية التي يستهلكونها. كما ذكر 33 بالمائة أنهم خفضوا ساعات العمل في الهواء الطلق أو أعادوا جدولتها، في حين أكد 18 بالمائة أنهم اضطروا إلى الانتقال من أماكن إقامتهم بسبب تغير أنماط الطقس، وهو معطى يشير إلى بروز أشكال من الهجرة الداخلية المرتبطة بالمناخ. عبء التكيف تتحمله الفئات الهشة وتُظهر النتائج أن تأثيرات التغير المناخي لا تتوزع بالتساوي بين الفئات الاجتماعية والمجالية، حيث يتحمل سكان المناطق القروية والفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً العبء الأكبر من التكيف. فعلى سبيل المثال، تبلغ نسبة من غيروا محاصيلهم أو أنماط غذائهم 55 بالمائة في الوسط القروي مقابل 26 بالمائة في الوسط الحضري، وترتفع إلى 66 بالمائة بين الفئات التي تعاني من فقر معيشي متوسط أو مرتفع مقابل 15 بالمائة فقط بين من لا يعانون من فقر معيشي. ويعكس ذلك تداخلاً بين المخاطر المناخية والتفاوتات الاجتماعية، حيث يؤدي ضعف الموارد إلى تقليص قدرة الأسر على امتصاص الصدمات البيئية. ورغم اتساع نطاق التجارب المرتبطة بتقلبات الطقس، فإن الوعي بمفهوم التغير المناخي يظل متفاوتاً، إذ أفاد 67 بالمائة من المغاربة بأنهم سمعوا بهذا المفهوم، مقابل 32 بالمائة لم تتح لهم فرصة التعرف عليه. ويرتبط مستوى الوعي بشكل وثيق بالمستوى التعليمي، حيث يرتفع إلى 84 بالمائة بين الحاصلين على تعليم ما بعد الثانوي وينخفض إلى 32 بالمائة بين من لم يتلقوا أي تعليم رسمي. كما أن الوعي أعلى في المدن بنسبة 72 بالمائة مقارنة ب58 بالمائة في القرى، وأعلى بين الرجال بنسبة 72 بالمائة مقابل 62 بالمائة بين النساء، ويبلغ أقصاه لدى الفئة العمرية 18-35 سنة بنسبة 76 بالمائة قبل أن يتراجع إلى 47 بالمائة بين كبار السن، ما يكشف عن فجوات معرفية قد تؤثر على طبيعة الاستجابة المجتمعية للمخاطر المناخية. ومن بين المغاربة الذين يعرفون التغير المناخي، يرى 76 بالمائة أنه يجعل الحياة في المغرب أسوأ، بينهم 47 بالمائة يصفون التأثير بأنه "أسوأ بكثير"، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بسنة 2018 حين كانت هذه النسبة عند 49 بالمائة، أي بزيادة قدرها 27 نقطة مئوية خلال 6 سنوات. ويعكس هذا التطور تحولاً في نظرة المواطنين إلى التغير المناخي من كونه قضية بعيدة المدى إلى مشكلة راهنة تؤثر مباشرة على جودة حياتهم. وتكون هذه القناعة أكثر انتشاراً في المدن بنسبة 78 بالمائة مقارنة ب 71 بالمائة في القرى، كما ترتفع بين الحاصلين على مستويات تعليمية أعلى وبين الفئات الأفضل وضعاً من الناحية الاقتصادية. مسؤولية الدول الغنية أما بخصوص أسباب التغير المناخي، فينسب 38 بالمائة من المستجوبين الظاهرة أساساً إلى النشاط البشري مثل حرق الوقود وإزالة الغابات، بينما يعزوها 43 بالمائة إلى تفاعل بين العوامل البشرية والعمليات الطبيعية، في حين يرى 14 بالمائة أنها ناتجة أساساً عن أسباب طبيعية. وعند تحديد الجهات المسؤولة عن التسبب في التغير المناخي، يحمّل 77 بالمائة المسؤولية للأشخاص والشركات والحكومات في مناطق أخرى من العالم، مقابل 17 بالمائة فقط يرون أن المسؤولية تقع أساساً على المغرب، وهو ما يعكس إدراكاً شعبياً لاختلال التوازن العالمي في إنتاج الانبعاثات. ويترجم هذا التصور إلى مطالب قوية بتحرك دولي، إذ يعتقد 88 بالمائة من الذين سمعوا بالتغير المناخي أن على الدول الغنية أو المتقدمة اتخاذ خطوات فورية لمكافحة الظاهرة حتى لو كانت مكلفة، بينما يرى 90 بالمائة أن على هذه الدول مساعدة المغرب في تغطية تكاليف التكيف مع آثارها. وفي الوقت نفسه، يؤكد 68 بالمائة أن على الحكومة المغربية التحرك فوراً للحد من التغير المناخي حتى لو ترتب عن ذلك كلفة اقتصادية أو فقدان بعض فرص العمل. وعند سؤالهم عن الجهة التي تتحمل المسؤولية الرئيسية في الحد من التغير المناخي، يضع 59 بالمائة العبء الأكبر على عاتق الدول الغنية، مقابل 19 بالمائة للحكومة المغربية و9 بالمائة لقطاع الأعمال و2 بالمائة للمواطنين العاديين. كما يعبر المغاربة عن دعم واسع لحزمة من السياسات العمومية المرتبطة بالتكيف المناخي، حيث يؤيد 92 بالمائة من جميع المستجوبين زيادة الضغط على الدول المتقدمة لتقديم موارد لمساعدة المتضررين من تغير الطقس، ويدعم 91 بالمائة الاستثمار في بنية تحتية قادرة على الصمود أمام الظواهر المناخية المتطرفة. ويوافق 77 بالمائة على إلزام الجميع باستخدام مواقد طهي تعتمد على وقود أنظف مثل الكهرباء أو الغاز، بينما يؤيد 70 بالمائة تجريم قطع الأشجار من أجل الحطب أو الفحم حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، ما يدل على استعداد اجتماعي لتحمل أعباء اقتصادية مقابل تعزيز الحماية البيئية.