مَع دُنو الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، لا شيء يعلو فوق همس الانتخابات. في المقاهي، في ردهات الإدارات، في كواليس الجماعات والجهات، وحتى في أعراس القبائل، صار السؤال واحدا: مع من ستصطف؟. دوخة حقيقية تضرب المشهد السياسي المغربي مبكرا بعد مغادرة عزيز أخنوش رئاسة سفينة "الحمامة"، لا لأنها لحظة ديمقراطية فاصلة، بل لأنها موسم تغيير الجلود. الكلّ يركض. من كانوا بالأمس يسبّحون بحمد حزبٍ بعينه، صاروا اليوم يختبرون دفء أحزاب أخرى. الانتقال لم يعد موقفا سياسيا، بل أصبح مهارة بقاء. بطاقة الانخراط تُستبدل كما تُستبدل صورة "البروفايل"، والبيانات تُفصّل على مقاس المرحلة. في بلدٍ يحتضن ما يفوق الثلاثين حزبا، تبدو الخريطة أقل ثباتا من رمال الصيف. ليس الأمر تنافس برامج بقدر ما هو سباق تموقع. رجال أعمال يكتشفون فجأة شغفهم بالعمل العام، منتخبون سابقون يعودون من "تقاعد سياسي" اضطراري، ووجوه شابة تُدفع إلى الواجهة كمساحيق تجميل حزبية. الحديث عن البرلماني المقبل لا ينفصل عن حسابات الجماعة والجهة، وعن "المحرك الانتخابي" الذي يبدأ مبكرا في توزيع الابتسامات والوعود. في الجهات والأقاليم والعمالات، تُعاد هندسة التحالفات كما تُعاد تزكية المرشحين. شبكات المصالح تستيقظ من سباتها، والولاءات تُقاس بحجم القدرة على جلب الأصوات لا بصلابة الموقف. من يملك مفاتيح الدواوير؟ من يستطيع تعبئة العائلات الكبرى؟ من يحسن مُخاطبة الناخب الغاضب؟ أسئلة تُطرح ببرودة حسابية، بينما الخطاب العلني يفيض بلغة الإصلاح والتنمية. اللاّفت في دوخة انتخابات 2026 أن اللّهفة سبقت الإعلان الرسمي عن تاريخ الاستحقاقات الانتخابية. كأن الجميع يخشى أن يفوته القطار. بعضهم يطرق أبواب الأحزاب بحثا عن "تزكية مضمونة"، وبعضهم يلوّح بملفاته كقوة تفاوض: خذوني، أملك الخزان الانتخابي. في المقابل، قيادات حزبية تحاول الموازنة بين جلب "الأعيان" والحفاظ على صورة أخلاقية مهترئة أصلا. لم يعد تغيير الجلد السّياسي يحرج أحدا. يُقدَّم باعتباره "قراءة جديدة للمرحلة" أو "انسجاما مع التحولات"، لكن الناخب، الذي خبر هذه التحولات المتكررة، صار أكثر تشككا. فبين انتخابات 2021 واستحقاقات 2026، لم تتغير حياة كثيرين بالقدر الذي تغيّرت به الانتماءات الحزبية. ليست الدّوخة فقط في صفوف السياسيين، بل في وعي عام مرتبك: هل نحن أمام تنافس ديمقراطي صحّي، أم أمام سوق مفتوح للترحال السّياسي؟ هل البرامج ستسبق الأشخاص، أم أن الأشخاص سيبتلِعون البرامج مرة أخرى؟ استحقاقات سنة 2026 الانتخابية تقترب، ومعها يتكثّف الضجيج الانتخابي، لكن خلف هذا الضجيج، يظل السّؤال البسيط معلقا: من يخوض الانتخابات ليخدم الشأن العام، ومن يخوضها ليحمي مصالحه؟ بين هذا وذاك، تستمر الدّوخة... ويستمر الناخب في البحث عن توازنٍ مفقود بين الثّقة والخِذلان.