تعتبر "الجودة الشاملة" مفهوماً محورياً للحكم على مدى نجاح ونجاعة وكفاءة أي منظومة تربوية. وإن كان هذا المفهوم مستورداً من مجال المال والأعمال، إلا أنه صار يحظى باهتمام بالغ في الأدبيات التربوية المعاصرة. ولا يقتصر تعريف "الجودة الشاملة" على تقييم النتائج وقياس الأثر (المخرجات)، بل صار يشمل تحليل كل الممارسات المرتبطة بتدبير منظومة التربية والتكوين، في جميع مستوياتها ومراحل إنجازها. فالجودة لم تعد هدفاً في حد ذاته، بل سيرورة ونظام اشتغال ذو أركان وأبعاد متعددة ومؤشرات دقيقة لقياسها. وتعتبر "الجودة الشاملة" إحدى الرهانات الكبرى التي تواجهها منظومة التربية والتكوين بالمغرب، وهو التحدي الذي يلزم رفعه من طرف كل الفاعلين في الحقل التربوي الوطني، كل من موقعه، سواء كان مسؤولاً سياسياً، أو إدارياً، أو أطر تربوية، أو هيئات التفتيش، والآباء، بل وكل الشركاء. من هذا المنطلق، تصير هيئة التفتيش التربوي معنية بقوة برفع هذا التحدي الوطني من باب الالتزام بالمساهمة الفعالة في النهوض بأوضاع منظومتنا التربوية. وهذا لن يتأتى، طبعاً، إلا بضمان ممارسة مهنية منتظمة ومضبوطة، تقطع مع "براديغم التفتيش الرقابي" التقليدي القائم على تصيد الأخطاء، لتنتقل بوعي نحو "براديغم المواكبة والتقييم من أجل التطوير". فالممارسة المنشودة هي التي تحترم أخلاقيات وقواعد المهنة، وتستحضر نبل وسمو رسالتها على جميع مستويات التدخل وأثناء القيام بمختلف المهام (تفتيش، مواكبة، مصاحبة، تأطير…). إن هذا الأمر (الممارسة المهنية المنتظمة) يتطلب من المفتش التربوي مجهودات مستمرة ومتواترة لمواكبة مستجدات المجال التخصصي ومسايرة متغيرات الساحة التربوية ومخططات الإصلاح. هنا يجب التأكيد على أن "الانتظام" لا يعني مجرد التكرار الزمني للتدخلات، بل يحيل على "التخطيط المبني على البيانات"؛ أي أن خطط عمل المفتش لا تكون اعتباطية، بل تنبني على تشخيص دقيق للحاجيات ورصد للفجوات، مما يمنح الممارسة المهنية صلابتها ونجاعتها وقدرتها على إحداث الأثر. فبدون هذا الزاد المعرفي والمنهجي، سيكون من الصعب على المفتش الاضطلاع بمهامه كما يقتضيه تحدي الجودة. وفي هذا السياق، تبرز مسألة تطوير الأداء التربوي كإحدى أكبر المسؤوليات الملقاة على عاتق هيئة التفتيش، بما ينعكس على جودة التعلمات ويضمن تحقيق أهداف الإصلاح. لأن هذه المسؤولية الجسيمة تقتضي من المفتش التربوي يقظة دائمة للمساهمة بقوة في تأطير ومواكبة الأطر التربوية عبر زيارات صفية ولقاءات وتكوينات منتظمة ومتكاملة، من خلال برنامج عمل سنوي مضبوط وواقعي. لكن، لضمان نجاعة هذه التدخلات، لا بد من استحضار شرط "العلاقة الإنسانية والمهنية"؛ فالمفتش مطالب بخلق مناخ من الثقة والتواصل الإيجابي مع الأطر التربوية، لأن الجودة لا تنمو في بيئة يسودها التوتر أو الخوف، بل في فضاء تشاركي يشعر فيه الأستاذ بالأمان النفسي الذي يحفزه على الابتكار وتحسين ممارسته الصفية. وسيكون لهذا لا محالة انعكاس مباشر على جودة التعلمات التي تعتبر الغاية الفضلى للإصلاح. فإذا كان المغرب قد تبنى، مثلاً، نموذج "مدارس الريادة" لتدارك التعثرات الكبرى… مع ما رافق ذلك من اختيار نموذج "التدريس الصريح" كرافع بيداغوجي، فإن أدوار المفتشات والمفتشين كانت بارزة في تنفيذ هذا التوجه الإصلاحي، سواء من حيث بناء السيناريوهات، أو مواكبة وتقييم الممارسات الصفية، أو تقويم النتائج. وإن كان الحكم النهائي على هذه التجربة سابقاً لأوانه، فإن النتائج الأولية تؤكد أن هناك أموراً إيجابية كثيرة تحققت، منها تجويد بيئة التعلم، وجودة الأدوات والوسائل، وجودة التقويمات… وهي مؤشرات على تحسن نوعي في أداء المنظومة ناتج عن تحسن في الممارسات، لعب فيها المفتش دوراً أساسياً. إن تحصين هذه الدينامية التربوية الاستثنائية وتعزيزها وتعميمها سيكون له انعكاسات طيبة على مستوى التحكم في التعلمات، وبالتالي الإسهام في إخراج المنظومة من ذيل التصنيفات العالمية، وضمان تحقق أهداف "خارطة الطريق 2022-2026". وهكذا ينعكس الرفع من المردودية الداخلية لنظامنا التعليمي إيجاباً على الخارجية أيضاً، ضمن ما تقتضيه "الجودة الشاملة" بأبعادها الأربعة: الملاءمة، الإنصاف، الاستدامة والتشاركية. وبما أن "الجودة الشاملة" ترتكز من حيث الممارسات على ثلاثة أقطاب متداخلة (القطب البيداغوجي، القطب التدبيري، والقطب التقويمي)، وبالنظر إلى أن المفتش التربوي يعتبر من الأطر القليلة التي تتحرك بين هذه الأقطاب الثلاثة بسلاسة، فهذا يؤكد مدى ثقل المسؤولية الموكلة إليه وقيمة الأدوار المنوطة به للمساهمة في إقلاع حقيقي للمنظومة الوطنية للتربية والتكوين. طالب مفتش بمركز تكوين مفتشي التعليم – الرباط