من دون سبب واضح ولا مناسبة معلنة، تتناسل منذ أكثر من أسبوع مقالات هنا وهناك تدعو المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، إلى العودة لقيادة حزب حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه سنة 2008، وغادره ثلاث سنوات بعدها تحت ضغط الشارع الذي خرج في 20 فبراير يطالب برحيل الجرار ومؤسسه. من يفهم ولو قليلا قواعد الحياة السياسية في المغرب، يرى في هذه الدعوات التي نبتت من عدم نوعاً من الفانتازيا التي تتجاوز حدود المنطق.. فأن يطالب البعض بخروج الهمة من وقار مكتبه في القصر الملكي بالرباط إلى ضجيج مقر الأصالة والمعاصرة بأكدال يعني شيئا واحداً من احتمالين لا ثالث لهما : إما أن أصحاب هذه الدعوات يعيشون أمّية سياسية مستعصية، تجعلهم يجهلون أن المسافة بين المستشار والجرار لم تعد مجرد كيلومترات معدودة تفصل بين القصر والمقر، بل أصبحت هوة سياسية سحيقة حفرتها رياح 20 فبراير في 2011؛ وإما أنهم ببساطة يمارسون نوعاً من "التمسخير" السياسي الفج ويبيعون الوهم لقواعد حزب فقد بوصلته وصار يهرب من مواجهة فشله في تجديد جلده وإنتاج قياداته، بالارتماء في أحضان الحنين إلى العراب الذي غادر السفينة منذ 15 عاماً، مخلّفاً وراءه رسالة كانت أقرب إلى شهادة وفاة للحزب منها إلى مجرد استقالة. ولعل الحقيقة التي يتحاشى هؤلاء مواجهتها، هي أن الخطيئة الأصلية لم تكن في ابتعاد الهمة عن الحزب، بل في تأسيسه في حد ذاته. لقد أظهرت التجربة أن فؤاد عالي الهمة أخطأ عندما قرر، صيف 2007، مغادرة أكواريوم القصر والدخول لبحر السياسة. ظنّ الرجل، أو هكذا خُيّل له، أنه وبعد ثماني سنوات قضاها كمهندس للمشهد السياسي من موقعه كوزير (منتدب) للداخلية، أصبح يمتلك أخيراً الوصفة السحرية لصناعة الشتاء والطقس الجميل في سماء مملكة محمد السادس، متوهماً أن التحكم في حركة الرياح السياسية وتوجيه السحب الحزبية وتوزيع الغنائم الانتخابية هو مجرد تكتيك إداري يمكن ممارسته عبر حزب يكون هو ربّانه الفعلي.. جمع الهمة شتات "كل الديمقراطيين" وصبّهم في قالب الأصالة والمعاصرة، وانطلق بجرّاره في رحلة اكتساح لم تبق ولم تذر، أحرقت الأخضر واليابس في 2009، وعينه على 2012 كمحطة وصول تضع مفاتيح الحكومة بين يديه، وتُدخل المغرب عصر الحزب المُهيمن على شاكلة النموذجين التونسي والمصري في نسختيهما التجمّعية والوطنية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت حزب صديق الملك.. لكن حسابات الهمة اصطدمت بصخرة لم تكن في الحسبان؛ فبينما كان الجرار يستعد لجني المحصول في 2012، هبّت رياح الربيع التي لم تكتفِ بتغيير أحوال الطقس، بل اقتلعت معها أوهام الهيمنة الناعمة وأسقطت قلاع بن علي ومبارك، ومعها سقطت في المغرب ورقة الحزب المُهيمن قبل أن تكتمل فصول كتابتها. ماذا حصل بعد كل هذا ؟ استخلص ابن الرحامنة الدروس من هذه التجربة القاسية، وأخذ مسافة أمان من التراكتور، وابتعد كلياً عن الأضواء إلى أن تدخّل صديقه الملك محمد السادس، ومنحه التعويض السياسي والنفسي الذي يليق به بإعادته إلى مكانه الطبيعي، وعيّنه مستشاراً له في يوم عيد ميلاده.. ومنذ ذلك الوقت والهمة خلف أسوار القصر حيث يشتغل ويقدم خدماته للمغرب وللعرش وللجالس عليه، بعيداً عن لوثة السياسة التي كادت أن تحرقه في لحظة شرود عابر، في انتظار الحكم الذي سيصدره التاريخ عن مساهمة الرجل الذي يعتبر قطب الرحى لمنظومة السلطة منذ بداية العهد الجديد. في 1998، أصدرت مجلة لوجورنال غلافاً بعنوان قوي جزم بأنه لإنجاح تجربة التناوب، على إدريس البصري أن يغادر.. غادر البصري بالفعل حكومة التناوب وبقي اليوسفي وحده إلى أن خرج سنة 2002 مخلفاً وراءه خيبة أمل كبيرة.. اليوم في 2026 نقول لهؤلاء الذين يقتاتون على نوستالجيا البدايات : لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في تجربة الأصالة والمعاصرة، على طيف فؤاد عالي الهمة أن يغادر عقولكم إلى الأبد.