في المغرب، لم يعد الصّراع السّياسي أو التّدبيري يُخاض فقط داخل قاعات المجالس المنتخبة أو مكاتب الإدارات، بل انتقل بثقله إلى فضاء آخر أكثر صخبا وأقل كلفة: ساحات "السّوشل ميديا". هناك، حيث تُدار "حروب الصفحات"، لم يعد السّؤال: من يملك المشروع؟ بل من يملك "التّرند". لقد تحوّل جزء من المسؤولين والفاعلين المحلّيين إلى ما يشبه مديري حملات رقمية دائمة، يوظّفون صفحات مموّلة، وحسابات شبه نائمة، ومعلّقين موسميين أو دائمين وفق الطلب والعرض، لصناعة صورة مُعلّبة تُسوّق وتسوّغ على أنها واقع. والنتيجة: مشهد رقميّ يفيض بالإنجازات... وميدان واقعي يعاني من خصاصات مزمنة. خذ مثلا النّموذج الكلاسيكي الذي بات يتكرر في عدد من المدن المغربية: مسؤول محلي يعلن عن "إطلاق مشروع استراتيجي كبير". خلال ساعات، تنطلق عشرات الصّفحات في نشر نفس الخبر، بنفس الصّياغة تقريبا، مرفوقا بصور مُعدّلة وزوايا تصوير محسوبة. تنهال التعليقات: "الله يعطيك الصّحة سي فلان"، "أول مرّة نشوفو شي حدّ خدام بهاد الطّريقة"، "مدينة كذا ولات نموذج وطني"، "مشروع وطني غير مسبوق في تاريخ الحكومات". لكن عند البحث الميداني، يتبيّن أن المشروع إما في طور الدّراسة، أو مجرد إعادة تدوير لمبادرة قديمة، أو في أحسن الأحوال، لم يتجاوز بعد مرحلة "وضع الحجر الأساس"، أو هو "تسويغ لوهم زائل سرعان ما يخفت" نموذج ثانٍ من أجل تلميع الأشخاص بدل السّياسات، حيث تُنشأ صفحات تحمل أسماء فضفاضة: "أبناء المدينة"، "محبو التنمية"، "صوت المواطن"، "ولا الشعب" وغيرها… لكنّها عمليا مخصّصة للترويج لشخص واحد. يتمّ نشر صوره في كل نشاط، ولو كان حضورا بروتوكوليا عاديا، مع تضخيم الحدث وكأنّه إنجاز تاريخي. في المقابل، يتمّ تجاهل أو مهاجمة أي صوت نقدي بأساليب قدحية أو عبر حملات تشكيك منظّمة. أما النموذج الثّالث، فهو الأكثر دهاء: صناعة "الإجماع الوهمي"، حيث يتمّ إغراق الفضاء الرّقمي بمنشورات متكرّرة تؤكد أن "الجميع راضٍ"، وأن "السّاكنة تشيد"، وأن "المدينة تعيش تحوّلا غير مسبوق". التكرار هنا ليس بريئا، بل هو تقنية مدروسة لخلق إحساس زائف بأنّ الرّأي العام محسوم. ومن يجرؤ على الاعتراض، يُقدَّم كحالة شاذّة أو "عدوّ للنّجاح". ولا تكتمل الصّورة دون الإشارة إلى "اقتصاد الظّلّ الرّقمي" الذي يغذّي هذه الظاهرة. فهناك من تخصص في إدارة الصّفحات، وبيع خدمات التّفاعل (إعجابات، تعليقات، مشاركات)، بل وحتى "كراء الذّمم الرّقمية" لفترات محددة: حملة انتخابية، أزمة تواصل، أو حتّى تصفية حسابات بين أجنحة متنافسة داخل نفس المؤسسة وبين الهيئات، وفي أحايين أخرى بين الأشخاص. النتيجة، أنّنا أمام تضخّم في الصّورة مقابل ضمور في المضمون..أمام مسؤولين يقيسون نجاحهم بعدد المتابعين، لا بعدد الملفات التي حُلّت، وأمام رأي عام مُرهق، يتلقّى سيلا من الرّسائل المتناقضة، فيفقد تدريجيا ثقته في كل شيء. المفارقة السّاخرة/ المؤلمة أن هذا "الحشد الرّقمي" قد ينقلب على صانعيه. فالمسؤول الذي يصدّق صورته الافتراضية، قد يُفاجأ بواقع انتخابي أو اجتماعي لا يعترف بتلك "اللاّيكات"، لأنّ المواطن، رغم كلّ شيء، يعيش يوميا تفاصيل لا يمكن تزويرها: طريق محفّرة، مرفق متعثّر، خدمة غائبة. في النّهاية، ليست المشكلة في استعمال "السوشل ميديا" وتوظيفه، فهي أداة ضرورية في عصرنا، بل في تحويلها إلى بديل عن الفعل الحقيقي، حين تصبح الصّفحة أهمّ من المشروع، والصّورة أهم من الأثر، نكون قد دخلنا مرحلة "تدبير الوهم". والسّؤال الذي ينبغي أن يُطرح، بعيدا عن ضجيج الصّفحات: هل نريد مسؤولين يُتقنون إدارة الواقع، أم فقط إدارة الانطباع؟ الجواب لقابل الأيام…