في كل مواجهة بين قوى المقاومة والكيان الصهيوني وداعمه وراعيه الأمريكي، تنطلق أصوات تبدو خافتة طوال الوقت، في مهاجمة الشيعة وتكفيرهم والتحذير من خطرهم على السنة، مما يجعلها غير بريئة من حيث التوقيت والسياق. واذا استقرأنا التاريخ عن هذه الظاهرة، نجد أنه لم يكن لها وجود في التاريخ الحديث للأمة الغربيودة والإسلامية حتى نهاية السبعينات، وهي لحظة اندلاع الثورة الإسلامية في إيران التي تبنت هدف تحرير فلسطين والمسجد الأقصى، وقامت إيران بعد ثورتها الإسلامية بطرد الصهاينة من البلاد وتسليم الشهيد ياسر عرفات مفاتيح سفارتهم لتصبح سفارة فلسطين في حدث تاريخي غير مسبوق يعلن تحول إيران من دركي يحمي مصالح أمريكا في الخليج إلى دولة ذات سيادة تواجه البلطجة الأمريكية في الخليج العربي وعموم منطقة غرب آسيا. والأدلة على غياب هذه الظاهرة كثيرة قبل اندلاع الثورة الإسلامية في إيران كثيرة؛ فأدبيات المعارضة الإيرانية قبل الثورة لم تخل من كتب جماعة الإخوان المسلمين ( المنتمية لبلاد السنة) وخصوصا كتب الشهيد سيد قطب، حيث قام المرشد الأعلى السابق الشهيد علي الخامنئي بترجمة كل كتبه بعد الثورة ونشرها في إيران بالفارسية مثلما أعاد نشرها وطباعتها باللغة العربية وتعميمها على الحوزات العلمية. كما أن علاقة مجتبى نواب صفوي الزعيم الثوري الإيراني وقائد منظمة "فدائيي الإسلام" بسيد قطب كانت وثيقة وقام بزيارته في مصر ولقائه هناك مثلما التقى الشهيد ياسر عرفات في القاهرة والقدس، وهو الذي جعل على رأس أولوياته نبذ الفرقة الطائفية بين المسلمين التي كان يعتبرها أداة الاستعمار للسيطرة على مقدرات العالم الإسلامي. كما أن المكتبات العربية لم تكن تخلو من كتب علماء الشيعة المعاصرين، لعل أبرزهم الشهيد محمد باقر الصدر، مثلما لا تخلو المكتبات الإسلامية من كتاب يعد من أمهات الكتب الإسلامية عند جميع المذاهب، وأعني به كتاب "نيل الأوطار…" للإمام الشوكاني وقد كان شيعيا على المذهب الزيدي. أما في الجامع الأزهر، فكانت تُعتمد في الفتوى والتدريس كل مذاهب الأمة الإسلامية السبعة، أي إلى جانب المذاهب الأربعة المعروفة عند أهل السنة (المالكي، الحنبلي، الشافعي، الحنفي) وهي المذهب الجعفري والزيدي والإباضي. إلى أن تحول الأمر إلى الاقتصار على المذاهب الأربعة الأولى بضغط من نظام كامب ديفد، في نفس الفترة التي عرفت نجاح الثورة الإيرانية. وقد سمعت ما يؤكد ذلك من الشيخ محمد بن الصديق الزمزمي في مسجده في مدينة طنجة شمال المغرب بداية الثمانينات، جوابا عن سؤال حول ظاهرة تكفير الشيعة وكانت موضوع الساعة حينها، فكان جوابه بأن الشيعة هم مسلمون كباقي المذاهب الإسلامية الأخرى، موضحا أن رأيه هذا ليس نابعا مما هو سائد في وسائل الإعلام بحسب تعبيره (حينها لم تكن هناك ظاهرة وسائل التواصل الاجتماعي التي يصبح فيها كل من هب ودب مفتيا)، وإنما من خلال معاشرة ومناقشة طلبة شيعة كانوا زملاء له بالأزهر الشريف أيام دراسته هناك في الستينات. وقد كان هذا النهج في الابتعاد عن تكفير أي منتم لأي مذهب من المذاهب الإسلامية بالمفرد أو بالمجمل هو التقليد الذي عرفت به مدرسة آل الصديق المعروفة بوفرة علمائها وبانعقاد الإجماع العلمائي على مرجعيتهم الدينية خاصة في علوم الحديث (الإخوة بن الصديق: أحمد، عبد الله، عبد العزيز). وفي هذا السياق يمكن أن نتوقف عند لحظة انعقاد المؤتمر الوطني لرابطة علماء المغرب برئاسة الشيخ عبد الله كنون بمدينة الرشيديةجنوب شرق المغرب في أبريل 1979، حيث بعث المؤتمر رسالة تهنئة وتأييد للإمام الخميني بمناسبة نجاح الثورة الإسلامية في إيران. وبالرجوع للوراء قليلا في التاريخ الإسلامي، وخاصة في عصور التخلف والانحطاط، يلاحَظ بروز واضح لهذه الظاهرة، وأساسا خلال فترة الصراع بين الدولتين العثمانية والصفوية، حيث حولت الدولتان المذهب إلى أداة لفرض الهيمنة وتعزيز سلطتهما عن طريق تحويل المذهب إلى طقوس جوفاء وحشوه بما يضفي الحقد والضغينة تجاه أهل المذهب الآخر كمسألة سب الصحابة وأمهات المؤمنين، أو كقضية الاحتفال بذكرى المجازر التي قام بها الأمويون ضد أهل بيت الني(ص) وغيرها… وذلك خدمة لمصالحهما ومطامعهما التوسعية. وقد شرح هذه الظاهرة جليا المفكر الإيراني وعالم الاجتماع الدكتور علي شريعتي الملقب بمعلم الثورة، والذي تربى كثير من شباب الثورة الإسلامية في إيران على أفكاره، وذلك في كتاب الشهير "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"، حيث يعتبر أن التشيع الصفوي نسبة إلى الدولة الصفوية التي تبنت المذهب الجعفري في الفقه، والاثناعشري على مستوى العقيدة، مذهبين رسميين للدولة بتأويل صفوي سياسي البعيد عن التشيع العلوي، كان هدفه فصل إيران تماما عن المذهب الحنفي في الفقه، والمذهب الماتريدي في العقيدة، الذان تبنتهما الدولة العثمانية عدوتها التقليدية مذهبين رسميين لها بمنظور أموي بعيد عن المنظور المحمدي. وهو بعيد كل البعد عن التشيع العلوي الذي هو حب واتباع أهل البيت الذي يلتقي في ذلك مع كل المذاهب السنية بدون استثناء. وفي المقابل يتحدث عن التسنن الأموي الذي يحتفل بجرائم الأمويين في حق أهل البيت التي يتبرأ منها الانتماء السني الحقيقي الذي يسميه بالتسنن المحمدي. فهو يميز "بين تشيع صفوي وتشيع علوي". وكذا "بين تسنن أموي وتسنن محمدي"، ويرى أن الحرب المفتعلة الآن بين المسلمين ليست حربا بين التشيع العلوي والتسنن المحمدي بل هما متعايشان ومتكاملان في الأصل، وإنما هي حرب بين التشيع الصفوي والتسنن الأموي وهي انعكاس مباشر للحروب التي دارت بين الصفويين والعثمانيين على مدى قرون واستخدمت فيها العواطف الدينية السلبية لأغراض سياسية (كما يجري حاليا بين عدد من الدول العربية وإيران)، وينهي بقوله: لو خرجت كل المظاهر الدخيلة على التشيع والتسنن، فلن يبقى هناك أي خلاف يذكر بين مذاهب الإسلام شريطة ابتعاد اليد الخارجية الأمريكية الصهيونية البريطانية عن هذا الموضوع. وهناك نموذج آخر عرفه التاريخ لاستغلال المذهب لأهداف سياسية، ما كانت تعيشه الأمة أيام فترة الممالك من صراعات وتشرذم بين إمارات تشكلت على أسس طائفية، حيث يذكر التاريخ أن الفاتح صلاح الدين الأيوبي استطاع التغلب على هذه الإمارات وأعاد توحيد الأمة سنة وشيعة قبل أن يقود بنجاح معركة تحرير بيت المقدس. وخلاصة الأمر أن موضوع الخلاف بين الشيعة والسنة لم يكن له وجود أيام فترة قوة وازدهار الأمة الإسلامية وإنما كان يبرز في فترات ضعفها حيث كان تستحضرها أطراف متصارعة لأهدافها السياسية والتوسعية. وعلى نفس المنوال استغل الكيان الصهيوني الموضوع في صراعه لتفتيت الأمة والسيطرة على خيراتها من خلال بث روايات وأحاديث عبر مختلف وسائل الإعلام والتواصل تهدف إلى بث الفرقة والصراعات بين مكونات الأمة الواحدة، من خلال تكوين أطر في التاريخ والفقه الإسلامي للقيام بهذه المهمة القذرة، واستثمار بعض الأخبار والروايات الموضوعة التي عرفت بظاهرة الإسرائيليات، التي تم حشوهت في كتب السيرة والتاريخ والحديث الإسلامية بروايات مكذوبة لأجل بث الفرقة في المجتمع. وختاما يمكن القول أن أصل الخلاف بين المدرستين (التسنن والتشيع) هو حول أحقية الخلافة بين من يراها للإمام علي ومن يراها لأبي بكر وعمر من بعده. وهي مسألة سياسية لا يمكن أن يؤدي الخلاف حولها إلى تكفير أو تبديع. وفي كل الأحوال فالأجدر بالمسلم أن يعتز بهويته الأساسية التي وصفه الله بها في القرآن الكريم: "هو سماكم المسلمين من قبل"، والتزاما بقوله تعالى: "وأن هذه أمتكم أمة واحدة"، أما ما سواها من هويات مذهبية فرعية فهي نتاج التاريخ والتراث الإسلامي التي لاوجود لها في القرآن وصحيح السنة عند جميع المذاهب. بل يكرسها الاستعمار وأدواته من أنظمة الاستبداد في الوطن العربي التي تجعل منها خنجرا مسموما يعاد استخدامه كلما أراد الاستعمار أن يسحق مدرسة من مدارس الفكر الإسلامي أو دولة تنهج نهجا يبغي تحريرها من التبعية.