مكسب دبلوماسي وازن يعزز صوت المغرب بشمال القارة الأوروبية    احتجاجا ‬على ‬مشروع ‬القانون ‬59.‬24 ‬    هل ‬تذعن ‬الجزائر ‬للإرادة ‬الأمريكية ‬و ‬تنخرط ‬دون ‬هواجس ‬أو ‬مناورات ‬في ‬خطة ‬التسوية ‬على ‬قاعدة ‬خطة ‬الحكم ‬الذاتي؟ ‬    إعفاء مدير ثانوية بتارودانت يثير احتجاجات نقابية ودعوات للتحقيق    المغرب ‬يعزز ‬جاذبيته ‬المنجمية ‬ويصعد ‬إلى ‬المرتبة ‬15 ‬عالميا ‬    ضربات تطال مقر الحكومة في تل أبيب    الكويت تعلن سقوط طائرات حربية أمريكية ونجاة أطقمها وفتح تحقيق في ملابسات الحادث    الإمارات تنجح في صد هجوم مئات الصواريخ والمسيرات الإيرانية    دول مجلس التعاون الخليجي تؤكد أنها تحتفظ بحق الرد على الهجمات الإيرانية    الجامعة المغربية لكرة القدم تندد بحادثة عنصرية استهدفت عمر الهلالي في الدوري الإسباني    كيوسك الإثنين | المغرب يبرز كقطب استراتيجي في الثورة الرقمية الإفريقية        وزارة الصحة اللبنانية: 31 قتيلا و149 جريحا جراء غارات إسرائيلية على الضاحية والجنوب    نيران داخل السفارة الأمريكية بالكويت    الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تدين الحرب على إيران وتحذر من اتساع رقعة المواجهة بالمنطقة    أجواء باردة مع زخات مطرية في توقعات اليوم الإثنين بالمغرب    شارع جبران خليل جبران بالجديدة غضب و استياء من تعثر وتأخر أشغال التهيئة    مديرية التعليم بالجديدة تكشف عن جميع مشاريع المؤسسات التعليمية التي سترى النور بإقليم الجديدة ابتداء من السنة الدراسية المقبلة    "قفاطين مغربية" تقود إلى المؤبد... القضاء الإماراتي يُدين سيدة مغربية وشقيقيها في قضية كوكايين    اغتيال خامنئي والتصعيد العسكري... الشرق الأوسط أمام منعطف خطير    الجيل الخامس والرقمنة في صلب شراكة مغربية فنلندية واعدة    طنجة.. تفكيك شبكة لترويج المخدرات بحي المصلى وحجز 24 كيلوغراماً من "الشيرا"    الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تعلن تضامنها المطلق مع عمر الهلالي    سعر برميل النفط يرتفع 13% متخطيا 80 دولارا إثر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط    قراءة في كتاب شبار    الشريعة للآخر والحرية للأنا    المغرب – فنلندا.. تأكيد لشراكةٍ دينامية ومتميزة    عبد السلام بوطيب يكتب : في معنى الوئام في زمن الاستقطاب    غرق سفينة تجاري بنمية قرب السواحل المغربية    المركز السوسيوثقافي أبي القنادل يشجع المتعلمين على القراءة    ارتفاع جديد في اسعار المحروقات في محطات الوقود بالمغرب (صورة)    أزمة النتائج تفتح باب الانتقادات تجاه إدارة اتحاد طنجة    أمل تيزنيت يعود بنقطة من بني ملال ويصعد إلى الصف الرابع    بمناسبة ذكرى 67 لرحيل جلالة المغفور له محمد الخامس .. وفد من المكتب السياسي يزور ضريح محمد الخامس        "دركي الصرف" يترصد معاملات مشبوهة لرجال أعمال مغاربة بالبرتغال    الاتحاد القطري يؤجل جميع البطولات والمسابقات حتى إشعار آخر    أزيد من 550 جهاز قياس سكر توزَّع بمراكش في حملة تحسيسية استعداداً لرمضان    64,3 مليار درهم في سنة واحدة.. ماذا يحدث في سوق التأمين بالمغرب؟    عاصفة قوية تلحق أضراراً واسعة بالقطاع الفلاحي في اشتوكة أيت باها    نشرة إنذارية: تساقطات ثلجية مهمة بعدد من الأقاليم    التعادل الايجابي (1-1) يحسم المواجهة بين اتحاد طنجة وضيفه اتحاد تواركة    منير الحدادي محاصر في إيران إثر الضربات الأمريكية الإسرائيلية    شكوك تساور مشاركة إيران بالمونديال    تعليق رحلات جوية للخطوط الملكية المغربية بسبب إغلاق مجالات جوية في الشرق الأوسط    المعلم الظاهرة!    برنامج مسرح رياض السلطان لشهر مارس بنكهة رمضانية روحية    آيت باجا: المنتوج الفني ليس عملا فرديا.. و"الممثل مُدان حتى تثبت براءته"    عمرو خالد: سورة التوبة في القرآن تفتح للمؤمن أبواب العودة إلى الرحمان    إسبانيا تبلغ الصحة العالمية بالاشتباه في انتقال متحور لإنفلونزا الخنازير بين البشر        فيلما "نوفيل فاغ" و"لاتاشمان" يحصدان أهم جوائر سيزار السينمائية    بين الهوية والمصلحة: تحديات التعايش على أرض الواقع    نور لا يطفأ    المرتبة الأولى عالميا.. المغرب يسجل أفضل أداء في مؤشر يربط نمط العيش والبيئة بقوة المناعة    جهة درعة تافيلالت تكافح الليشمانيا    بيدري: "لامين يامال أوقف تشغيل الموسيقى في غرفة الملابس بسبب شهر رمضان"    منتجات "ديتوكس" .. آثار سلبية وتدابير صحية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحمد الريسوني والحلم بالخلافة الرشيدة بقيادة تركية
نشر في العرائش أنفو يوم 27 - 11 - 2020


محمد إنفي
وُلدت فكرة هذا المقال من التفاعل مع إحدى تدوينات الأستاذة فاطمة بالمودن، القيادية الاتحادية المعروفة، بعدما تقاسمت هذه التدوينة على "الفايسبوك" مع صديقاتها وأصدقائها الافتراضيين. ولظروف شخصية، لم يكتب لهذه الفكرة أن تتحقق في حينها. فقد مر على التدوينة المذكورة أكثر من شهر.
تحمل التدوينة المنشورة بتاريخ 18 أكتوبر 2020 عنوان "ضرورة الخلافة الرشيدة". وقد استوحت الأخت فاطمة بالمودن هذا العنوان مما دار في لقاء تلفزي تحدث فيه الدكتور أحمد الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عن "الخلافة الوحدوية"، معتبرا هذه الوحدة ضرورية، ومن مسؤولية جميع الدول الإسلامية.
ويبدو، من خلال اللقاء التلفزي الذي اعتمدت عليه الأستاذة بالمودن، أن الرجل قد تراجع عن موقف سابق (حتى لا أقول تنكر له) حول الخلافة من أجل إرضاء أحد منتقديه (محمود عبد الكريم حسن من لبنان: سأعود لاحقا بحول الله إلى موقف هذا الأخير وخطابه الموغل في الغلو والتزمت والانغلاق) أو، ربما، من أجل اتقاء مزيد من التهجم عليه من قبل الحالمين بالخلافة وعودتها حتى لا تُخدش صورته كعالم حظي برئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
لقد اتهمه محمود عبد الكريم بالافتراء والجرأة على الدين لكون خطابه لا يختلف كثيرا، برئيه، عن خطاب العلمانيين؛ ويتمثل ذلك في نفى الريسوني لوجوب الخلافة في الإسلام حسب ما جاء في رد منتقده اللبناني الذي اعتمد على مقال له، نُشر في موقع "الجزيرة نت" بعنوان "الخلافة على منهاج النبوة والخلافة على منهاج داعش"؛ ويعود المقال والرد عليه إلى سنة 2015.
أما في اللقاء التلفزي المشار إليه أعلاه، فقد أكد الريسوني، حسب الأستاذة بالمودن، "على أن الحكم على منهاج النبوة ضرورة حيوية اليوم للخروج من الأزمات المتعاظمة التي تعيشها الأمة الإسلامية". ولتحقيق "هذا الواجب الديني في تأسيس الخلافة، فالأفضل للمسلمين أن يكون لهم خليفة واحد، وإذا لم يكن لهم خليفة واحد، فتلك مَنْقَصَةٌ.. فالرشد في الحكم هو نظام الخلافة".
فكم من سؤال يتبادر إلى الذهن حين نقرأ أو نسمع مثل هذا الكلام؟ وأول هذه الأسئلة: كم عمرت الخلافة على منهاج النبوة في تاريخ الإسلام؟ وماذا نفعل بهذا التاريخ الطويل الذي لا علاقة له بالخلافة على منهاج النبوة أو الخلافة الرشيدة؟ كيف التخلص من رواسب هذا الماضي السحيق؟ كيف السبيل إلى التغلب على تعقيدات الواقع السياسي الحالي في العالم الإسلامي؟ وهل من له مثل هذا الفكر والتفكير يعيش في العصر الذي ينتمي إليه؟ وهل بمثل هؤلاء يمكن أن نواجه معضلات العصر؟ وما إلى ذلك من الأسئلة المحيرة.
يرى الريسوني أن التنظير للخلافة الرشيدة في العلم الإسلامي، قد "بدأ مع السنهوري ورشيد رضا والكواكبي والمودودي وعلال الفاسي وغيرهم، ولكن هذا الأمر لا يمكن أن ينجح بالتنظير، بل لا بد من التطبيق الذي تتزاوج فيه التجربة السياسية بالإيمان بضرورة الخلافة الرشيدة". وقد ورد هذا القول في الرد على سؤال لمقدم البرنامج جاء فيه: "هل هناك تنظيم إسلامي يستطيع اليوم تحقيق الخلافة الرشيدة؟"، فكان جواب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ب"بنعم"، قبل أن يضيف إلى هذا القول (أقصد ما قاله عن التنظير للخلافة الرشيدة): "تركيا اليوم تمثل دورة جديدة لعودة الخلافة في العالم الإسلامي".
لكن، قبل أن يصل إلى هذه الخلاصة الجاهزة، كانت له وقفة مع "أتاتورك"؛ وهي، بطبيعة الحال، ليست لا بريئة ولا صادقة. وقبل توضيح هذا الأمر، لنطلع على ما قاله عن "أتاتورك"، حين سأله مقدم البرنامج: "من مِن حكام اليوم [يقصد حكام العالم الإسلامي] يستطيع القيام بهذه المهمة؟"، أجاب بأن "آخر خلافة في ديار الإسلام كانت هي خلافة ‘أتاتورك' ولو أنها لم تعمر حتى تحقق الرشد المطلوب". وقال في موضِع آخر: "أتاتورك…هو آخر خليفة إسلامي".
وكلام الريسوني هذا لا يخرج عن أحد أمرين؛ فإما أنه يجهل تماما تاريخ مصطفى كمال أتاتورك (أبو الأتراك)، وإما أنه يتعمد تزوير هذا التاريخ؛ إذ كيف يمكن أن نجعل من الذي ألغى الحلافة خليفة؟ وكيف يكون خليفة من ألغى علاقة الدولة بالدين؟ فأتاتورك، كما هو معلوم في التاريخ، أسس الجمهورية التركية على أسس قومية ثابتة وعلى مبادئ علمانية صارمة.
فإذا أخذنا في الاعتبار النزعة القومية التي حركت أتاتورك، سنجد أنفسنا أمام بطل قومي يتناقض سلوكه وفكره مع مفهوم أو مبدأ الخلافة. فهذه، مبدئيا، لا تعترف بالقوميات والعرقيات ككيانات مستقلة وذات سيادة. وإذا نظرنا إلى الإصلاحات التي أدخلها أتاتورك على النظام السياسي في تركيا حيث قام بفصل الدين عن الدولة، أدركنا الخلط والتعسف الحاصل في وصفه بالخليفة ووصف فترة حكمه بالخلافة الإسلامية.
فالخلط قائم بين أتاتورك كمسلم وبين أتاتورك كرئيس للجمهورية التركية. وكونه مسلم، فهذا لا يبرر تسميته بالخليفة الإسلامي. ويكاد هذا الخلط أن يتساوى مع الخلط الشائع بين العلمانية والإلحاد، والذي يقع فيه الكثير من المتأسلمين والجاهلين للمعنى الحقيقي للعلمانية. وربما هذا ما يفسر وصفه في بعض الكتابات التاريخية بالملحد (ربما لمنعه للمدارس الدينية وإلغائه للمحاكم الشرعية)، بينما أغلبها تتحدث عنه كمسلم.
وإذا قبلنا بالتعسف على التاريخ واعتبرنا أن "أتاتورك" أقام آخر خلافة في الديار الإسلامية، كما يزعم الريسوني، فهل الخلافة التي يحلم بها ويُنظِّر لها أو يدعو إليها، تقبل بالإصلاحات التي قام بها "أتاتورك" من قبيل فصل الدين عن الدولة، وحصر القوانين الدينية بالمجالات ذات الصلة بالدين، وتبني القوانين الوضعية بالنسبة لفروع القانون الأخرى، وغير ذلك من الإصلاحات التي يتطلبها العصر وتستوجبها ضرورة تحديث الدولة؟
فإذا كانت الخلافة الرشيدة التي يدعو إليها الريسوني تقبل بمثل هذه الإصلاحات، فعليه أن يعلم بأن الديمقراطيين والتقدميين والحداثيين والعلمانيين واليساريين.. لا يرغبون في أكثر من ذلك. فكل هؤلاء ينشدون الدولة المدنية، دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون، بعيدا عن الهيمنة الدينية أو العسكرية أو هما معا. وتضحيات المتشبثين بالدولة المدنية، أي الدولة الديمقراطية، كبيرة وجسيمة في مواجهتهم للاستبداد سواء كان هذا الاستبداد ذا طابع ديني أو عسكري.
ودون الخوض في المشاكل التي يتخبط فيها العالم الإسلامي اليوم (تشرذم، تخلف متعدد الأوج، تعدد التيارات الدينية والطائفية، الصراع الأبدي بين الشيعة والسنة وغير ذلك من المعضلات)، أكتفي بالقول بأن الدكتور أحمد الريسوني يُغلِّف توجهه السياسي بالخاطب الديني؛ وذلك من خلال ممارسة نوع من التقية والنفاق السياسي.
فمن يعرف أحمد الريسوني ويعلم مشواره السياسي، لن يخطئ مقصده. فهو أول رئيس لحركة التوحيد والإصلاح بالمغرب، الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة المغربية منذ ما سمي، ظلما وعدوانا، ب"الربيع العربي". ولهذه الحركة، التي تتحكم في الحزب الأغلبي، علاقة وطيدة بتنظيم "الإخوان المسلمين"؛ وعلاقة "أردوغان"، رئيس حزب العدالة والتنمية التركي، بهذا التنظيم العالمي للإخوان، ليست مجهولة. كل هذه العناصر وغيرها تجعل المرء يدرك بجلاء طبيعة مشروع الدكتور أحمد الريسوني المعروف بعالِم مقاصدي. ومقصده واضح وضوح الشمس في حديثه عن تركيا في عهد "أتاتورك" وفي فترة "أردوغان" الحالية.
فالمقصود، إذن، بالخلافة الرشيدة، هي خلافة "أردوغان"، التي يعمل الريسوني على تسويقها، من جهة ليُسوِّغ لدى عامة المسلمين، بهدف التغطية عليها، الفظائع التي يرتكبها هذا "الخليفة الجديد" في بعض البلدان الأفريقية والعربية؛ ومن جهة أخرى، ليبشرهم بعودة الخلافة على يد ""أردوغان" الذي يجتهد في التغلغل في أفريقيا والعالم العربي، إما بتقديم السلاح لأحد الطرفين المتنازعين أو بالتدخل المباشر في النزاع، وإما بالبحث عن الهيمنة بوسائل أخرى.
باختصار شديد وخلاصة القول في الرد على الدكتور أحمد الريسوني، فالعالم الإسلامي، الممتد جغرافيا والمعقد سياسيا وواقعيا بفعل عوامل خارجية وداخلية، تاريخية وراهنة، قومية وعقدية.. ليس في حاجة إلى خلافة، رشيدة كانت أو غير رشيدة، بقدر ما هو في حاجة إلى الديمقراطية التي تعترف بالأقليات وبحرية المعتقد وحرية التعبير والرأي والتمتع بالحقوق الفردية والجماعية والاعتراف بالتعددية السياسية والثقافية والفكرية وغير ذلك من القيم التي تنبني عليها الدولة المدنية.
الدكتور محمد إنفي، مكناس في 26 نونبر 2020


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.