يكسر وهج عصا نارية عتمة الليل في سماء ساحة 9 أبريل بوسط مدينة طنجة، راسما دوائر مضيئة تخطف أنظار حلقة بشرية تضم عشرات المتفرجين. المشهد لا يرتبط بهدف في مرمى منتخب، ولا بهتاف قادم من شاشة عملاقة، بل بعرض لفنون الشارع يقوده شاب مغربي، في ساحة باتت، مع تقدم مباريات كأس إفريقيا للأمم، فضاء فرجة موازي لإيقاع المدينة اليومي. ووسط هذه الساحة التاريخية، المعروفة محليا باسم "سوق دبارة"، يتحرك يونس (اسم مستعار)، البالغ 26 عاما، وهو مؤد لألعاب استعراضية، بخفة وسط جمهور متنوع. يضع حقيبته الرياضية المفتوحة عند حافة الرصيف لتلقي المساهمات المالية، ثم يعود إلى وسط الحلقة ليستأنف عرضه. وبعد نحو عشر دقائق من الدوران المتواصل، يتوقف ليلتقط أنفاسه، قائلا إن البطولة "حركت الركود الذي كانت تعرفه الساحة"، موضحا أن "الجمهور الإفريقي يتفاعل بعفوية وكرم مع هذه العروض، وأن الحركة تستمر إلى وقت متأخر من الليل". ولا تخضع هذه العروض لأي تنظيم رسمي، لكنها، مع توالي أمسيات البطولة، فرضت نفسها كجزء من المشهد اليومي للمدينة. ومع تقدم الليل، تتغير تركيبة رواد الساحة تدريجيا. حيث يقف مشجعون يرتدون أقمصة منتخبات إفريقية إلى جانب عائلات طنجاوية وشبان اعتادوا ارتياد المكان، في فضاء تختفي فيه الحواجز اللغوية، وتعوض لغة الجسد والإبهار البصري الحاجة إلى الكلام، فتتسع الحلقة تلقائيا مع كل عرض جديد. ومع امتداد الأمسية، لا يبقى الإيقاع محصورا في العروض الفردية. تنفرج الحلقة الأولى ببطء، ويبدأ الجمهور في التحرك دون إشارة أو توجيه، كأن الساحة تعيد ترتيب نفسها. ومن بين الحشد، تظهر مجموعة من الرجال والنساء يرتدون قمصانا بألوان الأخضر والأصفر والأحمر. يحملون طبولا صغيرة، يختبرون الإيقاع بأيديهم قبل أن ينتقل صداه إلى بقية الساحة. وفي دقائق، تتشكل دائرة جديدة، أوسع وأكثر كثافة. تتعالى قرعات الطبول، ويتضاعف عدد المتفرجين. بعضهم يعتلي الحواف الحجرية، وآخرون يرفعون هواتفهم لتوثيق المشهد. الساحة، التي كانت قبل قليل مسرحا لعروض فردية، تتحول إلى فضاء جماعي يتحرك على إيقاع إفريقي مشترك. ينخرط شبان مغاربة داخل الحلقة، يصفقون ويحاولون مجاراة الخطوات، من دون حاجة إلى لغة مشتركة. الإيقاع وحده يكفي لربط الجميع بالمشهد. وعلى بعد 7 كيلومترات من منطقة المشجعين الرسمية، حيث تتكدس الحشود أمام الشاشة العملاقة، يفضل إبراهيما، وهو مشجع سنغالي قدم لمؤازرة منتخب بلاده، قضاء أمسياته في الساحات المفتوحة. يقول، وهو يوثق العرض بهاتفه، إن "الملاعب ومناطق المشجعين متشابهة في كل مكان"، مضيفا: "لكن هنا نلمس روح المدينة. هذه الأجواء تذكرني بأسواق داكار الليلية، حيث الفن جزء من حياة الشارع". ولا تأتي هذه المشاهد بمعزل عن السياق. فقد شكلت فنون الشارع تاريخيا أحد أقدم أنماط الفرجة في المدن المغربية، حيث لعبت الساحات العمومية دور مسارح مفتوحة للحكواتيين والبهلوانيين والموسيقيين المتجولين، خارج أي تأطير مؤسساتي. وفي طنجة، التي عرفت طويلا كمدينة عبور وتقاطعات ثقافية، ارتبطت بعض ساحاتها المركزية بهذا النوع من الفرجة، قبل أن يتراجع حضوره تدريجيا مع التحولات العمرانية وتشديد قواعد التنظيم الحضري. اليوم، ومع تدفقات جماهيرية استثنائية تواكب التظاهرات الرياضية الكبرى، تعود هذه الأشكال بشكل عفوي، مستفيدة من كثافة بشرية مؤقتة ومن حاجة المدينة إلى فضاءات تفاعل مفتوحة. ولا يعاد إحياؤها بوصفها تراثا مؤطرا أو عرضا مبرمجا، بل كممارسة يومية تستجيب للحظة وسياقها. خلال أمسيات البطولة، تتناوب العروض في ساحة 9 أبريل من دون ترتيب مسبق. فنانو الشارع المغاربة يفتحون الحلقة، قبل أن تتسع لاحقا لتستقبل تعبيرات جماعية تقودها الجاليات الإفريقية المقيمة، خصوصا السنغالية. لا تنافس بين هذه الأشكال، بل تعاقب طبيعي، يجعل الساحة تعيش أكثر من عرض في الليلة نفسها، وأكثر من ذاكرة ثقافية في الفضاء ذاته. ومع اكتظاظ المقاهي والفضاءات المغلقة، تتحول الساحات العمومية إلى متنفس عملي لعدد متزايد من الزوار والمشجعين. في هذا الفضاء المفتوح، تعيش طنجة إيقاع كأس إفريقيا خارج الملاعب، عبر فرجة عفوية تعكس تفاعل المدينة مع الحدث القاري، لا عبر خطاب أو شعارات، بل من خلال حركة الناس واستعمالهم اليومي للفضاء العام.