على مشارف انطلاق التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، وانسجاما مع خطاب إصلاح منظومة التربية والتكوين، وبعد هدر أربعة أشهر كاملة، يسعدنا – وبكثير من حسن النية–أن نستبق ونبارك العودة الميمونة للتكوين بالمراكز. أربعة أشهر من التأخير تكاد تصبح مرحلة من مراحل السنة التكوينية؛ حيث يعاد تطويع الزمن التربوي والتكويني وفق منطق القرار المركزي، لا وفق حاجات التكوين ولا إكراهات الميدان. مع انطلاق التكوين، يجد الأساتذة العاملون بهذه المراكز أنفسهم أمام مفارقة غريبة؛ التهنئة بالعودة مقرونة بإحساس عميق بالغبن، نتيجة تردي الوضع المهني بالمراكز لا تفسره خطابات وشعارات الإصلاح الذي يدار من فوق. بينما تتراكم الأسئلة الجوهرية حول الحكامة في تدبير ملف المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. إن تردي الأوضاع بالمراكز ما هو إلا نتيجة خلل بنيوي، يتمظهر بشكل واضح في التدبير المركزي لمختلف محطات التكوين، حيث يختزل إشراك الفاعلين التربويين في صيغة ابداء الرأي، آخر محطة شاهدة على ذلك هي تحديد بنية كل مركز وتوزيع الأفواج والشعب على مقرات التكوين. إن تحديد العدد الإجمالي للطلبة الأساتذة على المستوى الوطني، يتحكم فيه عدد المناصب المالية وتدبير الخصاص بالمؤسسات التعليمية. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في تنزيل هذا القرار دون مراعاة خصوصيات كل مركز وفروعه الإقليمية. إن بنية الفروع التكوينية ينبغي أن تتحكم فيها معايير الملاءمة البيداغوجية واللوجيستيكية؛ من عدد الأساتذة المكونين، وعدد القاعات، وقدرتها الاستيعابية الفعلية، ووجود المختبرات بالنسبة للشعب العلمية والتقنية. إن هذه المعطيات ليست تفاصيل تقنية، بل عناصر مؤثرة في جودة التكوين وفي ظروف اشتغال المكونين وتعلم الطلبة الأساتذة. مع ذلك، يتم التعامل معها وكأنها معطيات ثانوية، يمكن تجاوزها، حتى وإن كان ذلك على حساب جودة التكوين. إن التدبير المركزي للتكوين، في غياب إشراك فعلي للفاعل التربوي وهياكله التمثيلية، يطرح علامات استفهام حقيقية حول مدى انسجام السياسات المعتمدة مع مبادئ الحكامة الجيدة والجهوية المتقدمة التي يفترض أنها من ركائز الإصلاح المعلن. إن ما يزيد من احتقان الجو بالمراكز هو غياب الحوار مع النقابة الوطنية للتعليم العالي، وتجاهل صوتها باعتبارها شريكا أساسيا داخل منظومة التكوين. إن هذا الإقصاء لا يمكن فهمه إلا في إطار محاولة تحييد الصوت الناقد عن النقاش العمومي، في حين أن المعارضة في جوهرها لا تشكل تهديدا للاستقرار، بل هي آلية ديمقراطية للمراقبة والتنبيه، لتصحيح المسارات في الحياة السياسية بشكل عام، في ظل غياب النقاش مع مختلف الشركاء المتدخلين في منظومة التكوين، تعطل قنوات التعبير و''التنفيس'' المؤسساتي، مما يهدد بأن يتحول الاحتقان الصامت إلى أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات. ختاما، إن إصلاح وتطوير منظومة التكوين وعبرها المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، لا يمكن أن يتحقق بمنطق التدبير المركزي، ولا بتغييب أساتذة المراكز من دائرة القرار؛ بل بتوسيع وتفعيل أدوار مجالس المؤسسة مما يعزز مفهوم الاستقلالية التدبيرية الجهوية، وكذلك إرساء حوار جاد ومسؤول مع النقابة الوطنية للتعليم العالي، باعتبارها شريكا أساسيا لا خصما ميدانيا. فبدون ذلك، ستظل ''العودة الميمونة'' مجرد مجاملة، وسيبقى الإصلاح مؤجلا...