تقع المفوضية أو القنصلية الأمريكيةبطنجة والتي تحولت إلى متحف بعد الاستقلال، بقلب المدينة العتيقة للبوغاز، في زنقة تطلق عليها ساكنة طنجة إلى حدود الساعة اسم "زنقة ميريكان". وتسمية" زنقة مريكان" في نظرنا مؤشر دال على تمكن هذه البناية التاريخية من ترسيخ ونحت اسمها داخل فضاء وقاموس الساكنة المحلية. معروف على الأمريكيين شعبا وحكومة وحتى بعض القبائل المحلية في البراري البعيدة، شغفهم الشديد بالتاريخ وكل ما له علاقة بالمعالم الأثرية، ولو تعلق الأمر بقنطرة قديمة مصنوعة من الخشب توجد في أقاصي ولاية "ميشيغان"، كانت تعبر عليها الدواب قبل ظهور السيارات والقطارات، وذلك لأسباب عديدة لا يتسع المقام لبسطها في هذا المقال. نفس الشيء لمسناه في تعامل الأمريكيين والأمريكيات مع أقدم قنصلية تابعة لهم توجد بمدينة طنجة . فكل الأمريكيين والأمريكيات الذين وصلوا إلى مدينة البوغاز، بوابة البحر الأبيض المتوسط سواء كانوا مسؤولين حكوميين، سفراء أو دبلوماسيين، باحثين متخصصين، أو مجرد سياح عاشقون لعبق التاريخ ويقتفون خُطى حركية الزمان والذاكرة، نجدهم كلهم "يولون" أهمية بالغة لمبنى عتيق يتواجد بالمدينة القديمة بطنجة داخل الأسوار intramuros . سنة2011 وخلال استقباله لفوج من طلبة الماجستير المتخصص في الصحافة والاتصال، قال مدير المتحف الأمريكي بمدينة طنجة وهو نفس المبنى السابق للقنصلية أو المفوضية الأمريكية؛ إن هذه البناية التاريخية لها رمزية لا تقدر بثمن في وجدان أمريكا. " إن هذا المبنى الذي أتشرف بالإشراف عليه اعتبره أهم محطة في مسيرتي المهنية، إنه مبنى فريد من نوعه في العالم، إن له نفس القيمة التاريخية للمباني الفيدرالية الأمريكية مثل بناية "الكونغرس" وبناية "الكابيتول "البيت الأبيض لكن تتجلى فرادة وتميز مبنى المفوضية الأمريكيةبطنجة بأنه المبنى التاريخي الوحيد التابع الحكومة الفدرالية الأمريكية ويتواجد خارج التراب الوطني الأمريكي"، يقول المدير السابق للمتحف الأمريكي بمدينة طنجة. وتقول الوقائع التاريخية أنه قبل 200 عام أهدى سلطان المغرب مولاي سليمان هذا المقر ليصبح قنصلية أمريكية بمدينة البوغاز ، وكان القنصل "جون مولوني" أول دبلوماسي يتم تعيينه على رأسها. وباعتبارها توجد في منطقة كانت قريبة من مسرح الأحداث العالمية الكبرى خلال الحربين العالمية الأولى والثانية لعبت القنصلية الأمريكيةبطنجة أدوارا كبرى من أجل استتباب الأمن والإستقرار بمدخل مضيق جبل طارق كما احتضنت العديد من اللقاءات الحاسمة بين القادة العسكريين والسياسيين في تلك الحقب التاريخية . الغريب في الأمر أنه رغم تدمير مبنى المفوضية الأمريكيةبطنجة سنة 1844 بقصف من طرف البوارج الحربية الفرنسية، إلا أنه تم إعادة بناءها سنة 1488 وكأنها تشبه طائر الفنيق تنبعث مجددا من رمادها. باختصار؛ إن ما يثلج القلب أن هذا المبنى التاريخي لا زال محتفظا بكل معالمه وسحره واظن أنه لا خوف عليه من الضياع طالما أنه في أيادي أمينة، ايادي تعشق التاريخ حد الهوس أيادي تحفه بعناية وحب ،كما تحف الأهداب بالعيون.