لم تعد الساحات العمومية في طنجة مجرد فضاءات للتنقل او الاستراحة او اللقاء، بل تحولت خلال الاشهر الاخيرة الى مسرح مفتوح لصناعة محتوى رقمي سريع ومثير، يعتمد على رصد المارة، خاصة النساء، وتقديم صورهم وردودهم في مقاطع قصيرة تستهدف التفاعل السهل وتراهن على الجدل اكثر من المضمون. على امتداد كورنيش المدينة وممراتها التجارية، يصور شبان مجهزون بهواتف وميكروفونات اشخاصا بشكل عشوائي، ويوجهون اليهم اسئلة توصف احيانا بالا يحائية او الاستفزازية. في احد المقاطع المنتشرة، يسأل احدهم فتاة عن "شي حاجة ملي تجلس عليها كتوقف"، فترد ضاحكة "الحمار"، قبل ان يصر على اعادة السؤال فيخرج الجواب عن السيطرة نحو منطقة لفظية مشحونة، اثارت ردود فعل متباينة بين الضحك والاستياء. وغالبا ما تركب هذه الفيديوهات بتقنيات بدائية وتُنشر بعناوين صادمة من قبيل "شوفو آش قالت"، "بنت طاحت فالجواب"، او "قصة حب ولا اغرب"، لتغزو بعدها منصات تيك توك وفيسبوك، وتحقق الاف المشاهدات، رغم افتقارها الى اي مضمون اخباري او قيمة فنية او دلالة ثقافية. يقول فاعلون في المجال الرقمي ان ما يجري هو "استغلال للشارع العام كاستوديو مفتوح"، دون احترام لاي اخلاقيات مهنية او ضوابط تحريرية. ويضيفون ان طنجة، التي لطالما شكلت فضاء للاختلاف والتنوع، صارت تُختزل في محتوى سطحي يروج لصورة نمطية عن نساء المدينة، تقدمهن المقاطع في اغلب الاحيان كمادة سهلة للضحك او التعاطف او التعليق الساخر. ويرى البعض ان الامر لا يتعلق فقط بانزلاق اعلامي، بل بوجه جديد لما يسمى "التحرش المقنع"، حيث تُوجه الكاميرات صوب تفاصيل الجسد، او يُستدرج الحديث الى مواضيع حساسة دون مراعاة للسياق او السن او الوضع الاجتماعي. وفي حالات اخرى، يتم بث مقاطع لنساء يتحدثن عن تجارب زواج فاشلة، او محاولات هجرة سرية، او ظروف معيشية قاسية، ضمن قالب ميلودرامي لا يخلو من الابتذال والاستغلال العاطفي. رغم تصاعد هذه الظاهرة، تظل آليات الضبط ضعيفة. فالقانون المتعلق بحماية المعطيات الشخصية لا يشمل بشكل دقيق حالات التصوير في الفضاء العمومي دون موافقة صريحة، كما ان منصات التواصل لا تتدخل الا في حال التبليغ الجماعي، وهو ما نادرا ما يتحقق بسبب طبيعة الجمهور المستهلك لهذا النوع من المحتوى. في غياب تأطير مهني وقانوني، ترتفع الاصوات المطالبة باعتماد مدونة اخلاقيات خاصة بالمحتوى المصور في الفضاء العام، تضمن كرامة المستجوبين، وتمنع المتاجرة بصورهم تحت عناوين مثيرة او سياقات ايحائية. ورغم النداءات المتكررة، لا مؤشرات على تراجع هذه الموجة قريبا، بفعل خوارزميات المنصات التي تفضل ما هو صادم، وتنامي عدد صانعي المحتوى الذين يجدون في شوارع طنجة فرصة لصيد قصص سريعة، حتى ولو كانت على حساب الكرامة.