تواصل جهة طنجة-تطوان-الحسيمة تسجيل تدفقات سكانية داخلية متصاعدة، في مؤشر على تحولات هيكلية عميقة في خارطة التمركز الترابي على الصعيد الوطني، تعيد رسم معالم الجغرافيا الديموغرافية للمملكة. وأظهرت معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، أن الجهة الشمالية استقطبت 559 ألف نسمة من مواليد جهات أخرى، أي ما يمثل 10.2 في المائة من مجموع المهاجرين الداخليين بين الجهات في المغرب. ويضع هذا الرقم الجهة ضمن الأقاليم الأكثر جاذبية للحركية الداخلية، إلى جانب جهتي الدارالبيضاء-سطاتوالرباط-سلا-القنيطرة، في ظاهرة تعكس إعادة توزيع الساكنة وفق منطق الفرص الاقتصادية والبنيات التحتية المتطورة. وتُعزى هذه الجاذبية المتنامية إلى عوامل متعددة، في مقدمتها فرص التشغيل المرتبطة بالموانئ الكبرى، خصوصا ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح محورا لوجستيا إقليميا ودوليا، إضافة إلى المناطق الصناعية المتخصصة في قطاعات صناعة السيارات والطيران والنسيج. كما ساهم توفر بنية تحتية حضرية متطورة في مدن طنجةوتطوان والمضيق، من طرق سيارة ومطارات وشبكات للنقل الحضري، في تعزيز القدرة الاستيعابية للجهة وتحسين جودة العيش فيها. وتعكس هذه الدينامية، المستمرة منذ عقدين على الأقل، تحولا جوهريا في جغرافية الفرص بالمملكة، حيث انتقلت الجهة الشمالية من منطقة هامشية نسبيا إلى قطب اقتصادي واعد، مستفيدة من قربها الجغرافي من أوروبا والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الصناعية والمرفئية. ويُظهر توزيع الوافدين على جهة الشمال أن أكبر نسبة منهم جاءت من جهة فاس-مكناس، التي صدّرت نحو 188,236 نسمة، أي ثلث الوافدين تقريبا، متبوعة بجهة الرباط-سلا-القنيطرة ب141,494 نسمة. فيما توزعت باقي التدفقات على جهات بني ملال-خنيفرة، والشرق، ومراكش-آسفي، في حركة نزوح تعكس اختلالات تنموية بين الجهات وتباينا في توزيع الفرص الاقتصادية والخدمات الاجتماعية. وفي المقابل، تُعد جهة فاس-مكناس الأكثر فقدانا لساكنتها على المستوى الوطني، حيث غادرها أكثر من 61.8 في المائة من مواليدها للاستقرار في جهات أخرى، ما يضعها على رأس قائمة المناطق التي تسجل عجزا ديموغرافيا داخليا مقلقا. ويطرح هذا النزيف السكاني تساؤلات حول السياسات التنموية المعتمدة في هذه الجهة التاريخية، والتي تضم حواضر ثقافية واقتصادية عريقة كفاسومكناس، لكنها تفقد أبناءها بحثا عن فرص أفضل في أقاليم أخرى. وحققت جهة طنجة-تطوان-الحسيمة رصيدا ديموغرافيا إيجابيا صافيا ناتجا عن الهجرة الداخلية بلغ +138,887 نسمة خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2024، ما يعزز وضعها كقطب ترابي صاعد في معادلة التمركز السكاني الوطني. ويأتي هذا الرصيد الإيجابي في سياق تراجع معدلات النمو الديموغرافي الطبيعي على الصعيد الوطني، مما يجعل الهجرة الداخلية عاملا حاسما في التوزيع الديموغرافي المستقبلي للمملكة. ويُنتظر أن تفرز هذه التحركات السكانية الكبيرة تأثيرات مباشرة وعميقة على سوق السكن والمرافق العمومية داخل الجهة، في ظل الطلب المتزايد على فرص التشغيل، شبكات النقل، المؤسسات التعليمية والصحية، والتجهيزات الحضرية الأساسية. كما يفرض هذا التدفق المستمر ضغوطا متزايدة على البنية التحتية القائمة، خصوصا في الحواضر الكبرى التي تستقبل الحصة الأكبر من الوافدين. وتواجه المؤسسات المنتخبة والهيئات الترابية، تحديات تنموية متعددة الأبعاد تتطلب تجاوبا أكثر شمولية واستباقية مع مؤشرات التوسع الديموغرافي، من خلال تعزيز الاستثمار في البنيات التحتية، توسيع العرض السكني، تطوير المنظومة الصحية والتعليمية، وتحسين جودة الخدمات العمومية. كما يستدعي الأمر وضع استراتيجيات تنموية جهوية متوازنة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الترابية وتضمن توزيعا أكثر عدالة للفرص والموارد بين مختلف أقاليم المملكة، لتفادي تفاقم التفاوتات المجالية وتعزيز التماسك الترابي الوطني.