تشكل المنطقة الصناعية "طنجة-مغوغة"، التي تأسست في منتصف سبعينيات القرن الماضي، النواة الأولى والصلبة للإقلاع الاقتصادي في شمال المملكة، مواصلةً دورها كقطب إنتاجي استراتيجي يثبت مكانته الراسخة، رغم التحولات الكبرى والمنافسة القوية مع المناطق الحرة والمنصات اللوجستية الحديثة التي شهدتها المنطقة في العقدين الأخيرين. وتقع هذه المنطقة التاريخية في قلب المدار الحضري لمدينة طنجة، حيث تتقاطع الطرق السريعة مع المحاور التجارية الحيوية، مما يجعلها شاهداً حياً على التحول الاقتصادي للمدينة التي عززت موقعها كبوابة رئيسية بين قارتي إفريقيا وأوروبا، مستفيدة من الرؤية التنموية للعاهل المغربي الملك محمد السادس. ويؤكد الفاعلون الاقتصاديون في المدينة أن هذه المنطقة لم تفقد بريقها، بل تكيفت مع الدينامية الجديدة. كما يقول محمد عمار الشماع، رئيس المنطقة الصناعية طنجة-مغوغة الذي يوضح: "بينما تستقطب الواجهة البحرية والمشاريع الجديدة الاهتمام، تستمر هذه المنطقة الصناعية في لعب دور أساسي في التحول الاقتصادي الذي نقل مدينة طنجة إلى مصاف أهم الأقطاب الصناعية بالمغرب". ويضيف الشماع في تصريح لجريدة طنجة 24 أن استمرارية هذا القطب الصناعي تأتي في "انسجام تام مع الرؤية التنموية الكبرى والمتبصرة التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس لترسيخ مكانة الجهة كمركز اقتصادي محوري"، مشدداً على أن المنطقة ليست مجرد إرث من الماضي، بل محرك نشط للحاضر. وتمتد "مغوغة" على مساحة تناهز 138 هكتاراً، ويعود تاريخ إنشائها تحديداً إلى سنة 1975. ففي ذلك الوقت، كانت تمثل أول وحدة صناعية مهيكلة في الجهة الشمالية للمملكة، حيث جاءت لتجميع شتات الوحدات الصناعية التي كانت متفرقة مجالياً وتعمل بشكل أساسي في قطاعات النسيج والخياطة التقليدية، لتضع بذلك اللبنة الأولى للتجميع الصناعي المنظم. واليوم، تحولت المنطقة إلى مدينة صناعية متكاملة داخل المدينة. وتفيد البيانات الرسمية بأنها تضم أكثر من 144 قطعة صناعية تحتضن نحو 140 مقاولة نشيطة. ولم يعد النشاط مقتصراً على النسيج والألبسة، بل توسع ليشمل قطاعات حيوية أخرى كالصناعات الغذائية، والصناعات المعدنية التحويلية، والتغليف، والأثاث، والمواد شبه المصنعة. وتكتسي المنطقة أهمية اجتماعية بالغة، إذ يعبر بوابتها يومياً أزيد من 35 ألف عامل، مما يجعلها واحداً من أهم المناطق المساهمة في خلق فرص الشغل واستقطاب اليد العاملة على صعيد جهة طنجةتطوانالحسيمة، ومحركاً رئيسياً للدورة الاقتصادية المحلية. ومن أبرز مميزات الحي الصناعي بمغوغة، التي تمنحه خصوصية فريدة مقارنة بالمناطق الصناعية الحديثة، أنه يمثل بامتياز "فضاءً إنتاجياً" يشتغل من صلب المدينة لا من أطرافها. فوسط حركة يومية دؤوبة، تتعايش الوحدات الصناعية والورشات مع المحيط الحضري السكني في مشهد يعكس دينامية اقتصادية حقيقية. وتمتزج في هذا الفضاء الأنشطة الصناعية بحركة العمال التي تبدأ في الساعات الأولى من الصباح، وأصوات الآليات، ونشاط شاحنات النقل العابرة لمختلف المحاور الطرقية طوال اليوم، مما يخلق توازراً بين الطابع الصناعي والحياة الحضرية للمدينة. ويشير المراقبون إلى وجود نسيج اجتماعي واقتصادي مندمج مع ساكنة الأحياء المجاورة، التي تشكل المصدر الأهم للموارد البشرية بالمنطقة. ويخلق هذا القرب الجغرافي توازناً ضرورياً يعكس مدى اندماج النشاط الصناعي في الحياة اليومية للسكان، ويبرز أهمية التنسيق المستمر بين التخطيط الحضري ومتطلبات التنمية الاقتصادية. وتلعب "جمعية المنطقة الصناعية مغوغة" (AZIT)، التي رأت النور سنة 1990، دوراً محورياً في تدبير هذا الفضاء الحيوي. وتتولى الجمعية مهام متعددة تتراوح بين الإشراف على صيانة البنية التحتية وتحسين جودة الخدمات، وتمثيل المهنيين والفاعلين الصناعيين لدى الإدارات العمومية والدفاع عن مصالحهم. وتحرص الجمعية، بشراكة مع السلطات المحلية والأمنية، على توفير مناخ مساعد على الإنتاج والاستثمار، وتأمين محيط المنطقة، إلى جانب دعم التكوين المستمر للعنصر البشري في مجالات النجاعة والسلامة المهنية. وفي سياق التكيف مع المتغيرات العالمية، يسعى القائمون على شؤون المنطقة إلى مواكبة مستجدات العصر من خلال التركيز على مشاريع بيئية طموحة. وتشمل هذه المشاريع معالجة مياه الصرف الصناعي، وتعزيز مفاهيم الاقتصاد الدائري، وتقليص انبعاثات الكربون، واعتماد الطاقات المتجددة كالألواح الشمسية. كما تعمل إدارة المنطقة على إعادة تهيئة المناطق الخضراء وتعميم التكوين في الطاقات البديلة، بالإضافة إلى تثمين إعادة تدوير النفايات. وقد أصبحت جمعية (AZIT) مرجعاً وطنياً يحتذى به في هذا المضمار، بفضل تلاحم أرباب المصانع ومساهمتهم الفعالة في إنجاح هذا التحول الأخضر. وتستفيد المقاولات المغربية والدولية المستقرة في هذا النسيج الحضري الصناعي من موقع استراتيجي يمثل أحد أهم عناصر قوتها. فالمنطقة تبعد دقائق معدودة فقط عن الطريق السيار المؤدي إلى المركب المينائي العالمي "طنجة المتوسط"، وتوجد بالقرب من مطار ابن بطوطة الدولي وميناء طنجةالمدينة، مما يمنحها تنافسية تشغيلية ولوجيستية عالية. وعلى الرغم من التحديات المرتبطة بضغط البنية التحتية داخل المجال الحضري، تواصل الجمعية المسيرة العمل على تطوير المنطقة وبناء ذاكرتها الجماعية. وفي خطوة ذات بعد اجتماعي، تم إحداث مستوصف للعمال، ومركز للوقاية المدنية، وفضاءات للاستراحة مخصصة للشغيلة. ويمكن القول إنه في الوقت الذي تتجه فيه الاستثمارات الكبرى صوب المناطق الحرة والمنصات الصناعية الضخمة، تواصل المنطقة الصناعية طنجة-مغوغة الحفاظ على مكانتها ضمن المنظومة الصناعية الوطنية. ويكمن سر صمودها في استراتيجيتها التي تحتضن نسيجاً متنوعاً يجمع بين المقاولات الكبرى والمتوسطة والصغرى، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي. وبخلاف العديد من المناطق الصناعية الجديدة التي تقدم كواجهات للعرض، تفرض "مغوغة" حضورها كفضاء اشتغال فعلي يضم بداخله حركة اقتصادية دائمة. ويقاس نجاحها بمؤشر واقعي يجسده عدد العمال الذين يترددون كل صباح على مواقع عملهم، وحجم الإنتاج الذي يغادر مصانعها مع نهاية كل مساء. ومع استمرار الطلب المتزايد على الفضاءات الصناعية داخلها، يشدد السيد محمد عمار الشماع على أن المنطقة، التي هي جزء لا يتجزأ من الذاكرة الصناعية لطنجة، ما تزال تلعب أدواراً مركزية، ليس كموقع ترتبط أهميته بالماضي وتاريخ التأسيس فحسب، بل كبنية قائمة وفعالة تواصل دعم الصناعة المحلية. ويختم الشماع بالتأكيد على أن المنطقة مستمرة في تعزيز الثقة في محيطها الاقتصادي، متناغمة مع الرؤية الملكية المتجددة التي تهدف إلى تحقيق الإقلاع الاقتصادي الشامل والنهوض بالقطاع الصناعي، بما يعزز تنافسية جهة الشمال كقطب رائد للتنمية على المستويين الجهوي والوطني.