للوهلة الأولى، تبدو طنجة مدينة مصممة لمقاومة النظام، إذ إنها فوضى من الأصوات والألوان، حيث تتداخل الأسواق القديمة مع الموانئ الحديثة في مزيج يصعب تفكيكه. غير أنه، وسط هذا الصخب الرقمي والواقعي، برز كيان يطلق على نفسه اسم "Zoom Tanger"، وهو ليس شخصا بالمعنى التقليدي للكلمة ولا مؤسسة إعلامية تلهث وراء السبق الصحفي، بل هو، ببساطة، عين دقيقة تحلق فوق المدينة، فتُعيد ترتيب فوضاها عبر عدسة الكاميرا. أما ما يميز "Zoom Tanger" في المشهد الرقمي المغربي فهو "التقشف"، إذ في بيئة تعتمد على الإشباع الفوري والتعليقات الصاخبة، تتبنى هذه المنصة نهجا يكاد يكون "رواقيا". فلا توجد هنا نصوص طويلة تشرح للمشاهد ما يجب أن يشعر به، بل إن الصور تُنشر عارية من السياق العاطفي، ومرفقة بتعليقات مقتضبة تشبه البيانات اللوجستية أكثر مما تشبه عناوين صحفية؛ ولذلك فإن هذا الغياب المتعمد للسرد القصصي هو ما يمنح المشروع قوته، لأنه يجبر المشاهد على مواجهة "البنية" العارية للمدينة. والعمود الفقري لهذا المشروع هو التكنولوجيا، وتحديدا الاستخدام الجراحي للطائرات المسيرة وعدسات التقريب بعيدة المدى (Telephoto)، حيث تتحول العدسة، تبعا لذلك، إلى أداة جيوسياسية. فالصور التي تنتجها "Zoom Tanger" تخلق ما يمكن تسميته ب"الوهم الكاشف"، إذ تضغط المسافة البصرية بين الساحل المغربي والضفة الإسبانية حتى تكادان تتلامسان. وليس هذا التلاعب بالمنظور مجرد حيلة فنية، بل إنه يعيد صياغة الوعي المكاني لسكان المدينة؛ ففجأة لا يعود مضيق جبل طارق حاجزا مائيا شاسعا، وإنما يصبح مجرد خيط رفيع، كما أن الجبال الإسبانية لا تظهر كأفق بعيد، بل كجزء من النسيج العمراني لطنجة. وهكذا يربك هذا النوع من التصوير الإحساس التقليدي بالحدود، ويقدم المدينة ليس كطرف قصي في إفريقيا، بل كشرفة ملاصقة لأوروبا. ومن ثم، فإن اختيار موقع "طنجة 24" لإدراج هذه المنصة ضمن استفتاء شخصيات السنة لم يكن مجاملة، بل كان اعترافا نادرا ب"قوة الملاحظة"، إذ إن الوصف الذي رافق الترشيح – "فضاء يكشف جوانب خفية لا تراها العين المجردة" – يلخص بدقة وظيفة "Zoom Tanger". فالعين البشرية على مستوى الشارع تظل مشتتة بالتفاصيل، من حركة المرور إلى الوجوه واللافتات، غير أن الكاميرا، من موقعها المتعالي، تلغي الضجيج وتركز على "النمط"، بحيث تظهر الأحياء السكنية ككتل هندسية، ويتحول الميناء إلى لوحة من الخطوط والزوايا. ومع ذلك، فإن هذا النموذج يطرح أسئلة جدية حول مستقبل التوثيق البصري في المنطقة؛ فحتى الآن نجحت "Zoom Tanger" في الحفاظ على مسافة آمنة من "التخصيص"، إذ لا نعرف الكثير عن الشخص الذي يقف خلف العدسة، وهو ما يشكل جزءا من جاذبيتها، لأن الغموض، في هذا السياق، يخدم الموضوعية. ولكن يبقى السؤال قائما: هل يمكن لمشروع يعتمد حصرا على "الإبهار التقني" أن يستمر من دون أن يطور صوتا تحريريا؟ وفي حالة "Zoom Tanger" يبدو المعنى واضحا، إذ في عصر تزداد فيه الصورة استهلاكا وابتذالا، تبرز عودة محمودة إلى "الصورة الوثيقة". فهذا المشروع لا يحاول بيع طنجة للسياح ولا تجميل عيوبها للسكان، بل يقدم مسحا طبوغرافيا لمدينة تتغير بسرعة، مسحا يتسم بالجمال والبرود في آن واحد. ولذلك، قد لا تكون "Zoom Tanger" المنصة الأكثر شعبية بمقاييس الأرقام السطحية، لكنها تبدو الأكثر نفوذا في تشكيل "المخيال البصري" للمدينة، لأنها تذكرنا بأنه، في غمرة الانشغال بالحياة على الأرض، قد نغفل أحيانا عن رفع رؤوسنا لنرى كيف تبدو مدينتنا، وكيف يبدو العالم، من الأعلى؛ وهناك، في تلك النظرة العمودية، تكمن حقيقة مختلفة تماما.