في مواسم التّعيينات، تتحوّل عدد من المؤسّسات إلى مسارح مفتوحة للهمس والوعود، ويصير الممرّ الضّيق المؤدّي إلى مكتب القرار أطول من شارع السّياسة نفسه. هناك، يتكلم المعيّنون أكثر مما يعملون، ويتودّدون أكثر مما ينجزون، ويتمنّون بالنّقابة أو بالحزب أحيانا وبالقبيلة أوبالقرابة أحايين أخرى، طلبا لكرسيّ زائل اسمه "الرّئيس" أو "المدير"، كأنّ المنصب غاية في ذاته، لا وسيلة لخدمة الصّالح العامّ. تتهافت الأجساد قبل العقول والكفاءات والملفات والتّصورات، وتسبق العلاقاتُ الكفاءاتِ، وتُستدعى المعاجم العاطفية بدل السّير الذاتية. في هذا السّوق الرمزي، تُرفع شعارات "الاستحقاق" و"الحكامة" و"ربط المسؤولية بالمحاسبة" في البلاغات، وتُرصّع بها منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، لكنّ الواقع يمضي في اتجاه آخر؛ اتجاه لا ترتفع فيه "الكاريزما"، ولا يُستحضر فيه سوى "الخجل المهني" حين تُختزل المؤسّسات في مقاعد. غير أن المفارقة أكبر من ذلك حينما يتغنّى بالكفاءة، فالمتهافت هو أول من يقبل بإقصائها حين لا تخدم موقعه. فتتحول "الكفاءة" إلى يافطة احتفالية، تُعلّق يوم الإعلان، وتُنزع يوم التّعيين. ويصير "المشروع" مجرّد خطاب افتتاحي، فيما القرار يُطبخ في دوائر ضيقة، على نار العلاقات، لا على حرارة المعايير. هذا التّهافت ليس مجرّد سلوك فردي؛ إنه عرض لمرض أعمق: أزمة ثقة. حين يرى الموظفون، كيفما كان موقعهم، أن الطّريق إلى القيادة يمر عبر الأنساب لا الإنجاز، وعبر التودّد لا التمّيز، تتآكل الثّقة في الداخل قبل الخارج. تتّسع فجوة المعنى بين من يعملون في الميدان ومن يجلسون في المكاتب. ويصبح المنصب جائزة نهاية سباق غير شريف، لا تكليفا مشروطا بالأثر والنتيجة. والأخطر أن كرسيّ المتهافت، حين يُنال بهذا المنطق، يُدار بالخوف لا بالرّؤية والرّويّة. يخاف صاحبه على موقعه أكثر مما يخاف على المرفق العمومي. يحيط نفسه بدوائر تصفيق، ويقصي المختلفين، ويستبدل النّقد بالمجاملة. وحين تغيب "الكاريزما" المبنيّة على المعرفة والعلم والعدل والكفاءة، يحضر التّعالي الفارغ والخطاب. فلا هو يخجل من هشاشته، ولا المؤسّسة تسلم من ارتداداتها. ليست المشكلة في الطموح؛ فالطّموح حقّ مشروع. المشكلة حين ينفصل الطّموح عن الكفاءة، وحين يتحّول المنصب إلى غاية شخصية لا أداة عمومية. آنذاك، يصبح "تهافت التّهافت" عنوان مرحلة، تتكاثر فيها الكراسي وتتناقص فيها القامات. فالإصلاح لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط، بل بإعادة تعريف معنى القيادة: شفافية في المساطر، ومعايير واضحة، ولجان مستقلة بكفاءات عالية، تقييم بالأثر لا بالولاء، تستتبعها مساءلة ومحاسبة ولا ظرفية لا تستثني أحدا. حينها ستعود الكفاءة من صفحات البلاغات والصّور إلى قلب القرار. وحينها، لن يكون المنصب كرسيّا يُتسابق عليه، بل مسؤولية يُخشى ثقلها. أمّا الآن، فالمشهد واضح: كثيرون يتزاحمون على الباب مادام مشرعا يشرعنه أهل الحلّ والعقد، قليلون يسألون ماذا بعد الدخول؟ وبين الزّحام والصّمت، تبقى الثّقة جرحا غائرا مفتوحا يتّسع يوما بعد يوما... ينتظر من يداويه بالفعل، لا بالتّصفيق والسّكوت، يتهافت المتهافتون لنيل فتات موقع زائل وتعويضات تزيد من نائلها تأنيبا لا ينتهي وكوابيس لا تتوقّف عن أنين الضّمير، إن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد.. ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.