سجلت عدة محطات لتوزيع الوقود في مدينة طنجة، صباح الثلاثاء، انقطاعات مؤقتة في مادتي الغازوال والبنزين، في اضطراب تمويني أثار تساؤلات استهلاكية واسعة حول مدى تأثر سلاسل التوريد المحلية بالتصعيد العسكري والجيوسياسي الراهن بين الولاياتالمتحدة وإيران في منطقة الشرق الأوسط. وتفاجأ عدد من المواطنين، في مستهل يوم العمل، بنفاد المخزون في محطات فاعلين رئيسيين، من بينها محطة تابعة لشركة "إفريقيا" بحي "سات فيلاج"، قبل أن يتبين شمول الانقطاع نقاط توزيع أخرى في شرايين المدينة. ووُصفت هذه الانقطاعات ب"المؤقتة"، إلا أنها كانت كافية لإثارة مخاوف من انعكاسات الأزمات الجيوسياسية المباشرة على استقرار السوق الوطنية للوقود. ويأتي هذا التذبذب الميداني في التموين في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية للنفط حالة من الترقب والحذر الشديدين. وتلقي التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج، لاسيما بين واشنطن وطهران، بظلالها المباشرة على أمن الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز ومضيق باب المندب. وتؤدي هذه التطورات الميدانية، المتزامنة مع استمرار العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، إلى اضطراب مسارات الشحن البحري، حيث تضطر العديد من ناقلات النفط إلى تغيير مساراتها المعتادة، مما يرفع بشكل مباشر من تكاليف التأمين البحري ورسوم الشحن، فضلا عن تمديد آجال التسليم. وتزيد العقوبات الدولية المحتملة، أو التهديدات باستهداف البنية التحتية الطاقية، من مخاوف الأسواق بشأن تقلص المعروض العالمي، وهو ما ينعكس فوريا على عقود الشراء الآجلة. وعلى المستوى الوطني، يظل المغرب مرتهنا بالكامل لتقلبات السوق الدولية، إذ تستورد المملكة حاجياتها من المنتجات البترولية المكررة بنسبة تناهز 100 في المائة. وعزز هذا الاعتماد الهيكلي على الاستيراد الخارجي منذ توقف مصفاة "سامير" (SAMIR) بمدينة المحمدية عن العمل، مما يجعل الفاتورة الطاقية الوطنية حساسة لأي صدمات خارجية، سواء تعلق الأمر بتذبذب أسعار البرميل أو بتأمين انتظام الإمدادات نحو السوق المحلية. وفي مواجهة هذه الظرفية الدولية المعقدة، تعتمد السلطات العمومية، وتحديدا وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بتنسيق مع تجمع النفطيين المغاربة والفاعلين الاقتصاديين، آليات قانونية ومؤسساتية لتأمين المخزون الاستراتيجي من المواد البترولية. وتلزم المقتضيات التنظيمية الجاري بها العمل الشركات الموزعة بالاحتفاظ بمخزون احتياطي قانوني محدد لتغطية عشرات الأيام من الاستهلاك الوطني، تفاديا لأي شلل في حركة النقل والأنشطة الاقتصادية. ورغم أن الاضطراب المسجل في مدينة طنجة يبدو من الناحية التقنية خللا لوجستيا ومحدودا في الزمان والمكان، إلا أنه يسلط الضوء بقوة على التحديات العملياتية لسلاسل الإمداد. وترجح أوساط مهنية أن يكون هذا النقص المؤقت ناتجا عن تأخر ظرفي في جدولة تسليم الشحنات وتناوب الشاحنات الصهريجية من مستودعات التخزين الكبرى بالموانئ، مثل ميناء طنجة المتوسط، نحو محطات التوزيع النهائية، أكثر من كونه أزمة تموين هيكلية مرتبطة بندرة المادة دوليا. وتكتسي قضية التموين الطاقي أهمية مضاعفة في مدينة طنجة بوجه خاص، باعتبارها القطب الاقتصادي والصناعي الثاني في المملكة. وتضم المدينة ومحيطها مناطق صناعية كبرى، فضلا عن شبكة معقدة من خدمات النقل اللوجستيكي المرتبطة بميناء طنجة المتوسط. ويشكل أي انقطاع، ولو كان جزئيا، تهديدا لوتيرة العمل في هذه المنشآت الحيوية التي تعتمد بكثافة على حركة الشاحنات لنقل البضائع والعمال. ومع ذلك، تتزايد حساسية الرأي العام تجاه قطاع المحروقات، بالنظر إلى تأثيره المباشر على معدلات التضخم، وأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية. وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار نحو الجهات الحكومية لتقديم معطيات دقيقة تطمئن المستهلكين حول مستويات المخزون الوطني الحالي، وتبدد الشائعات أو المخاوف المترتبة عن الصراع الإقليمي. وفي انتظار الاستئناف الطبيعي لتوزيع الغازوال والبنزين في المحطات المعنية، تظل أزمة الطاقة العالمية تذكيرا بالضرورة الاستراتيجية لتسريع وتيرة الانتقال الطاقي، بهدف تقليص التبعية الثقيلة لتقلبات سوق الوقود الأحفوري العالمية وضمان سيادة طاقية مستدامة.