تفرك خديجة يديها المتجمدتين من برد الصباح الباكر، وعيناها شاخصتان نحو حركة المرور في ساحة "20 غشت" وسط مدينة طنجة بشمال المغرب. هنا، لا يمثل الثامن من مارس، الذي يوافق اليوم العالمي للمرأة، سوى يوم آخر من الانتظار على الرصيف ضمن عشرات النساء اللواتي يعرضن قوة عملهن كخادمات بيوت بنظام المياومة، في فضاء مفتوح يُعرف ب"الموقف". وتشير الساعة إلى الثامنة والنصف صباحا. تتوزع النساء في مجموعات صغيرة، وأخريات يقفن بشكل فردي على حافة الرصيف الإسمنتي المحاذي للشارع. ترتدي أغلبهن جلابيب شتوية سميكة، وتلتف بعضهن بشالات صوفية لدرء الرياح. يغيب الحديث بينهن، وتستقر بجانبهن أكياس بلاستيكية أو حقائب يدوية قديمة تحتوي على ملابس عمل بسيطة وأحذية مطاطية مخصصة لمهام التنظيف الشاقة. تكسر سيارة خفيفة بيضاء اللون رتابة المشهد وسكون الانتظار. تتوقف فجأة ويُنزل السائق زجاج النافذة الأمامية. في كسر للثانية، يتخلى نحو عشر نساء عن مواقعهن ويندفعن دفعة واحدة نحو النافذة. يحدث تدافع بدني مباشر بالأكتاف، وتُحاصر باب السيارة في حركة سريعة تربك انسيابية سير المارة وتدفع بعض السيارات الأخرى لإطلاق أبواقها. تتداخل الأصوات قرب نافذة السائق: "شنو كتديري؟"، "شنو كاين، تخمال (تنظيف شامل) ولا طياب (طبخ)؟". يسأل السائق بصوت مسموع: "شكون كتعرف تغسل الزرابي؟ 150 درهم للنهار". ترفع امرأة في الأربعينيات يدها وتفتح الباب الخلفي للسيارة بسرعة، لتحشر نفسها في الداخل. تنطلق السيارة مسرعة نحو وجهتها، بينما تعود النساء الباقيات بخطوات متثاقلة إلى مكانهن الأول على الرصيف. تراقب فاطمة (52 عاما) المشهد من بعيد دون أن تتحرك. تقول هذه السيدة التي ترتدي جلبابا رماديا وتتردد على "الموقف" منذ سبع سنوات: "اللي سبق شحال هادي عندها الكليان ديالها (زبائنها). وإلى ما تسابقتيش بحال هكاك وما هجمتيش على الطوموبيل، ما غتلقاي والو، وغترجعي للدار بلا ريال بلا جوج". وتضيف بنبرة جافة أن البنية الجسدية القادرة على تحمل الجهد العضلي هي المعيار الأول الذي يعتمده الزبائن لاختيار العاملة. وتعكس الوجوه المتعبة مسارات اجتماعية متشابهة داخل الساحة. غالبية المتواجدات هنا هن من الأرامل، أو المطلقات اللواتي أصبحن معيلات لأسرهن، إلى جانب نازحات من مراكز قروية، جئن للبحث عن مورد رزق في قطب صناعي وعمراني دائم التوسع. ويدفعهن غياب التأهيل المهني للوقوف في هذا الفضاء كخيار أخير لتوفير سيولة نقدية يومية. ورغم قساوة العمل المياوم المفتقر لأي تغطية صحية أو تأمين ضد حوادث الشغل، تصطدم مبادرات المجتمع المدني الميدانية بواقع آخر. فقد باءت محاولات جمعيات محلية لإدماج هؤلاء النساء في مقاولات صغرى أو تعاونيات إنتاجية برفض واسع من لدن المعنيات بالأمر. وتشرح فاعلة جمعوية في طنجة، فضلت عدم كشف هويتها، هذا المعطى الميداني قائلة: "عدد كبير من النساء يرفضن المغادرة، مفضلات الاستمرار في الموقف". وتضيف: "هن يفضلن قبض أجر نقدي وفوري في نهاية اليوم، للهروب من أي التزامات إدارية أو تحديد لساعات العمل، وهو ما يمنحهن استقلالا مؤقتا يتناسب مع ظروفهن العائلية". ولا يقتصر عبء الساحة على قساوة المناخ وضغط الترقب، بل يرافقه وصم اجتماعي ثقيل. في محيط ساحة "20 غشت" ونقاط تجمع أخرى ك"بلاصا الجديدة" وأرصفة شارع المكسيك، يتهامس بعض المارة حول طبيعة التواجد اليومي. ويدّعي بعض سائقي سيارات الأجرة أن هذا الفضاء يُستغل أحيانا كواجهة لممارسات تُصنف ضمن "الدعارة المقنعة"، دون تقديم أي إثباتات مادية. تثير هذه الادعاءات غضب أمينة (42 عاما). تشد قبضتها على حقيبتها البلاستيكية وترد بحدة مقاطعة: "إحنا كنخدمو بعرقنا وكتافنا. اللي كيقول هاد الهضرة يجي يجرب يجلس فالموقف غير نهار واحد فهاد البرد، باش يحس بحرقة الشوفات (النظرات) ديال الناس ومرارة الانتظار". وعلى بعد أمتار من هذا الواقع الميداني، تسري نظريا مقتضيات القانون رقم 19.12 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل الخاصة بالعاملات والعمال المنزليين. ويفرض النص التشريعي إبرام عقود عمل مكتوبة، والتصريح الإجباري لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وضمان الحد الأدنى القانوني للأجر. لكن في ساحة "20 غشت"، تبدو النصوص القانونية معطلة تماما. فلا عقود تُكتب قبل ركوب السيارات، ولا صلاحيات لمفتشي الشغل التابعين للمديرية الجهوية للإدماج الاقتصادي للتدخل المباشر في فضاء عام مفتوح لضبط العمل المياوم والعشوائي. وفي غياب آليات المراقبة، تستمر النساء في تثبيت أنظارهن نحو الطريق، بانتظار توقف سيارة أخرى، في دورة يومية لا يكسر إيقاعها حلول الثامن من مارس.