منيت نفسي بقراءتها بساحة "وطاء الحمام" بالشاون وبعدما تعذر علي ذلك، قلت فلتكن على ضفاف "وادي مرتين" ففي آخر المطاف هي رواية سترتبط رغم أنف "بشيرها" ، برباط هذا الوادي الذي كان للسيدة الحرة فيه معارك ولقاءات متنوعة من تلك التي تفرضها السياسة والحكم وربما حتى من تلك المرتبطة بالقلوب، ربما… يلعب الكاتب" البشير الدامون" لعبة السيناريو الفيلمي ويدفعك في الصفحات الأولى لرواية "هذيل سيدة حرة" والتي تعد ثالث بناته في عائلة " الحكي" بعد رواياته الناجحة " سرير الأسرار" و" أرض المدامع" إلى تخيل ميداني لمواقع القصة، ودون شعور تجدك تتفاعل بشكل نفسي مع تلك العينة من أهالينا في جبال "الشاون" وهم يسرعون بأطفالهم ومواشيهم وعجائزهم نحو قمة الجبل هربا من بطش البرتغاليين القادمين للذبح والتنكيل او لنقل" لأنهاء مهمة اخوتهم القشتاليين وكنيستها" التي أخطأت عندما سمحت لقلة بالهروب من محاكم التفتيش والاستقرار بعدوة المغرب بعد سقوط الخلافة في أندلس العرب. تحس ومن خلال الوصف الدقيق لمرحلة طفولة حاكمة تطاون وما عانته وقبيلتها من اضطهاد وخوف، أن الكاتب وظف طاقاته الأدبية لرسم معالم رواية قد تتحول يوما ما إلى فيلم سينمائي وربما من خلال تجربته السابقة في رواية سرير الاحلام وتحولها الى فيلم سينمائي ناجح على يد المخرج الجيلالي فرحاتي . تقول ربما قال البشير الدامون "هذه المرة سأحول بين السيناريست وروايتي وسأرسم بشكل أكثر دقة ما أريد ايصاله للمتلقي المشاهد حتى لا تحدث قطيعة بين الرواية والفيلم ويلعب المخرج القادم في نصي بشكل تقاطعي مع أفكاري … ".بعد كتابتي لهذا النص عرفت أن تقرير دار نشر دار الرواية أشار هو كذلك الى وجود مشاهد سينمائية جميلة _أما البشير فيقول :"عندما أكتب ،أستحضر قارئا، علي إمتاعه وبدون تعمد تخرج تلك المشاهد بتلك الطريقة، أنا فقط أتعمد البحث عن اللقطات الأكثر تأثيرا ودائما يحضر بعد المتعة ..ربما لأنني عاشقة للسينما مند الصغر.." . يسترسل الحكي في الرواية ذات ال 191 صفحة لينقلنا من طفولة مرهفة مثقلة بثقل الماضي المعلق بين أب مسلم وأم مسيحية وما أفرزته تلك المرحلة من صراعات لعب فيها الديني محور عنف كبير وإبادة ظلت مرسومة في حياة البطلة ، نفسها البطلة التي ستعيش وتتعلم وتتكون في محيط ضم نفس المتناقضات الدينية ، …الكاتب في روايته هاته يلعب بقوة وعبر عدة صفحات على هذه التناقضات فتحس وكأنه يحاول أن يمرر اسقاطاتها على عصرنا ففي أخر المطاف ألسنا نعيش عصر صراع الديانات ولو بشكل مغلف ؟وأكيد هي ذات الكاتب التي تتجاوز التاريخ الروائي لتسطر جزءا من أحلامه وليس بالتأكيد أحلام حمامة سيدتنا الحرة ، يقول الدامون :"ما هو نفسي وأتخبط فيه يمر عبر الروائي والرواية بعكس التاريخ الروائي تمكننا من المتعة ومن سبر أغوال النفس الذاتية وفتح الأفق واسعا أمام المخيلة …." حاكمة تطوان السيدة الحرة تُنزلها كتب التاريخ منزلة الانسانة القوية والمجاهدة التي تزن ألف رجل وعبر الرواية نكتشف جزءا هاما من معاركها ومن حكمها القوي ،لكن البشير الدامون وبأسلوبه الشاعري يركب على البعد العاطفي ويحاول في كل صفحة أن يقول لنا :"إنها انسانة رقيقة وجميلة وكتاباتكم التاريخية نزعت عنها صفة الإنسانية لتجعلها آلة للحرب وهي لم تكن كذلك…". نجد في رواية البشير جزءا هاما من أحاديث القلوب وصراعات العلاقات العاطفية الشرعية منها واللاشرعية ، الحاكمة الحرة قبل كل شيء إنسانة ورغم ثقل مسؤولياتها ومكر اعدائها المغاربة )الوطاسيين والسعديين وأهل بيتها( والنصارى )البرتغال والاسبان (حافظت على كينونتها وعشقت كباقي الناس بل وتاهت في عشقها حد المحظور، وطبعا كان عالمها أصعب من عالم الرجال ففي آخر المطاف نحن نتحدث عن فترة كانت فيها المرأة أقل مرتبة من الرجل، وحدث تولي السيدة الحرة للحكم يظل حدثا استثنائيا. …أو ألم يكن كذلك؟ أولا يمكن أن نقول أن السيدة الحرة إنما تشبهت بحاكمة النصارى ايزابيلا ؟أو ليست أم السيدة الحرة ذات أصول نصرانية؟؟ البشير الدامون" مهووس" بقضية المرأة وحقوقها وهذا تلمسه في كل كتاباته وفي رواية السيدة الحرة بشكل أوضح ،ومرة أخرى يلعب هذا "الذاتي" لعبته في تشكيل حبكة روايته ، يقول البشير: "هاجس كتاباتي هو التخلف وما تعانيه المرأة… ،طفولتي عايشت العنف الكبير ضد المرأة في أحياءنا الشعبية لذلك لا تستغرب لحمولة البعد الانساني في روايتي…" "هديل سيدة حرة" يحكي بجمالية شاعرية قصة إنسانية أو لنقل أمل حاكمة رأت نفسها حمامة تبحث عن سلام مفقود بين حرب طاحنة وحلم لبناء مجتمع راقي رغم كيد الزمان ، السيدة الحرة التي ولهت بحكاية جدتها ،عندما كانت طفلة ،حول تلك الحمامة القادمة ،سترحل ولكن بعد أن ترمي بنفس الحلم إلى حفيدتها وتقول لها :"ثابري على الحلم فناموس الحياة وعدنا بأنها ستحضر، ستنطق وحيا ليحرر الإنسان مما يكبل به صدره من أحقاد وخدع".