تعيش مدينة تيزنيت على وقع "انفصام" تدبيري وأمني غريب في قطاع النقل، حيث تحولت شوارع المدينة إلى ساحة لاستعراض "النفوذ" من طرف اللوبيات، مقابل حملة "تطهيرية" شرسة تستهدف مهنيي النقل المزدوج، الذين باتوا يُعامَلون ك"خارجين عن القانون" في إقليم يفتقر لأدنى شروط التنقل الكريم. فوضى "الحافلات" تحت أعين الرقابة في الوقت الذي تُطارد فيه السلطات الأمنية (من أمن وطني ودرك ملكي) سيارات النقل المزدوج، يشهد مركز مدينة تيزنيت فوضى عارمة تتسبب فيها حافلات الأسطول المهترئ. هذه الحافلات لا تكتفي بوضعيتها الميكانيكية الكارثية، بل تتجاوز ذلك إلى الوقوف والتوقف في أماكن غير مسموح بها، وعرقلة حركة السير والجولان في الشرايين الرئيسية للمدينة. والمثير للاستغراب أن هذا "التسيب" يحدث أمام أعين الأمن الذي لا يحرك ساكناً، وكأن هذه الحافلات تحمل "حصانة" تعفيها من احترام قانون السير وتمنحها حق احتلال الملك العام ب"قوة النفوذ" النقل المزدوج رحلة الاستفزاز والمطاردة وعلى النقيض تماماً، يتعرض مهنيو النقل المزدوج لمسلسل من "التنكيل" الإداري والميداني؛ فبدلاً من توفير محطة لائقة تجمعهم، تنهج الجماعة والسلطات الأمنية سياسة "التهجير القسري" ضدهم، حيث يتم طردهم من مكان إلى آخر، وإجبارهم على إفراغ الركاب وهم في غالبيتهم مسنون ونساء وأطفال وطلبة قادمون من المداشير..خارج المدار الحضري. إن الإصرار على منعهم من دخول المدينة بحجة "النقل بين الجماعات" يجسد سياسة "كيل بمكيالين" مفضوحة؛ فبينما تُشرع الأبواب للحافلات لتعيث فساداً في حركة السير داخل المركزوخارجه ، يُرمى بمواطني العالم القروي في الضواحي..وكأنهم "مواطنون من الدرجة الثانية". اعتراف الوزير.. وأرقام فاضحة هذا الحصار الميداني يفسر بوضوح ما جاء في جواب وزير النقل واللوجيستيك، عبد الصمد قيوح، رداً على النائبة البرلمانية نزهة اباكريم. حيث كشف الوزير أن اللجنة الإقليمية للنقل بتيزنيت، خلال اجتماعاتها الأخيرة في يوليو وأغسطس 2024، قد درست 11 ملفاً، أسفرت عن منح 8 رخص جديدة وتغيير مسار رخصتين. لكن الصادم في المعطيات الرسمية هو مجموع الرخص الممنوحة بالمنطقة 7 رخص، أكد الوزير أن رخصتين فقط هما المشغلتان فعلياً. والسؤال الذي يتهرب المسؤولون في تيزنيت من الإجابة عنه هو..كيف يمكن للمهني أن يشتغل في ظل مطاردات أمنية يومية واستفزازات لا تتوقف؟ إن "تجميد" الرخص هو نتيجة طبيعية لغياب "الأمن المهني" وللمطاردات التي تجبر السائقين على وقف الاشتغال هرباً من المحاضر التعسفية التي تلاحقهم في كل زاوية. رؤية الوزارة: ميثاق وطني أم مسكنات قانونية؟ وفي إطار رؤية الوزارة الاستراتيجية لفك العزلة، أشار جواب الوزير إلى أن مصالحه تعمل على إعداد دراسة لميثاق وطني للحركية المستدامة والشمولية. ويهدف هذا التصور الجديد إلى وضع مبادئ لمنظومة مستقبلية للنقل تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجهوية والمحلية، وتضمن توفير حلول نقلية "تحترم القوانين المعمول بها" وتصون سلامة المواطنين في العالم القروي. غير أن هذا الطموح الوزاري يصطدم في تيزنيت ب "فيتو" اللوبيات الذي يجهض أي محاولة لفرض القانون بإنصاف على الجميع. تيزنيت.. "الاستثناء" السلبي في مدن كإنزكان ومراكش ومدن أخرى، يُعتبر النقل المزدوج شريكاً استراتيجياً، وله محطات معلومة داخل المدن بجوار سيارات الأجرة والحافلات، مما يسهل حياة المواطن. أما في تيزنيت، فقد تم تحويل هذا القطاع إلى "عدو" يُطارد في الطرقات ويُمنع من المحطة، فقط لإفساح المجال ل"لوبي تيزنيت" الذي يقتات على معاناة الساكنة. هل نعيش في "دولة المؤسسات" أم "دولة اللوبيات"؟ إن ما يحدث بتيزنيت هو إهانة لساكنة الإقليم وتحدٍّ صارخ لتوجهات الدولة الرامية إلى فك العزلة عن العالم القروي. إن المطلوب اليوم هو تدخل حازم من عامل الإقليم والوزارة الوصية لرد الاعتبار لكرامة المواطنين ومهنيي النقل المزدوج، عبر توفير محطة تليق بآدمية المرتفقين وتنهي مسلسل "المطاردات" المهين، والتعجيل بإخراج رخص جديدة لتغطية الخصاص المهول. لقد حان الوقت لفك هذه العزلة القاتلة والصامتة، ووضع حد للمعاناة اليومية لساكنة العالم القروي بالإقليم التي تجد نفسها ضحية تواطؤات مكشوفة. فهل يتحرك عامل الإقليم لوضع حد ل"سيبة" النقل بالإقليم وإقرار العدالة المجالية؟ أم أن "اللوبي" سيظل أقوى من القانون ومن كرامة المواطن المطرود إلى "ما وراء الأسوار"؟