مع حلول عيد الفطر، تتحول مدينة تيزنيت إلى ورش مفتوح للحركية التجارية، حيث تنتعش الأسواق وتعج الشوارع بالمتسوقين، في مشهد يعكس دينامية اقتصادية لافتة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن إشكاليات بنيوية ترتبط بالتجارة غير المهيكلة، وضعف البنية التحتية، وتحولات سلوكيات الطبقات الاجتماعية. تعيش مدينة تيزنيت، عاصمة الفضة كما يقال عنها، مع اقتراب العيد حركية تجارية استثنائية، حيث تتحول الشوارع والأسواق إلى فضاءات مزدحمة بالمواطنين الذين يتوافدون من مختلف مناطق الإقليم لاقتناء مستلزمات العيد رغم كل أعطاب النقل بين الجماعات ( مثال مداشر الكعدة وإكرار بجماعة اكلو) . هذه الدينامية تمنح المدينة رواجا اقتصاديا ملحوظا، لكنها في الوقت ذاته تسلط الضوء على إشكاليات عميقة تتعلق بالنسيج التجاري والهندسة الحضرية والسلوكيات الاستهلاكية المتفاوتة بين فئات المجتمع. تشهد الأسواق الشعبية بتيزنيت، انتعاشة تجارية قوية قبيل العيد، حيث تتحول هذه الفضاءات إلى قبلة رئيسية للمتسوقين الذين يبحثون عن تلبية احتياجاتهم بأسعار مناسبة أمام ضعف القدرة الشرائية . هذا الإقبال الكبير يخلق دينامية اقتصادية لافتة، حيث تنتعش حركة البيع والشراء، وتنشط مختلف المهن المرتبطة بتجارة العيد من ملابس وأحذية وحلويات ومستلزمات الضيافة. الملاحظ أن هذه الحركية التجارية تتركز بشكل كبير في الأسواق التقليدية والتجارة الموازية، مما يجعل الاقتصاد غير المهيكل يحظى بنصيب الأسد من هذه الدينامية الموسمية. فالباعة المتجولون والمحلات غير المصنفة تنتشر بشكل كثيف، مستفيدة من الطلب المتزايد ومن سهولة الولوج إلى هذا العرض مقارنة بالمحلات التجارية المهيكلة. يُشكل سكان الوسط القروي النسبة الأكبر من المتسوقين الذين يملأون شوارع تيزنيت قبيل العيد. فهذه الفئة، ذات الدخل المحدود في الغالب، تعتبر مدينة تيزنيت المركز التجاري الطبيعي لتلبية حاجيات العيد، حيث تفد أسر بكاملها من المناطق القروية المحيطة بالمدينة لقضاء ساعات طويلة في التسوق قبل العودة إلى دواويرها. هؤلاء المتسوقون يمثلون القوة الشرائية الحقيقية التي تحرك عجلة الاقتصاد المحلي خلال هذه الفترة. لكن قدرتهم الشرائية المحدودة تجعلهم يتجهون إلى الخيارات الأقل كلفة، وفي مقدمتها الأسواق الشعبية والتجارة غير المهيكلة، مما يعزز من حضور هذا النوع من التجارة ويديم هيمنته على المشهد الاقتصادي بالمدينة. في تناقض صارخ مع هذه الدينامية، تختار شريحة مهمة من الطبقة الوسطى وما فوقها وجهة أخرى لقضاء حاجيات العيد. فمع تطور البنية التجارية بمدينة أكادير القريبة، أصبحت المراكز التجارية الكبرى (المولات) هناك الوجهة المفضلة لهذه الفئة. الأسباب متعددة، أبرزها التنوع وجودة المنتجات، وتجربة التسوق المريحة، والمواقف المتوفرة للسيارات، والعلامات التجارية المعروفة. كما أن جزءا من هذه الفئة لا يعتبر التبضع من أجل العيد أولوية ثقافية أو ضرورة ملحة بنفس الدرجة التي تحظى بها لدى الفئات الشعبية، مما يدفعهم إما إلى تأجيل التسوق أو إنجازه خارج المدينة. مع توافد الآلاف من المتسوقين، خاصة من المناطق القروية، وتحول المدينة الى محطة عبور للمسافرين القادمين من الشمال لقضاء العيد ببلداتهم الأصلية، تتحول شوارع تيزنيت المركزية إلى فضاءات خانقة تعاني من اكتظاظ غير مسبوق. الاختناق المروري يصبح سمة بارزة للمدينة في هذه الفترة، حيث تعجز البنية التحتية الحالية عن استيعاب هذا التدفق البشري المفاجئ. هذا الاختناق ليس وليد الصدفة، بل هو دليل آخر على هشاشة الهندسة الحضرية بالمدينة. فشوارع تيزنيت الضيقة نسبيا، والمصممة لاستيعاب حركة مرور عادية، تتحول إلى فخاخ مرورية.. ناهيك عن النقص الحاد في مواقف السيارات، مما يدفع المواطنين إلى ركن سياراتهم بشكل عشوائي، ليزيد من حدة الاختناق. المشاريع الكبرى التي يسوق لها المجلس الجماعي، والتي تبلغ تكلفتها مليارات السنتيمات، لا تزال في مراحلها الأولى، حيث يتم تأهيل مداخل تيزنيت ، وتوسيع شبكات التطهير، وتهيئة الشوارع المحورية . لكن هذه المشاريع، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى مرحلة تلمس تحسينات ملموسة في تدبير التدفقات البشرية والمرورية خلال المواسم الاستثنائية كالأعياد..كما ينتظرها الجواب عن سؤال أثر هذه المشاريع على جودة الحياة وجيوب المواطنين مستقبلا، ومدى اسهامها في خلق الثروة وفرص العيش. اقتصاد العيد في تيزنيت يعكس واقعا اجتماعيا واقتصاديا معقدا، حيث تتصارع ملامح مدينة تسعى للعصرنة مع تركة بنيوية واجتماعية ثقيلة. فبين رواج اقتصادي مؤقت يُحيي الأسواق الشعبية والتجارة غير المهيكلة، وهجرة متزايدة للطبقة الوسطى نحو مراكز تسوق أكثر حداثة ( ذات الطبقة التي هجرت ايضا بأنانية وفردانية مطلقة الانخراط في قضايا المدينة و الشأن العام والمشترك)..واختناق مروري يكشف هشاشة التخطيط الحضري ومحدودية أفق تفكير صانعيه، تظل تيزنيت بحاجة إلى رؤية شاملة تستوعب دينامية هذه المناسبات الدينية، وتُوظفها في إعادة تأهيل النسيج الحضري والتجاري للمدينة بما يخدم جميع فئات ساكنتها وزوارها.