الملك يترأس مجلسا وزاريا صادق على إصلاحات كبرى لتعزيز الجهوية والتنمية الترابية    إنتاج قياسي للزيتون والحوامض.. لغة الأرقام تطمئن المغاربة على الموسم الفلاحي الحالي    مصرع شخص في حادثة سير مروعة نواحي إقليم الحسيمة    بركة يستقبل برلمانيي الحسيمة لبحث مشاكل الريف ويؤكد إطلاق دراسة الطريق السيار ومشاريع هامة    قلادة هَبنّقَة وجاهليّة القوْم بين السُّمنة والهُزَال!    السيد حموشي يستقبل الوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بالتنسيق بين المصالح الأمنية والأجهزة الخاصة بدولة بولونيا    انتخاب محمد ولد الرشيد رئيسا لجمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا    طنجة… إحباط محاولة فاشلة لتهريب مخدر الشيرا بميناء طنجة المتوسط    نتنياهو يقول إنه أعطى توجيهاته للبدء "بمفاوضات مباشرة" مع لبنان وستستضيف وزارة الخارجية الأمريكية هذه المحادثات"    بالمحبة أولى من يغار    "وفا كاش" تدعم الشمول المالي بإفريقيا    سيدي وساي – ماسة تحتضن الدورة الثامنة للمهرجان الدولي للسينما والبيئة    توقعات أحوال الطقس غدا الجمعة    "شكون كان يقول" يظفر بجائزة مكناس    بطل مغربي في الصين.. إشادة رسمية بعد إنقاذ شابة من الموت غرقاً    برنامج الملتقى الإقليمي للتوجيه بتيزنيت.. أروقة و ورشات تفاعلية ومقابلات فردية ومحاضرة.    هجوم إسرائيلي ينسف الهدنة ويعيد توزيع الأدوار    كينيا تصطف إلى جانب المغرب: دعم صريح يعزز زخم الحكم الذاتي ويعيد توجيه بوصلة المواقف الإفريقية    نشرة إنذارية.. هبات رياح قوية وزخات رعدية وتساقطات ثلجية من الخميس إلى الأحد المقبل    وزارة الداخلية تنفي إصدار أي بلاغ بشأن تدبير واستغلال رخص سيارات الأجرة    الانخفاض ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء        كينيا تعلن دعم الحكم الذاتي بالصحراء وتتحرك لتوسيع دائرة المؤيدين دوليًا    المغرب وكينيا يوقعان 11 اتفاقية تشمل الفلاحة والصحة والتعليم    تفاصيل اختتام الملتقى الروائي الأمازيغي بالرباط    الرئيس الإيراني: استمرار الغارات الإسرائيلية على لبنان يجعل المفاوضات مع واشنطن "بلا معنى"    ماراطون الرمال: مرحلة ال100 كلم تخلط الأوراق        موتسيبي يشيد بعلاقات المغرب و"الكاف" .. ويعترف بخيبة "نهائي الكان"    اليونسكو تختار الرباط عاصمة عالمية للكتاب    انطلاق عرض "نوستالجيا: صدى الأسوار" في ليكسوس بالعرائش        "ليكيب": حكيمي يفرض نفسه من جديد كظهير لا يُستغنى عنه في تشكيلة باريس    رئيس "لاليغا" يرحب بفكرة إجراء مباريات من الدوري الإسباني في المغرب    زيارة موتسيبي إلى المغرب... محاولة لإعادة التواصل وتجاوز التوترات            الجزائري سعيد خطيبي يتوج بجائزة "البوكر العربية" عن روايته "أغالب مجرى النهر"    ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف من عدم استئناف إمدادات الشرق الأوسط    إسبانيا تندد بهجوم إسرائيل على لبنان وتفتح سفارتها في طهران    أكثر من مئتي قتيل وألف جريح حصيلة جديدة للعدوان الإسرائيلي الأربعاء على لبنان    "حماة المستهلك" يطالبون بمنع بيع مشروبات الطاقة للقاصرين وفي محيط المدارس    الصين تعلن عن سياسات مالية جديدة لدعم الزراعة والتنمية القروية في أفق 2026    إسرائيل تعلن قتل مسؤول في حزب الله    إطلاق طلب إبداء الاهتمام ببرنامج "تحفيز نسوة" لتمكين النساء اقتصادياً في ثلاث جهات        بروفايل l حكيم زياش.. سيرة لاعب صنعته القيم قبل الملاعب    أنفوغرافيك | ⁨المغرب خارج سباق المدن الذكية لسنة 2026⁩    الماء مقطوع والفواتير مستمرة.. سكان دواوير بالقصر الصغير يعودون إلى الآبار    الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب يحدّ من إجهاد كوفيد طويل الأمد    الوكالة المغربية للأدوية تحذر من مكملات شائعة للتنحيف قد تسبب اضطرابات خطيرة    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    دراسة: الذكاء الاصطناعي يشخص سرطان الحنجرة    في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب الإنسان    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الهجرة السرية مرادفا لسنوات الرصاص – صمت المدن متنا –
نشر في صحراء بريس يوم 27 - 09 - 2012

إلى العزيزة جدا، الدكتورة إيمان امغزلات إدريسي، في ذكرى مولدها، أجمل ما في هذه المقالة، عمرا مديدا وأياما كلها زغاريد.
 تمهيد
تشق قوارب الموت/ الحياة عباب البحر، حاملة على متنها أناسا لا يرجون إلا الخلاص من لظى ال "هنا"، فتنزف أقلام المبدعين، معتقلة آلامهم و آمالهم، شاهدة على بوار الوطن.
البتول المحجوب اعتقل قلمها هذه الملحمة، في مجموعتها القصصية: (أيام معتمة)؛ فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2011. تحديدا في نصها " صمت المدن ".
و سنعمل في ما سيأتي من الأسطر على الكشف عن تخييل الهجرة السرية عند البتول المحجوب؛ منطلقين من تحليل العنوان، عطفا بالزمكان فالشخصيات، و صولا بعد ذلك إلى مجموعة من الاستنتاجات، مقدمين قبل كل هذا تمهيدا للنص و توصيفا له.
 توصيف لا بد منه
يقع النص في الصفحة الثالثة و العشرين من الكتاب و يمتد حتى الخامسة و العشرين منه. و يتمفصل إلى ثلاث محطات رئيسة:
 حالة بدئية: وصف لمكان الحدث الممتد حتى الحاضر ( مدينة صغيرة تغفو).
 حالة تحولية: الانتقال بحسن تخلص من وصف المكان و الشخوص إلى الأنين الممزوج بالحنين إلى الذين رحلوا دون إياب عبر أمواج من الأسئلة سبقها شرود ( شردت قليلا.. ترى ما دفعه للشدو..؟ أهو الليل..؟...).
 حالة نهائية: ترصد شساعة الحلم و ضيق الوطن، فكان بطن الحوت هو المآل. ( حلم.. و حلم، لكن الحلم ضاع، و لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمه بين الحين و الآخر وتحلم.)
استنادا إلى هذه الوحدات، نخلص إلى أن النص مبني على دعامتين:
 دعامة أولى: تمدنا بوصف المكان و الزمان، يجري فيها السرد مجرى الفرح.
 دعامة ثانية: تمدنا بالعزف على أوتار الجراح، يجري فيها السرد مجرى الحزن.
و لتوضيح ما أشرنا إليه، ننتقل إلى العنوان لمساءلته تركيبيا و دلاليا:
 العنون تركيبيا و دلاليا:
صمتُ: خبر مرفوع و علامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، لمبتدإ محذوف تقديره هذا. و هو مضاف.
المدنِ: مضاف إليه مجرور، و علامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
و نستشف من القراءة التركيبية أن العنوان جاء:
 جملة اسمية.
 معرفا بالإضافة.
 مقسما إلى مؤشرين؛ مؤشر وصفي ( صمت ) و مؤشر فضائي/ مكاني ( المدن).
و في ما يخص دلالته، فإنه دال على ثبات المدن عند درجة الصمت. و إذا ما قرأنا العنوان تقابليا، فإن صمت المدن سيقابله نطق المدن أو ما شئت من هذا القبيل ( كلام المدن/ أزيز المدن/ نواح المدن/ صهيل المدن...).
و إذا كان العنوان دالا على اللاحركة ماديا ( صمت )، فإنه معنويا دال على الحزن. هذا عن الصمت أما المدن و هو جمع مدينة، فهو يؤشر على عمومية هذا الصمت في مدن بعينها؛ أي كل المدن التي ينطبق عليها ما سيرد في النص.
و لن نبرح العنوان حتى نتوقف عند رمزية الصمت بإيجاز شديد جدا، فهو اللغة الصفر على حد تعبير رولان بارث، و هو علامة الرضى في الثقافة الإسلامية حينا؛ فالثيب أحق بنفسها و البكر علامة رضاها صمتها. و حينا آخر علامة لصون النفس من الزلل " من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت". و في السياق ذاته توقفنا عند أبيات من ديوان الإمام الشافعي( جمع و تحقيق و ترتيب محمد عبد الرحيم، إشراف مكتب البحوث و الدراسات، دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع، بيروات،2000 ) – لن نعرضها توخيا للاختصار – فوجدناها دالة على ما يلي:
 الإعراض عن الجاهلين و السفهاء. ص 155
 العنف الرمزي. ص: 144
 الرفعة و السمو. ص: 178
هذه إشارات سريعة لرمزية الصمت، تنقلنا إلى طرح سؤال مفاده ما الذي أصمت المدن؟
 الزمان و المكان:
يتمفصل الزمان في النص إلى زمنين؛ زمن نحوي و زمن فلكي. الزمن النحوي تتقاسمه أفعال المضارعة والماضي، حيث إن الأول يدل على امتداد و استمرارية واقع الحال؛ " مدينة صغيرة تغفو/ تختلف الإيقاعات باختلاف الأشخاص/ تغريك/ تبتسم/ يشدو/ أستمع/ ترحم/ تهدأ/ يعبرون/ ينتشلني..." في حين وظفت أفعال الماضي في سياق الاسترجاع و التأكيد على أحداث مضت لكنها ما تزال تسكن الذاكرة ( اقتربت/ جلست/ شردت/ توارى/ بدأت/ شعرت/ رفعت/ أحن/ حلم...". هكذا، إذا، تتواشج الأزمنة النحوية لتحدد لنا أن رؤية السارد رؤية خلفية، لا يعزب عنه شيء مما يموج على فضاء السرد، ماضيا كان أو حاضرا " تعج ذاكرتي بمدن الصمت (...) أتذكر نظرات امرأة التقيتها يوما على مشارف المحيط...) و قد أسعفها في ربط شظايا الماضي بالحاضر، كون الجرح ما يزال غضا من جهة أولى. فها هي تنقل لنا صورة أم مكلومة " و لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمه بين الحين و الآخر و تحلم " بين الشم و الحلم تستمر ذكرى وليد كان في أهله مرجوا قبل أن يلبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، تاركا قميصا شاهدا على عصر جار فيه الوطن واعتدى وألقى أبناءه في اليم للحوت ليكفلهم. و هذا ما سنزكيه في القادم من الأسطر حين نتوقف عند المكان. و من جهة ثانية أسعفها الليل باعتباره زمنا فلكيا دالا على السكون و الحنين و الذكرى و التذكر... فالقوارب لا تهرِّب البشر إلا ليلا، والمدينة لا يهدأ أزيزها إلا ليلا، هكذا، يصبح الليل كلما جن رمزا للذكرى و التذكر.
أما المكان فتحضر اللهجة بحمولاتها الثقافية و الدلالية في النص كمحدد له " رانك تيّتي " و التي تعني باللهجة الحسانية أتقنت إعداد الشاي، و تقال تحفيزا للذي أعده. إذا، نحن في رحاب الصحراء التي لا يحلو السمر فيها إلا على إيقاعات الشاي. و يزيد تأويلنا إثباتا " شاب يعزف على قيثارة جريحة، نغمات شعر حساني". كما أن المكان ليس صحراء قاحلة، بل هو " مدينة صغيرة تغفو على ساعد ليل صحراوي مقمر " وتحديدا " شاطئ صاخب بإيقاعات موسيقى غربية وعربية، تختلف باختلاف الأشخاص، و لا يبقى غير النشاز، رجال و نساء و أطفال على رمال شاطئ ممتد". تنطلق الساردة من الميكرومكان ( مدينة صغيرة) إلى الماكرومكان ( شاطئ ممتد) لترصد لنا انفتاح الصحراء على محيطها، ودليل ذلك تعدد الألوان الموسيقية بالمكان.
يلتحم الزمن بالمكان لتنقدح نيران الذكرى و التذكر، فمن هذا المكان أو نظير له عبروا، و في الزمان نفسه أو مُشاكل له رحلوا. و في صغر المدينة ما يشي إلى قلة ساكنتها، و في امتداد الشاطئ ينكتب سؤال عريض لماذا يرحلون – قسرا – و المدينة ساحلية تمتلك ثروات بحرية ؟
 الشخصيات
إذا استثنينا " علي " فإن باقي الشخصيات التي وظفتها الساردة مفتقدة للدلالة الذاتية كما يسميها الراحل كلود ليفي ستراوس. ليظل مدار السرد حول ضمائر ال " هي " و ال" هو " و ال " أنا ". بإيعاز من ضمير ال " هو " ( الشاجن) تعصف رياح السرد بالحالة البدئية، لتهيج أشجان ال" أنا "، معلنة حالة التحول و انفصال الذات عن موضوعها ( الاستجمام ) موقظة آلاما ما تزال تسكن ذاكرة ال " أنا " و تنخرها، لتنفجر الأسئلة بحثا عن أسئلة ثاوية في مكان ما. " شاب يعزف على قيثارة جريحة، نغمات شعر حساني. و آخر يشدو بصوت شجي. اقتربت منهم جلست دون استئذان، علني أستمع للشدو الحزين، في دفء ليل صحراوي مقمر. شردت قليلا.. ترى ما دفعه للشدو..؟ أهو الليل.. ؟ أهو الحنين لمن رحل نحو المجهول، عبر فضاء الصحراء الغامض..؟ أم لمن توارى وراء الأمواج بحثا عن مستقبل أجمل و كان طعما للحيتان؟ أيها الموج المجنون لم لا ترحم شبابا يافعا؟ لم لا تهدأ أمواجك حين يعبرون..؟" أسئلة محملة باللوم و الألم، نستجلي من خلالها اقتران الهجرة السرية بالاختفاء والاختطاف القسري و شاهد ذلك تسوية السؤالين ب " أم " التي تفيد الاستواء و الاستفهام " أهو الحنين لمن رحل نحو المجهول، عبر فضاء الصحراء الغامض..؟ أم لمن توارى وراء الأمواج بحثا عن مستقبل أجمل و كان طعما للحيتان؟" و طي السؤال الأخير تمدنا بالمحرض على فعل الإقدام على الهجرة السرية مثنية على ذلك بالمآل، ألا وهو طعم الحيتان. كما نقرأ أيضا أنسنة البحر فهو الملوم، و في ذلك تعريض بأن في أذني من يسوسون أمر هذه البلاد وقرا و على قلوبهم أكنة فلعل البحر يكون أرأف منهم فيرق لحالهم. أما ضمير ال " هي " فيحضر في سياق استرجاعي صرف " كلما وقع بصري على جنون الموج، أشعر بغصة و حرقة و أتذكر نظرات امرأة التقيتها يوما على مشارف المحيط. امرأة .. تحفر في الصخر.. تصرخ ( ...)" نسقرء من خلال الشاهد بلاغة الألم، فكل ما في الشاطئ ينبض بذكراهم؛ الموج و الصخر و الصراخ. كما نستقرئ العلاقة الإنسانية العميقة بين ال " الأنا " و ال " هي " و " الهو " " أشعر بغصة و حرقة "" اقتربت منهم جلست دون استئذان". هي ذي الصحراء تؤلف بين قلوب أناسها. إذا، فالعلاقة بين العوامل الآنفة الذكر علاقة ود و تآزر.
 جاء ال " هو " ( الضحية) خاتمة للمحافل السردية، مصورا صورة الموت التي تجللها صورة القبح في رحلة البحث عن الفردوس المفقود. إنها ضريبة الحلم بالعيش في أبسط شروطه و التي لم يكفلها له و طنه، فنفر محملا بالأحلام للبحث عنها. تاركا قميصا للذكرى و التذكر لجريمة اسمها الحلم. إن ال " أنا" صورة مصغرة للشباب " الحراكة " كما يصطلح عليه في التداول العامي " حلم ببيت دافئ صغير.. حلم بدفء حب امرأة وعدته بالانتظار.. حلم باحتضان طفل جميل، يزرع الأمل في قلب جدة تعشق الأحفاد حلم.. و حلم، لكن الحلم ضاع، و لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمه بين الحين و الآخر وتحلم." رحل تاركا الصمت يجثم بكلاكله على المكان وأجهضت الأحلام قبل الولادة.
 استنتاجات
 صمت المدن يمكننا قراءته من جانبين؛ الجانب الأول أن الذين رحلوا/ هاجروا و ابتلعتهم الحيتان تركوا الفراغ في المدينة بعدما كانوا محركها الأساس بأحاديثم و احتجاجاتهم على على العطالة المستفحلة و الشهادات الشاهدة على الخسران. الجانب الثاني أن أهل المدينة أمسكوا الكلام بعدما فقدوا اللسان من نعي أبنائهم.
 إن نص صمت المدن ليعتبر ظاهرة الهجرة السرية شوطا ثانيا من سنوات الرصاص، سيما إذا وضعناه في سياقه داخل المجموعة القصصية، و التي تتناول مجمل نصوصها الاختطاف التعسفي و معتقلات مكونة و أكدز و تازممارت و الاستشهاد، فلم نجد بدا من القول بأن الهجرة السرية مرادف لسنوات الرصاص.
 إذا أجمعنا أن الهجرة السرية مرادف لسنوات الرصاص، فإن الملوم واحد موحد لضحايا تفرق بينهم السنوات و تجمع بينهم المأساة. فجاء النص مدينا للبطالة المستفحلة التي تدفع الشباب نحو الهجرة القسرية. ناعيا شبابا يبتلعهم اليم و آخرين يستنزفون ثروات هذا اليم !!
الهجرة السرية مرادفا لسنوات الرصاص – صمت المدن متنا –
إلى العزيزة جدا، الدكتورة إيمان امغزلات إدريسي، في ذكرى مولدها، أجمل ما في هذه المقالة، عمرا مديدا وأياما كلها زغاريد.
 تمهيد
تشق قوارب الموت/ الحياة عباب البحر، حاملة على متنها أناسا لا يرجون إلا الخلاص من لظى ال "هنا"، فتنزف أقلام المبدعين، معتقلة آلامهم و آمالهم، شاهدة على بوار الوطن.
البتول المحجوب اعتقل قلمها هذه الملحمة، في مجموعتها القصصية: (أيام معتمة)؛ فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2011. تحديدا في نصها " صمت المدن ".
و سنعمل في ما سيأتي من الأسطر على الكشف عن تخييل الهجرة السرية عند البتول المحجوب؛ منطلقين من تحليل العنوان، عطفا بالزمكان فالشخصيات، و صولا بعد ذلك إلى مجموعة من الاستنتاجات، مقدمين قبل كل هذا تمهيدا للنص و توصيفا له.
 توصيف لا بد منه
يقع النص في الصفحة الثالثة و العشرين من الكتاب و يمتد حتى الخامسة و العشرين منه. و يتمفصل إلى ثلاث محطات رئيسة:
 حالة بدئية: وصف لمكان الحدث الممتد حتى الحاضر ( مدينة صغيرة تغفو).
 حالة تحولية: الانتقال بحسن تخلص من وصف المكان و الشخوص إلى الأنين الممزوج بالحنين إلى الذين رحلوا دون إياب عبر أمواج من الأسئلة سبقها شرود ( شردت قليلا.. ترى ما دفعه للشدو..؟ أهو الليل..؟...).
 حالة نهائية: ترصد شساعة الحلم و ضيق الوطن، فكان بطن الحوت هو المآل. ( حلم.. و حلم، لكن الحلم ضاع، و لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمه بين الحين و الآخر وتحلم.)
استنادا إلى هذه الوحدات، نخلص إلى أن النص مبني على دعامتين:
 دعامة أولى: تمدنا بوصف المكان و الزمان، يجري فيها السرد مجرى الفرح.
 دعامة ثانية: تمدنا بالعزف على أوتار الجراح، يجري فيها السرد مجرى الحزن.
و لتوضيح ما أشرنا إليه، ننتقل إلى العنوان لمساءلته تركيبيا و دلاليا:
 العنون تركيبيا و دلاليا:
صمتُ: خبر مرفوع و علامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، لمبتدإ محذوف تقديره هذا. و هو مضاف.
المدنِ: مضاف إليه مجرور، و علامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
و نستشف من القراءة التركيبية أن العنوان جاء:
 جملة اسمية.
 معرفا بالإضافة.
 مقسما إلى مؤشرين؛ مؤشر وصفي ( صمت ) و مؤشر فضائي/ مكاني ( المدن).
و في ما يخص دلالته، فإنه دال على ثبات المدن عند درجة الصمت. و إذا ما قرأنا العنوان تقابليا، فإن صمت المدن سيقابله نطق المدن أو ما شئت من هذا القبيل ( كلام المدن/ أزيز المدن/ نواح المدن/ صهيل المدن...).
و إذا كان العنوان دالا على اللاحركة ماديا ( صمت )، فإنه معنويا دال على الحزن. هذا عن الصمت أما المدن و هو جمع مدينة، فهو يؤشر على عمومية هذا الصمت في مدن بعينها؛ أي كل المدن التي ينطبق عليها ما سيرد في النص.
و لن نبرح العنوان حتى نتوقف عند رمزية الصمت بإيجاز شديد جدا، فهو اللغة الصفر على حد تعبير رولان بارث، و هو علامة الرضى في الثقافة الإسلامية حينا؛ فالثيب أحق بنفسها و البكر علامة رضاها صمتها. و حينا آخر علامة لصون النفس من الزلل " من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت". و في السياق ذاته توقفنا عند أبيات من ديوان الإمام الشافعي( جمع و تحقيق و ترتيب محمد عبد الرحيم، إشراف مكتب البحوث و الدراسات، دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع، بيروات،2000 ) – لن نعرضها توخيا للاختصار – فوجدناها دالة على ما يلي:
 الإعراض عن الجاهلين و السفهاء. ص 155
 العنف الرمزي. ص: 144
 الرفعة و السمو. ص: 178
هذه إشارات سريعة لرمزية الصمت، تنقلنا إلى طرح سؤال مفاده ما الذي أصمت المدن؟
 الزمان و المكان:
يتمفصل الزمان في النص إلى زمنين؛ زمن نحوي و زمن فلكي. الزمن النحوي تتقاسمه أفعال المضارعة والماضي، حيث إن الأول يدل على امتداد و استمرارية واقع الحال؛ " مدينة صغيرة تغفو/ تختلف الإيقاعات باختلاف الأشخاص/ تغريك/ تبتسم/ يشدو/ أستمع/ ترحم/ تهدأ/ يعبرون/ ينتشلني..." في حين وظفت أفعال الماضي في سياق الاسترجاع و التأكيد على أحداث مضت لكنها ما تزال تسكن الذاكرة ( اقتربت/ جلست/ شردت/ توارى/ بدأت/ شعرت/ رفعت/ أحن/ حلم...". هكذا، إذا، تتواشج الأزمنة النحوية لتحدد لنا أن رؤية السارد رؤية خلفية، لا يعزب عنه شيء مما يموج على فضاء السرد، ماضيا كان أو حاضرا " تعج ذاكرتي بمدن الصمت (...) أتذكر نظرات امرأة التقيتها يوما على مشارف المحيط...) و قد أسعفها في ربط شظايا الماضي بالحاضر، كون الجرح ما يزال غضا من جهة أولى. فها هي تنقل لنا صورة أم مكلومة " و لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمه بين الحين و الآخر و تحلم " بين الشم و الحلم تستمر ذكرى وليد كان في أهله مرجوا قبل أن يلبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، تاركا قميصا شاهدا على عصر جار فيه الوطن واعتدى وألقى أبناءه في اليم للحوت ليكفلهم. و هذا ما سنزكيه في القادم من الأسطر حين نتوقف عند المكان. و من جهة ثانية أسعفها الليل باعتباره زمنا فلكيا دالا على السكون و الحنين و الذكرى و التذكر... فالقوارب لا تهرِّب البشر إلا ليلا، والمدينة لا يهدأ أزيزها إلا ليلا، هكذا، يصبح الليل كلما جن رمزا للذكرى و التذكر.
أما المكان فتحضر اللهجة بحمولاتها الثقافية و الدلالية في النص كمحدد له " رانك تيّتي " و التي تعني باللهجة الحسانية أتقنت إعداد الشاي، و تقال تحفيزا للذي أعده. إذا، نحن في رحاب الصحراء التي لا يحلو السمر فيها إلا على إيقاعات الشاي. و يزيد تأويلنا إثباتا " شاب يعزف على قيثارة جريحة، نغمات شعر حساني". كما أن المكان ليس صحراء قاحلة، بل هو " مدينة صغيرة تغفو على ساعد ليل صحراوي مقمر " وتحديدا " شاطئ صاخب بإيقاعات موسيقى غربية وعربية، تختلف باختلاف الأشخاص، و لا يبقى غير النشاز، رجال و نساء و أطفال على رمال شاطئ ممتد". تنطلق الساردة من الميكرومكان ( مدينة صغيرة) إلى الماكرومكان ( شاطئ ممتد) لترصد لنا انفتاح الصحراء على محيطها، ودليل ذلك تعدد الألوان الموسيقية بالمكان.
يلتحم الزمن بالمكان لتنقدح نيران الذكرى و التذكر، فمن هذا المكان أو نظير له عبروا، و في الزمان نفسه أو مُشاكل له رحلوا. و في صغر المدينة ما يشي إلى قلة ساكنتها، و في امتداد الشاطئ ينكتب سؤال عريض لماذا يرحلون – قسرا – و المدينة ساحلية تمتلك ثروات بحرية ؟
 الشخصيات
إذا استثنينا " علي " فإن باقي الشخصيات التي وظفتها الساردة مفتقدة للدلالة الذاتية كما يسميها الراحل كلود ليفي ستراوس. ليظل مدار السرد حول ضمائر ال " هي " و ال" هو " و ال " أنا ". بإيعاز من ضمير ال " هو " ( الشاجن) تعصف رياح السرد بالحالة البدئية، لتهيج أشجان ال" أنا "، معلنة حالة التحول و انفصال الذات عن موضوعها ( الاستجمام ) موقظة آلاما ما تزال تسكن ذاكرة ال " أنا " و تنخرها، لتنفجر الأسئلة بحثا عن أسئلة ثاوية في مكان ما. " شاب يعزف على قيثارة جريحة، نغمات شعر حساني. و آخر يشدو بصوت شجي. اقتربت منهم جلست دون استئذان، علني أستمع للشدو الحزين، في دفء ليل صحراوي مقمر. شردت قليلا.. ترى ما دفعه للشدو..؟ أهو الليل.. ؟ أهو الحنين لمن رحل نحو المجهول، عبر فضاء الصحراء الغامض..؟ أم لمن توارى وراء الأمواج بحثا عن مستقبل أجمل و كان طعما للحيتان؟ أيها الموج المجنون لم لا ترحم شبابا يافعا؟ لم لا تهدأ أمواجك حين يعبرون..؟" أسئلة محملة باللوم و الألم، نستجلي من خلالها اقتران الهجرة السرية بالاختفاء والاختطاف القسري و شاهد ذلك تسوية السؤالين ب " أم " التي تفيد الاستواء و الاستفهام " أهو الحنين لمن رحل نحو المجهول، عبر فضاء الصحراء الغامض..؟ أم لمن توارى وراء الأمواج بحثا عن مستقبل أجمل و كان طعما للحيتان؟" و طي السؤال الأخير تمدنا بالمحرض على فعل الإقدام على الهجرة السرية مثنية على ذلك بالمآل، ألا وهو طعم الحيتان. كما نقرأ أيضا أنسنة البحر فهو الملوم، و في ذلك تعريض بأن في أذني من يسوسون أمر هذه البلاد وقرا و على قلوبهم أكنة فلعل البحر يكون أرأف منهم فيرق لحالهم. أما ضمير ال " هي " فيحضر في سياق استرجاعي صرف " كلما وقع بصري على جنون الموج، أشعر بغصة و حرقة و أتذكر نظرات امرأة التقيتها يوما على مشارف المحيط. امرأة .. تحفر في الصخر.. تصرخ ( ...)" نسقرء من خلال الشاهد بلاغة الألم، فكل ما في الشاطئ ينبض بذكراهم؛ الموج و الصخر و الصراخ. كما نستقرئ العلاقة الإنسانية العميقة بين ال " الأنا " و ال " هي " و " الهو " " أشعر بغصة و حرقة "" اقتربت منهم جلست دون استئذان". هي ذي الصحراء تؤلف بين قلوب أناسها. إذا، فالعلاقة بين العوامل الآنفة الذكر علاقة ود و تآزر.
 جاء ال " هو " ( الضحية) خاتمة للمحافل السردية، مصورا صورة الموت التي تجللها صورة القبح في رحلة البحث عن الفردوس المفقود. إنها ضريبة الحلم بالعيش في أبسط شروطه و التي لم يكفلها له و طنه، فنفر محملا بالأحلام للبحث عنها. تاركا قميصا للذكرى و التذكر لجريمة اسمها الحلم. إن ال " أنا" صورة مصغرة للشباب " الحراكة " كما يصطلح عليه في التداول العامي " حلم ببيت دافئ صغير.. حلم بدفء حب امرأة وعدته بالانتظار.. حلم باحتضان طفل جميل، يزرع الأمل في قلب جدة تعشق الأحفاد حلم.. و حلم، لكن الحلم ضاع، و لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمه بين الحين و الآخر وتحلم." رحل تاركا الصمت يجثم بكلاكله على المكان وأجهضت الأحلام قبل الولادة.
 استنتاجات
 صمت المدن يمكننا قراءته من جانبين؛ الجانب الأول أن الذين رحلوا/ هاجروا و ابتلعتهم الحيتان تركوا الفراغ في المدينة بعدما كانوا محركها الأساس بأحاديثم و احتجاجاتهم على على العطالة المستفحلة و الشهادات الشاهدة على الخسران. الجانب الثاني أن أهل المدينة أمسكوا الكلام بعدما فقدوا اللسان من نعي أبنائهم.
 إن نص صمت المدن ليعتبر ظاهرة الهجرة السرية شوطا ثانيا من سنوات الرصاص، سيما إذا وضعناه في سياقه داخل المجموعة القصصية، و التي تتناول مجمل نصوصها الاختطاف التعسفي و معتقلات مكونة و أكدز و تازممارت و الاستشهاد، فلم نجد بدا من القول بأن الهجرة السرية مرادف لسنوات الرصاص.
 إذا أجمعنا أن الهجرة السرية مرادف لسنوات الرصاص، فإن الملوم واحد موحد لضحايا تفرق بينهم السنوات و تجمع بينهم المأساة. فجاء النص مدينا للبطالة المستفحلة التي تدفع الشباب نحو الهجرة القسرية. ناعيا شبابا يبتلعهم اليم و آخرين يستنزفون ثروات هذا اليم !!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.