نعود بمزيد من التفصيل إلى المحاضرة، التي ألقاها المفكر محمد سبيلا بقاعة المحاضرات التابعة لمؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء يوم 8 يونيو الجاري. وقد توقف المحاضر خلالها على مختلف مستويات التحولات التي شهدها المغرب منذ استقلال المغرب. وهي تحولات تنقسم، حسب المحاضر، إلى تحولات كمية ظاهرة، وأخرى كيفية يصعب رصدها وتحليلها بدقة.يعترف محمد سبيلا، منذ البداية، أن تناول موضوع تحولات المجتمع المغربي هو تناول صعب، نظرا لشساعة الموضوع. ومكمن الصعوبة في هذا التناول، حسب سبيلا، عائد إلى تعدد تركيبات المجتمع وبنياته الداخلية. هذا فضلا عن أن دراسة الموضوع تتطلب النظر في فترة زمنية طويلة نسبيا، تمتد من فترة الاستقلال إلى اليوم، وهي فترة شهدت تحولات جذرية وعميقة تستدعي حذرا وحرصا شديدا أثناء معالجتها وتقييمها والحكم عليها. كما أن هذه التحولات تتسم، كما يرى المحاضر، بوتائر متباينة تتفاوت حسب تفاوت الوتائر التي يسير بها كل مجال من المجالات المكونة للمجتمع المغربي. وهذا يعني أن الباحث مطالب بالنظر في أشكال متعددة من التحولات الاجتماعية. لا مجال، إذن، للإحاطة بكل هذه التحولات، لأن بعضها قابل للقياس، وبعضها الآخر يستعصي عن ذلك. فالباحث، كما يرى محمد سبيلا، قادر على قياس التحولات الكمية، وعلى تقديم مؤشرات وأرقام إحصائية. لكنه عاجز عن قياس ما يسميه سبيلا ب”التحولات الكيفية”، ويقف مكتوف اليدين أمام متابعتها ورصدها وحصرها وإحصائها، الخ. بيد أن سبيلا يعتبر أن هذا النوع من التحولات تدل على توجهات معينة. في هذا السياق، يضيف المحاضر عاملا آخر يدفع نحو تعقد عمل الباحث أثناء تناول هذه التحولات، وهو أن الباحث يجد نفسه أمام تحولات تلقائية ذاتية الحركة، وأخرى إرادية تتحكم فيها قرارات سياسية وتدخل المؤسسات والتأثيرات البشرية، أمام تحولات واعية، وأخرى غير واعية، الخ. أما فيما يخص هذه التحولات، وبالإضافة إلى تحولات جغرافية شهدها المغرب بعد الاستقلال باتساع رقعته الجغرافية واستكمال وحدته الترابية، يتحدث محمد سبيلا عن تحولات ديمغرافية. وهي تحولات ظاهرة، حيث يذكرنا المحاضر بأن عدد السكان كان خمسة ملايين في بداية القرن الماضي، ليرتفع إلى تسعة ملايين قبيل الاستقلال، ثم إلى أزيد من ثلاثين مليون نسمة. وتتصل بهذه التحولات تغيرات أخرى مثل طغيان نسبة الشباب وارتفاع معدل العمر (متوسط العمر في الستينيات كان 47 سنة، وأصبح اليوم 67 سنة). كما أن هناك تحولات حضرية وعمرانية واضحة، حيث انتقل المغرب من مجتمع بدوي، كان يشكل 90 في المائة في بداية القرن الماضي، إلى مجتمع حضري يمثل اليوم 65 في المائة من المجتمع المغربي، مع ما يرافق كل هذا من اتساع مجال المدينة. ثمة مستوى آخر من هذه التحولات الاجتماعية الكمية، يرى سبيلا أنه مسّ الأسرة المغربية، بحيث أن هناك توجها نحو نمط الأسرة الصغيرة (60 في المائة)، مع ما يرتبط بها من تنظيم أسري، وعلاقات زوجية، وتبنٍّ تدريجي للمساواة بين الرجل والمرأة، الخ. أضف إلى هذا أن هناك، كما يقول سبيلا، توجها نحو تعميم التعليم في الوسطين الحضري والقروي، وإن لم يحقق الشعارات الكبرى، التي رفعها المغرب بعيد الاستقلال. لكنه ساهم في اتساع دائرة التعلم، وانخفاض نسبة الأمية، وارتفاع الإنتاج الثقافي نتيجة ارتفاع عدد الباحثين والخريجين الجامعيين، الخ. كما ساهم، كما يقول محمد سبيلا، في جعل المغرب رائدا عربيا على المستوى التراكم الفكري والأدبي والترجمي، وكذا الأبحاث العلمية. وتكتسي التحولات السياسية أهمية قصوى في هذا الجرد العام لأهم تحولات المجتمع المغربي. تبدو هذه التحولات، حسب سبيلا، واضحة على مستوى المؤسسات والثقافة السياسية، خصوصا في الآونة الأخيرة، مع ما يشهده المشهد السياسي من حيوية النقاش حول الإصلاحات الدستورية، ومن ظهور تيارات سياسية شبابية جديدة مثل ظهور حركة 20 فبراير. وهو ما يعكس، حسب اعتقاد سبيلا، التغلغل التدريجي لثقافة الحقوق والحريات، ولثقافة الحداثة السياسية من ديمقراطية وفصل سلط واستقلالية القضاء، الخ. هذه الحركة السياسية، التي تندلع اليوم في العالم العربي كله، هو تفعيل لهذه الثقافة، كما يقول سبيلا. هنا يؤكد سبيلا أن المغرب شهد أكبر التحولات في المجال السياسي، على الرغم من تسخير عوائق شتى لمعاكسة هذا التغلغل الحداثي. أما التحولات الكيفية، التي تهم مجال القيم على الخصوص، فهي تحولات، كما يقول محمد سبيلا، يصعب متابعة مساراتها وتعرجاتها. إذ يمكن النظر إلى تحولات القيم، إما من الزاوية القطاعية، أي تحولات القيم في هذا المجال أو ذاك، وإما من زاوية ما سماه المحاضر ب”القيم الأخلاقية”، أو “الدلالية”، أو “المعنوية”، أو “الإديولوجية”. يقف محمد سبيلا هنا عند ندرة المراجع المرشدة في هذا الباب، وقلة الدراسات السوسيولوجية التي ترصد هذه التحولات، كاشفا أن صعوبة رصدها وتحديدها يجعل المفكر فيها حذرا ومتشككا وحريصا، كل الحرص، في إصدار تحليلها، والجزم في إصدار الحكم عليها. تتمظهر التحولات القيمية في مجالات شتى يوردها محمد سبيلا على الشكل التالي: الانتقال من المجتمع الأبوي إلى مجتمع أكثر تحررا تسود فيه قيمة الانفتاح والفردانية بدل قيم الطاعة والرضى، بزوغ العقلانية القائمة على التنظيم والترتيب. كما تتجلى، حسب قول المحاضر، في سلوكيات الأفراد وصراع الأجيال، وكذا بداية ظهور المسؤولية الفردية والاستقلالية النسبية في إصدار الأحكام واتخاذ المواقف، الخ. لكن هذه التحولات لا زالت، كما يرى سبيلا، تعاني مقاومات وعوائق من القوى التقليدية داخل المجتمع. هنا يخلص سبيلا إلى اعتبار مفاده أن التحولات القيمية لا تجري بنفس الوتائر، التي تجري باقي التحولات الكمية.