الإمارات تدين المخطط الإرهابي بالكويت    توتر ميداني بقلعة السراغنة.. مواجهات عنيفة بين السلطات وساكنة "أولاد الرامي" بسبب مقلع أحجار    توقيف شخصين بمكناس وحجز 2000 قرص إكستازي في عملية أمنية محكمة    أغلبية البكوري تصمد أمام "انشقاق مفتعل" وحزب الاستقلال يصون قراره الحزبي ضد التدخلات الخارجية    وهبي يستدعي لاعب أجاكس ريان بونيدا للحاق بالمنتخب في مدريد بعد تغيير جنسيته الرياضية    رسميا.. السنغال تتقدم باستئناف لدى "الطاس" ضد قرار "الكاف"    الأميرة للا حسناء تلتقي ميلانيا ترامب    معاملات "العمران" ترتفع ب44 بالمائة    اعتقال مغني الراب "ميتر جيمس" بفرنسا    إيران ترفض المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب وترامب يتوعدها ب"فتح أبواب الجحيم"    تفكيك خلية إرهابية موالية لتنظيم «داعش» الإرهابي تنشط بين المغرب وإسبانيا    أخنوش: مسار إصلاح التعليم لا يزال طويلاً والأساتذة شركاء لا منفذون فقط    منتخب الفتيان يستهل بطولة شمال إفريقيا بانتصار على تونس    حراك بالاشتراكي الموحد من أجل الديمقراطية التنظيمية وتجديد المشروع اليساري    مواجهات حاسمة ترسم ملامح آخر المتأهلين الأوروبيين إلى مونديال 2026    وهبي يضع اللمسات الأخيرة على أول تشكيلة رسمية له .. المنتخب الوطني ينهي اليوم تحضيراته لمواجهة الغد أمام الإكوادور    نشرة إنذارية.. زخات رعدية محليا قوية مع تساقط البرد يومي الأربعاء والخميس    فؤاد مسكوت رئيسا للاتحاد العربي للمصارعة لولاية 2026 – 2029    توزيع الدفعة الأولى من البطاقة المهنية للفنان    تجمع فنانين من بلجيكا وكيبيك وفرنسا والمغرب وسويسرا والكونغو .. ليالي الفكاهة الفرنكوفونية تعود إلى المغرب في دورتها 2026    ابتزاز سائح أجنبي بمراكش يجرّ صاحبه للاعتقال عقب تدخل أمني    مطالب برلمانية بضبط أسعار الأضاحي والحد من المضاربات قبل عيد الأضحى    "كلام عابر": تحول النص والمعنى والوجود في الهيرمينوطيقا والتأويل عند بول ريكور    سارة مولابلاد تطلق ألبومها القصير الجديد في الدار البيضاء            هزتان أرضيتان خفيفتان تضربان بحر البوران قبالة سواحل الريف        رئيس ألمانيا: الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تنتهك القانون الدولي.. والثقة في السياسة الأميركية تتآكل عالمياً    رئيس وزراء إسبانيا: إسرائيل ترغب في تدمير لبنان مثلما فعلت بغزة    أخنوش: كرامة المدرسين مدخل أساسي لإصلاح منظومة التربية والتكوين        ماركا: المنتخب المغربي أصبح "المنتخب الثاني" المفضل عالمياً لدى الجماهير    النفط يهبط بقوة مع توقعات تهدئة في الشرق الأوسط    3 ملايين يورو مقابل التنازل.. دفاع سعد لمجرد يفجر مفاجأة "الابتزاز" أمام محكمة باريس    التقدم والاشتراكية ينتقد "سلبية" الحكومة في مواجهة غلاء الأسعار    باحثون صينيون يطورون الكتروليت جديد يضاعف أداء بطاريات الليثيوم    هل ‬تؤثر ‬حرب ‬الخليج ‬على ‬زخم ‬مسار ‬التسوية ‬لملف ‬الصحراء ‬المغربية ‬؟    بعد ‬أن ‬أطفأ ‬وزير ‬الصحة ‬نيران ‬غضب ‬الصيادلة.. ‬مجلس ‬المنافسة ‬يشعلها ‬من ‬جديد    صندوق ‬النقد ‬الدولي ‬يؤكد ‬أن ‬الاقتصاد ‬المغربي ‬يواصل ‬إظهار ‬‮«‬مرونة ‬كبيرة‮»‬    إعادة ‬تكوين ‬القطيع ‬الوطني..‬    "غوغل" تعلن سد ثغرات أمنية خطيرة في "كروم"    المغرب وإسبانيا يفككان خلية إرهابية موالية ل "داعش" في عملية أمنية مشتركة    طائرات مسيرة تستهدف خزان وقود بمطار الكويت الدولي ما تسبب في اندلاع حريق    أجواء ممطرة في توقعات اليوم الأربعاء بالمغرب    تمديد مدة الملتقى الدولي للفلاحة إلى 9 أيام بمشاركة 70 دولة و1500 عارض    المغادرون بصخب.. التدليس السياسي بنيةً لا حادثة في المشهد السياسي المغربي    في المناخ الحربي الذي يسود المنطقة ويرفع من نسبة التهديدات .. تقرير دولي يرتب المغرب بلدا دون آثار الإرهاب    بمناسبة اليوم العالمي.. وزارة الصحة تكشف نسب حالات السل الجديدة بالمغرب    كعك العيد: طقس تاريخي بتكلفة متصاعدة وتحذيرات صحية    بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السل.. وزارة الصحة: 53 في المائة من حالات السل الجديدة المسجلة بالمغرب خلال سنة 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    وزارة الصحة: أكثر من نصف حالات السل الجديدة في المغرب عام 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



علاج التعريب والفرنسة هو التمزيغ اللغوي وليس الهوياتي
نشر في أخبارنا يوم 12 - 12 - 2019

نلاحظ باستمرار عبر تعليقات وتدوينات ومقالات الإنترنت أن شرائح مهمة من المغاربة ما زالت لديها واحدة على الأقل من هذه المشاكل تجاه اللغة الأمازيغية و/أو الهوية الأمازيغية القومية:

1 – كراهية أو تخوف تجاه اللغة الأمازيغية لأنهم يرون فيها منافسا للغة العربية لغة الإسلام (لا تجوز الصلاة في الإسلام إلا بالعربية لأن الله لا يقبلها إلا بالعربية حسب فقهاء الإسلام).

2 – كراهية أو تخوف تجاه الهوية الأمازيغية لأنهم يرون فيها بديلا للعروبة أو للإسلام (خصوصا أن الإسلام يتم ترويجه ك"هوية" identity وليس كمجرد ثقافة أو ديانة أو عقيدة).

3 – تبرير سياسة الفرنسة اللغوية عبر مقولات بدوية بوجادية من قبيل: "قرّيو لفخونصي لوليدات لمغاربا باش ينجحو" أو "غا تزيدو تكلّخو تّلامد بشّلحا و دّاريجا" أو "لن يتقدم المغرب إلا بالفرنسية". وهذا انبطاح مجاني للفرنسية مقترن بتحقير اللغة الأم. وقد بدأ كثير من المثقفين والعوام يروجون لتوسيع سياسة الفرنسة ويحقّرون اللغة الأم بشكل متزايد مؤخرا بمبرر المنفعة العمومية و"إصلاح التعليم" متناسين أهمية الإنجليزية وغافلين عن الدور المحوري لدى اللغة الأم الأمازيغية/الدارجة في مساعدة التلميذ على اكتساب العلوم وتطوير مواهب التفكير الخلاق ومهارات التعبير السليم القابلة للتطبيق في التنمية والدمقرطة.

4 – اضطراب في فهم طبيعة ووظيفة اللغة الأمازيغية ولهجاتها (بسبب فرض تيفيناغ واستبعاد الحرف اللاتيني في كتابة الأمازيغية، وبسبب حكاية "اللغة الأمازيغية الفصحى المعيار الإيركامية" الوهمية). فمن الغرائب والعجائب أن الحركة الأمازيغية وأنصارا آخرين للأمازيغية أصبحوا الآن يزعمون ضمنيا أو صراحة بأنه توجد أربع أمازيغيات: الريفية، الأطلسية، السوسية/الشلحية، المعيارية الإيركامية (الأمازيغية الفصحى). وهذا الزعم نشرته الحركة الأمازيغية والإيركام وأصبح يستحكم بعقول كثير من أنصار الأمازيغية وخصومها على حد سواء. والحقيقة هي أن سكان منطقة الريف يسمون لغتهم Tmaziɣt وليس "تاريفيت". فكلمة "تاريفيت/الريفية" هي كلمة مفبركة اخترعها الإعلام المغربي. وسكان الأطلس المتوسط يسمون لغتهم Tamaziɣt. وسكان سوس والأطلس الصغير يسمون لغتهم Tacelḥit ولكن السوسيين القدامى كانوا (كبقية الأمازيغ) يسمون لغتهم Tamaziɣt. والأهم من هذا وذاك أنه لا توجد "لغة أمازيغية معيارية" إيركامية/فصحى. هذه أكذوبة. توجد فقط اللغة الأمازيغية Tutlayt Tamaziɣt بلهجاتها الطبيعية، مثلما توجد اللغة الدارجة بلهجاتها الطبيعية: الجبلية والشرقية والدكالية والمراكشية والحسانية.

أنصار وأتباع الإيركام يزعمون أنه صنع لغة جديدة اسمها "الأمازيغية المعيار" (وهم يقصدون فكرة "الأمازيغية الفصحى" لمحاكاة نموذج العربية الفصحى). والحقيقة أن الإيركام لم يصنع لغة جديدة ولا يحزنون. كل ما في الأمر هو أن الإيركام يكتب اللغة الأمازيغية بكلمات مأخوذة من اللهجات الأمازيغية الموجودة ويكتبها بحرف تيفيناغ وبطريقة التهجئة الإملائية L'orthographe السوسية الشلحية ثم يسمي ذلك "أمازيغية معيارا"، ويغرس في عقول أنصار الأمازيغية وخصومها نفس الفكرة الخاطئة: أن الإيركام صنع لغة "أمازيغية معيارا" جديدة (أمازيغية فصحى). ولأن لا أحد يقرأ حرف تيفيناغ فلا أحد من عامة

المغاربة يستطيع أن يتأكد من هذا الأمر أو يناقشه. فتصبح اللغة الأمازيغية بحرف تيفيناغ مجرد طلاسم لا يفك رموزها إلا الراسخون في تيفيناغ. أما الحرف اللاتيني العالمي فهو محرم على اللغة الأمازيغية بفتوى سياسية إخوانية من العدالة والتنمية منذ عام 2003. وإذن فعندما يتم تشفير اللغة الأمازيغية بحرف تيفيناغ الذي لا يقرأه أحد فإنه يتم تعطيل اللغة الأمازيغية وتأجيل كل شيء يرتبط بها إلى المستقبل المجهول. وهكذا تصبح الأمازيغية لغة شكلية ديكورية فولكلورية بدل أن تصبح لغة وظيفية عملية مجتمعية مقروءة بسهولة.

5 – اضطراب لدى كثير من المغاربة في فهم الهوية القومية الأمازيغية وخلطهم الأمازيغية بالعرق (العرق هو لون الجلد والشعر والشكل، ولا يوجد "عرق أمازيغي" ولا "عرق عربي" ولا "عرق فارسي" ولا "عرق جرماني"، وإنما توجد قوميات أو أقوام: أمازيغية، عربية، فارسية، جرمانية...). وإقحام العرق في موضوع الأمازيغية هو نتيجة للبروباغاندات التعريبية والإسلامية الخبيثة التي تنعت الأمازيغية ب"العرق" من أجل إلصاق تهمة العنصرية والعرقانية بكل من يدافع عن القومية الأمازيغية أو يروج اللغة الأمازيغية. كما أن إقحام بعض أنصار الأمازيغية علم الجينات Genetics / DNA في نقاش الهوية القومية هو خطأ فادح يسهل على خصوم الأمازيغية نعتها ب"القضية العرقية العنصرية"، وهذا لا يختلف عن إيمان العرب والمسلمين ب"النسب الشريف" وأن "الخلافة في قريش" وأن "الأئمة من قريش" وأن "الناس تبع لقريش". كما أن الخلط بين الأمازيغية والعرق هو أيضا نتيجة لتأثر المغاربة بخلط المترجمين العرب بين الكلمتين الإنجليزيتين race (العِرق) وَ ethnicity (الإثنية، القومية). وإحدى أفدح الترجمات الخاطئة التي ارتكبها الإعلام العربي والكاتبون بالعربية هي ترجمتهم الخاطئة لعبارة Ethnic cleansing الإعلامية الإنجليزية (التي سيطرت على نشرة الأخبار في التسعينات خلال حروب البوسنة ورواندا) حيث ترجموها خطأ بعبارة "التطهير العرقي"، أما الترجمة الصحيحة فهي: "التطهير الإثني" أو "التطهير القومي".

فالصرب والبوسنيون والكروات ينتمون إلى عرق واحد هو العرق الأبيض. إذن لم يحدث في يوغوسلافيا "تطهير عرقي". وكذلك الهوتو والتوتسي ينتمون إلى عرق أسود واحد. إذن لم يحدث "تطهير عرقي" في رواندا. وإنما الذي حدث في يوغوسلافيا ورواندا هو "تطهير إثني" أو "تطهير قومي" يسمى بالإنجليزية Ethnic cleansing. وتلك الحروب كانت بين قوميات/إثنيات/قبائل ولم تكن بين أعراق.

إذن: العرق شيء مختلف عن الإثنية/القومية. ولا يجوز الخلط بين المفهومين.

وهذا المثال الذي أوردته هو نموذج من الاضطرابات اللغوية والمفاهيمية والفكرية المترسخة لدى ملايين المغاربة وملايين الأمازيغ في الدول الأمازيغية الأخرى. وهذه الاضطرابات اللغوية والمفاهيمية تتسبب في تعقيد وتسميم مواقفهم تجاه الأمازيغية لغة وهوية. الاضطرابات الموجودة لدى هؤلاء المغاربة شديدة التعقيد ولن تزول أبدا لأنها جزء من تكوينهم الشخصي والمعرفي الذي تربوا عليه في البيت والمدرسة والمسجد والتلفزة ونشرة أخبار فلسطين وإسرائيل والبوسنة ورواندا والعراق وكردستان.

من الصعب أن تتغير عقليات الذين لديهم مشاكل أيديولوجية مع الأمازيغية لأن مشاكلهم مع الأمازيغية هي مشاكل بنيوية في بنيتهم الفكرية والعقائدية والدينية ومطعمة بإعاقات لغوية واضطرابات ترجمية ومفاهيمية.

هنالك شيء واحد يمكن عمله تجاه هؤلاء المغاربة (المعرَّبين تاريخيا أو مدرسيا أو المستعربين ثقافيا ودينيا أو التعريبيين عمدا وإصرارا)، وهذا الشيء هو: مساعدتهم على تعلم اللغة الأمازيغية وتقديم اللغة الأمازيغية لهم أو تيسير وتسهيل وصولهم إلى اللغة الأمازيغية شفويا وكتابيا، ورقيا وإلكترونيا.

وأنا أفضل أن يكون هنالك مغربي يصف نفسه ب"المغربي العربي" يعرف القراءة والكتابة والكلام باللغة الأمازيغية على أن يكون هنالك مغربي يصف نفسه ب"المغربي الأمازيغي" لا يكتب ولا يقرأ بالأمازيغية.

وأفضل أن يكون هنالك مغربي تعريبي بعثي يقرأ ويكتب ويتكلم باللغة الأمازيغية على أن يكون هنالك مغربي تمزيغي لا يفقه من الأمازيغية شيئا أو يتكلمها كلغة شفوية فقط ولا يكتبها ولا يهتم بها ولا ينتج بها.

ففي هذه الحالة ستكون اللغة الأمازيغية في أمان أكبر مع ذلك "المغربي العربي البعثي التعريبي" لأنه على الأقل يعرف اللغة الأمازيغية قراءة وكتابة وكلاما وقد يستعملها وينشطها شفويا وكتابيا ولو قليلا (ربما للدفاع عن فكره التعريبي البعثي باللغة الأمازيغية مثلما يفعل أنصار الأمازيغية حين يدافعون عن الأمازيغية باللغة العربية ويساهمون في نفس الوقت في نشر اللغة العربية وتنشيطها).

أما مع صاحبنا "المغربي الأمازيغي التمزيغي" الكسول المتكاسل فاللغة الأمازيغية عمليا غير موجودة إذ لا يبذل أي مجهود لقراءتها ولا كتابتها ولا نشرها ولا الإنتاج بها، فاللغة الأمازيغية معه خاملة (بالإنجليزية: idle) ومصيرها الهلاك بمجرد هلاكه. وبهلاك اللغة الأمازيغية تختفي الهوية الأمازيغية القومية معها.

وبالمناسبة، فهكذا هلكت اللغة الأمازيغية واندثرت في كثير من مناطق المغرب وثامازغا عبر القرون: أهلها الناطقون بها تركوها لغة شفوية خاملة فلم ينشروها ولم يكتبوها ولم ينتجوا بها ولم يورثوها بل انصرفوا إلى العناية بالعربية والتدوين بها طمعا في السلطة السياسية الدنيوية أو جنة النعيم في الآخرة. واليوم أضاف المغاربة إلى العربية لغة مستوردة أخرى هي الفرنسية، وأصبحوا يعتنون بالفرنسية عناية هستيرية فائقة وينشرونها في ربوع المغرب (مع العربية) بحرص شديد يضاهي حرص الفرنسيين أنفسهم على فرنسيتهم، وفي نفس الوقت يهمل المغاربة الناطقون بالأمازيغية لغتهم الأمازيغية أو يضعونها في قفص الفولكلور.

وبالنسبة للمغربي الذي يهتم بالأمازيغية فالطريقة الوحيدة التي يستطيع بها أن ينفعها وينفع الناس بها بشكل له معنى وجدوى هي أن يتخذ من تلقاء نفسه أو بتعاون مع أصحابه كل المبادرات والأسباب والطرق والأساليب التي يعرفها لنشر اللغة الأمازيغية في أوساط المغاربة شفويا وكتابيا، ورقيا وإلكترونيا.

أما محاولة إقناع تعريبي بأن المغرب أمازيغي فهي مضيعة للوقت والجهد. فالتجربة أثبتت أن عقائد الإنسان (القومية والدينية والفلسفية) مترسخة فيه كترسخ الإسمنت المسلح بالحديد في الحيطان. ولا يرضى الإنسان بالتخلي عن عقائده أمام الملأ، بل سيدافع عنها باستمرار ولو أحس بتناقض أو ضعف فيها. تغيير عقائد الإنسان (القومية والدينية والفلسفية) بالإكراه أو بالإغراء أو بالمجادلة أصعب من اقتلاع الجبال.

وحتى لو هزمت خصمك في مجادلة من المجادلات الفكرية (القومية أو الدينية أو الفلسفية) فلن يعتنق عقيدتك بل سيسحب ما تبقى من جيوشه وأساطيله وسيجر معه ما تيسر من أذيال الهزيمة عائدا إلى قلعته ليخطط للمعركة المقبلة بإصرار أكبر واستعداد أخطر.

المخرج من المأزق هو أن تقدم للناس حلا عمليا معقولا قابلا للتطبيق ينفعهم وينفعك ويرضيهم ويرضيك وليس أن تقدم لهم تشريحا للمشكلة. فالمشكلة مفهومة وإنما الحل هو الممتنع.

أما عندما يقوم الإنسان بتغيير أو تعديل بعض عقائده (القومية والدينية والفلسفية) تعديلا جذريا أو طفيفا فإنه يفعل ذلك بإرادته الفردية حين يتعلم شيئا جديدا أو يخيب أمله في شيء أو يصدم من شيء فيحدث لديه كسر أو تشقق في عقائده مثلما ينكسر أو يتشقق حائط أو جبل بسبب زلزال مثلا.

فالمغاربة المصرون على أنهم عرب أو على أن المغرب عربي منذ ملايير السنين أو منذ عشرات السنين أو منذ تأسيس الدولة الإدريسية (الأوَرْبية من قبيلة Awerba الأمازيغية) لن يغيروا رأيهم الأيديولوجي بسبب طلبك منهم ذلك. وإنما ما يمكن لك أن تقدم للمغاربة هي اللغة الأمازيغية كلغة بحتة ذات هدف منفعي بحت (التواصل، التجارة، الإصلاح، التوعية، التنمية، الدمقرطة...) مثلما يروج الأمريكي لغته الإنجليزية في منتوجاته بدون أن يطلب منك اعتناق عقائده. وإن لم تكن أنت تكتب اللغة الأمازيغية فتمرن على كتابتها ثم روجها وأنتج بها في المواضيع التي تعجبك من علوم وأفلام وألعاب وتجارة وأديان وفنون وسياسة.

وأغلب الناس (حتى المثقفون منهم) يحبون تبسيط الأمور فينسبون هويتهم وثقافتهم إلى اللغة التي يتحدثونها.

لهذا فالناطق بالأمازيغية Tamaziɣt يسمي نفسه بالأمازيغي Amaziɣ.

والمغربي الناطق بالعربية أو بالدارجة أو بالحسانية كلغته الأم يسمي نفسه بالعربي غالبا (حتى لو عرف أن أجداده أمازيغ أو تكلموا الأمازيغية) وربما قد يسمي نفسه بالمعرب أحيانا.

والمغربي الناطق بالفرنسية (قليلا أو كثيرا) يسمي نفسه ب"الفرنكوفوني" (رغم أن الفرنسية ليست لغته الأم). وإذا استمرت سياسة الفرنسة بالمغرب بالوتيرة الحالية فسيظهر بالمغرب قريبا جيل جديد يتكلم الفرنسية (أو فرنسية هجينة كريولية creole) كلغته الأم وسيسمي نفسه أتوماتيكيا ب"الفرنسي". وسيخرج حينئذ من يقولون بأن الفرنسية مكون أو رافد لهوية المغرب "الخالوطة الجالوطة" حسب النظرية التخليطية!

اللغة الأمازيغية هي المدخل الوحيد لحفظ هوية المغرب القومية الأمازيغية وتوسيع استقلاليته عن العرب والفرنسيين والإسبان والبردقيز وبقية الأجانب. والأمازيغية هي المدخل لدمقرطة المغرب وتطويره لأن الأمازيغية هي اللغة القومية الحقيقية للمغرب، وهي لغة غير تابعة لأي دين أو أيديولوجية أو قومية أجنبية.

أما اللغة العربية فهي لغة يسيطر عليها رجال الدين والإسلاميون (المغاربة والأجانب) ويمسكون بمفاتيحها ويحرسون أبوابها ويتخندقون أمام مداخلها ومخارجها ولهذا يصعب أن تلعب اللغة العربية دورا في الدمقرطة والتقدم والتطوير، فكل محاولة للدمقرطة والتطوير بالعربية تقابلها مليون هجمة مضادة بالعربية من الخندق الإسلامي (أما اللغة الأمازيغية فلا يسيطر عليها الإسلاميون لهذا يخشونها ويحاربونها). ومثلما أن الإسلام دين عربي فكذلك العربية لغة إسلامية مرتبطة عضويا بالإسلام بل إنها تطورت داخل الإسلام.

وأما اللغة الفرنسية فإنها تؤدي إلى ترسيخ الطبقية بالمغرب ومسخ ما تبقى من هوية المغرب الأمازيغية وتحويل المغاربة إلى Les Beurs أو Les Rebeus أي إلى أنديجان indigènes يعيشون في كنف فرنسا. واللغة الفرنسية تبرر دوران المغرب في فلك فرنسا وترسخ بقاء المغرب في الملكوت الفرنكوفوني.

وبالتأكيد يجب البدء في التخلص من الفرنسية (والإسبانية) من الآن والبدء في تدريس الإنجليزية للمغاربة (كلغة للعلوم والتكنولوجيا والتجارة الدولية وليس ك"غول جديد" يكون خليفة ل"الغول الفرنسي" بالمغرب).

الأمازيغية تؤدي إلى استقلال المغرب بأوسع معانيه لهذا يجب نشر الأمازيغية كلغة عملية مجتمعية حداثية قومية كحالة اللغة التركية في تركيا والماليزية في ماليزيا والألمانية في النمسا والإندونيسية في إندونيسيا.

ولا يمكن التعويل على بضعة مناضلين أو حركة أمازيغية أو معهد ليتولوا لوحدهم أمر الأمازيغية. فقد رأينا سقطاتهم وانبطاحاتهم بين: منبطحين للإسلاميين في قضية الحرف، ومنبطحين لسياسة الفرنسة اللغوية في التعليم، وساكتين عن الترسيم الدستوري المشوه المقزم للغة الأمازيغية، ومنبطحين للأمر الواقع الذي فرضه

"القانون التنظيمي" الكارثي، ومنبطحين لنظرية "الهوية المغربية المكوناتية الخالوطة الجالوطة" التي يحددها الأجانب المهاجرون واللاجئون إلى المغرب (يزعم المنبطحون أن هوية المغرب كوكتيل خليط من هويات الأجانب!!! أي أن المغرب لا يملك هوية قومية أصيلة ذاتية بل هو مجرد خليط من الأجانب!!!)

ولا يمكن الاعتماد حصرا على الدولة في نشر اللغة الأمازيغية بعد أن رأينا الترسيم الأعوج المشوه للغة الأمازيغية في الدستور والمقيد ب"القانون التنظيمي" الكارثي التأجيلي، بل مبادرة الفرد والمجتمع هي الحل.

ومبادرة الفرد والمجتمع قد تكون كتابا أو مدرسة لتعليم الأمازيغية أو جامعة حرة أو مشروعا إعلاميا.

عندما يتكلم ويكتب المغربي اللغة الأمازيغية وينتج بها آراءه ومنتوجاته الفكرية والحياتية فسيقول "أنا أمازيغي" أتوماتيكيا وستكون هويته الأمازيغية الشخصية والقومية بالنسبة له مجرد تحصيل حاصل.

فاللغة هي أقوى مؤثر على الوعي الهوياتي والقومي للإنسان وأقوى معبر عن ذلك الوعي. وترويج اللغة الأمازيغية هو العمل الوحيد الذي له معنى وجدوى في ميدان الأمازيغية. وترجمة كل الأشياء المرتبطة بالحياة اليومية والسياسية والاقتصادية إلى اللغة الأمازيغية هو التطبيق الحقيقي للأمازيغية.

لهذا قدمت للقراء المغاربة كتابي المجاني Tamaziɣt i Yimurakucanen "لمازغيا للمغاربا" (الأمازيغية للمغاربة) لتعليم اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني بشكل مبسط باستعمال الدارجة المغربية.

إذن فأين اقتراحاتك ومبادراتك العملية الواقعية لترويج اللغة الأمازيغية للمغاربة الكبار قبل الصغار، ولأطفال اليوم قبل أطفال الغد، ولشباب اليوم قبل شباب الغد؟


هل ستساعد إخوتك المغاربة بشكل عملي (بطريقة من الطرق المتنوعة) على أن يتعلموا القراءة والكتابة والكلام باللغة الأمازيغية Tamaziɣt لينتفعوا بها وينتجوا بها ويطوروا المغرب Murakuc باستعمالها أم أنك ستطلب منهم فقط أن يرددوا جملة "كلنا أمازيغ والمغرب أمازيغي وأنا أمازيغي وأنت أمازيغي"؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.