ضوابط جديدة لاستنطاق المشتبه فيهم أمام النيابة العامة.. ترشيد للاعتقال الاحتياطي وأنسنة للتعامل    978.7 مليار درهم.. ودائع الأسر المغربية تسجل ارتفاعا بنسبة 5.9% بنهاية 2025        الأخضر يهيمن على افتتاح بورصة الدار البيضاء    تراجع أسعار النفط في ظل تقييم مخاطر الإمدادات    شي جين بينغ: الاعتماد على الذات في العلوم والتكنولوجيا مفتاح بناء الصين الحديثة.    منتدى أعمال ثلاثي يجمع المغرب وإسبانيا والبرتغال استعدادًا لمونديال 2030    تقارير فرنسية .. الركراكي متمسك بمغادرة تدريب المنتخب    توقعات طقس اليوم الثلاثاء بالمغرب        كيوسك الثلاثاء | عمليات إفراغ السدود تتم وفق شروط تقنية دقيقة    عودة الدراسة الحضورية بعد تحسن الأوضاع الجوية بعدد من أقاليم الشمال    ثورة هادئة في محاكم المملكة .. التسوية تنهي زمن الإكراه البدني في قضايا الشيك    أنفوغرافيك | عمالقة روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي    الصين: أكثر من 1,4 مليار رحلة في الأسبوع الأول من موسم السفر بمناسبة عيد الربيع    أتمسك بحقي في الصمت".. غلين ماكسويل ترفض الإدلاء بشهادتها أمام لجنة الرقابة بالكونغرس الأمريكي    القصر الكبير: تأجيل عودة السكان لمساكنهم بسبب استمرار الاضطرابات الجوية وسط مؤشرات انفراج    دراسة تثبت نجاعة تمارين الدماغ في الحدّ من خطر الإصابة بالخرف    الشرطة الكورية تداهم مقر المخابرات    ترامب يطالب بحصة في جسر مع كندا    الجديدة : تفاصيل اعتقال أمني ورئيس جماعة في فبركة ملفات    نزاع الصحراء يجمع ألباريس ودي ميستورا    إيران تلعب ب"البيضة والحجر" .. حملات قمع ومفاوضات مع الأمريكيين    وسط تكتم أممي.. واشنطن تواصل دعم حل عادل ونهائي لنزاع الصحراء المغربية    العملاق الآزوري ينهي زمن الأمطار ويعلن عودة الطقس الربيعي المشمس في المغرب        المغرب يشارك في الدورة ال 61 لبينالي البندقية برواق في قلب "أرسينالي"    المسرحية الحسانية «راهِ ألّا كَبّة» تصل إلى خنيفرة لفهم اغتراب المثقف وانعكاسات الواقع المتناقض    الرباط.. توقيع أربع اتفاقيات شراكة للنهوض بقطاع الصناعة التقليدية    في الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسه مسرح الأبيض والأسود يحتفي بصدور الكتاب المسرحي «نقوش على الخواء» لإدريس كصرى    نادي رين الفرنسي يقيل مدربه حبيب باي    رئيس الحكومة: 53 مليار درهم كلفة الدعم الاجتماعي المباشر لإنصاف الفئات الهشة ببلادنا    من البذلة السوداء إلى الخوارزمية: صراع الهجانة في العدالة المغربية    أداء متباين لمؤشرات بورصة البيضاء    إدارية طنجة تعزل مستشاراً جماعياً بسبب تضارب المصالح    رئيس الحكومة: إصلاح المنظومة الصحية رهان استراتيجي لمواكبة التغطية الشاملة        «مدرسة الأطلس... حين تتحول الذاكرة التربوية إلى فعل وفاء وحنين»    توزيع مساعدات طارئة على مربي الماشية والأسر بمنطقة الحوافات في سيدي قاسم    صدور كتاب نقدي جديد حول أنثروبولوجيا السرد الروائي بالمغرب للباحث والروائي أحمد بن شريف    النسخة الثانية لملتقى النحت والخزف بالدار البيضاء    في وداع الهرم الشفشاوني «سيدي العياشي الشليح»    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟        صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    الملء يناهز 86% بسد محمد الخامس    جيسوس يعلّق مستقبله مع النصر على قرار رونالدو    الوداد الرياضي يشكر "نايروبي يونايتد"    بمشاركة 13 مصمما بارزا.. الكشف عن القائمة الرسمية ل "أسبوع القفطان 2026"    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    منظمة الصحة العالمية تستأنف برامج التطعيم ضد الكوليرا    العواصف والشدائد والمحن والمخاوف ومنسوب الإيمان لدى المغاربة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة        دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ضرورة تنزيل سياسة جنائية فعالة
نشر في العمق المغربي يوم 13 - 10 - 2019

بعد أن استقالت النيابة العامة عن سلطة وزير العدل , أصبح موضوع السياسة الجنائية يستدعي توضيحا لاستجلاء الغموض الذي يكتنفه و يحتم فتح نقاش عميق و موسع نظرا للدور المنوط بالسياسة الجنائية في مواكبة تطور الجريمة و الاختلالات التي تلاحظ على العدالة الجنائية، وكذا ما تعلق بالمستجدات الطارئة على الساحة القانونية بعد تنزيل الدستور الأخير وما تلته من قوانين تنظيمية..
فالسياسة الجنائية باعتبارها أداة الدولة للتصدي للجريمة والوقاية منها وتتبع آثارها , هي علم و فن يسمح بتنزيل قوانين ملائمة تعتمد على استراتيجيات تهدف إلى التقليل من معدلات الجريمة و تعمل على مواجهة السلوك المنحرف وتتوخى خططا لرعاية ضحايا الجريمة. و هي بذلك شان مجتمعي يهم الجميع . فهي شأن رجل القانون وعالم الاجتماع والمختص في علم الإجرام والاقتصادي وغيرهم من المختصين..
إن أهمية السياسة الجنائية تكمن في الأهداف التي ترمي الدولة إلى تحقيقها من قبيل حماية المواطن و سكينته و ضمان احترام حقوق الإنسان و حماية الحريات و تحقيق شروط المحاكمة العادلة وحماية الفئات الهشة لا سيما الأطفال و النساء و مكافحة الجريمة بكافة أشكالها ومراقبة ظاهرة الإجرام ووضع خطط للتصدي لها و الوقاية منها مع ترشيد الاعتقال الاحتياطي و إحداث و تطبيق بدائل للعقوبات السالبة للحرية .
و تجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي عرف أول مجموعة للقانون الجنائي بداية ستينيات القرن الماضي , في غياب تام لنقاش علمي باعتبارها نصوص جاهزة أتى بها المستعمر استنادا للدراسات التي تخدم مصالحه آنذاك و تبنى المشرع أغلب نصوصها غداة الاستقلال , و هو ما عرضه لسلسلة من التعديلات أملتها التزامات المغرب الدولية و بروز جرائم جديدة , و رغم ذلك و في ظل غياب سياسة جنائية واضحة و فعالة تصاعدت مستويات الجريمة نتيجة التركيز على الجاني و التشديد في العقاب و الإفراط في التجريم و العقاب على حساب الجانب الوقائي , أدى ذلك إلى ارتفاع نسبة الاعتقال الاحتياطي السبب المباشر في اكتظاظ المؤسسات السجنية و الإصلاحية هذه الآفة التي تشكل برهانا على وجود خلل مستفحل في سياستنا الجنائية لم تنفع معه التدابير الكثيرة المتخذة لمواجهته و هو ما يحتم البحث عن حلول في صلب السياسة الجنائية .¬
و إذا كان من بد لتشخيص واقع عدالتنا الجنائية , فيمكن تلخيصهافي: تضخم العدالة الجنائية , البطء, تعقد المساطر , نقص الشفافية , الرشوة و المحسوبية , ضعف التأطير , انعدام الأمن القضائي , التعامل الآلي مع النصوص , ضعف و قدم الإدارة القضائية , قدم المنظومة القضائية , ضعف تواصل أجهزة العدالة مع المتقاضين و الرأي العام , نقص الإمكانيات ,عدم تأهيل مهن العدالة الجنائية و معضلة التبليغ و التنفيذ .- مجلة الشؤون الجنائية العدد الثاني أكتوبر 2012 الصفحات من 71 إلى 93 ” –
إنالمستجد الذي يهم العدالة الجنائية والمتعلق باستقلال النيابة العامة عن وزير العدل,لا يمكن اعتباره ترفا تشريعيا أو غاية في حد ذاته بل هو منحى أقدم عليه المشرع المغربي يكاد يكون فريدا في تفاصيلهاختلف فيه مع مصدره التاريخي الذي هو القانون الفرنسي الذي عرف النيابة العامة منذ القرن الثاني عشر و مع ذلك بقي وفيا لمبدأ تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية رغم مروره بالثورة الفرنسية والتي أقرتتبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية بالرغم من طغيان أفكار منظري عهد الأنوار و مبدأ فصل السلط آنذاك من أمثال مونتيسكيوه ,جون لوك , هوبز و غيرهم .بل إن المشرع المغربي خالف في منحاه الأنظمة المتطورة في هذا الصدد التي أبقت على تبعية النيابة العامة لسلطة وزير العدل لضرورة تحقيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة .
– فما هو موقعالسياسة الجنائية في هذا المنحى الذي اختاره المشرع ؟
إن النيابة العامة باعتبارها أداة الدولة لتنفيذ السياسة الجنائية تباشر سلطة الاتهام في الدعوى الجنائية مطوقة بمبدأي المشروعية و الملاءمة. أيحرية اختيار القرار الذي تعتبره ملائما تماشيا مع السياسة الجنائية المقررة من قبل الدولة.وعلى هذا الأساس يكون من المشروع طرح السؤال التالي :
ماذا أعددنا من سياسة جنائية تسمح بمراقبة النيابة العامة و هي تمارس حريتها في إعمال مبدأ الملاءمة ضمانا لحقوق الفرد و الجماعة ؟
إن مشروعية السؤال تكمن في السلطات الواسعة التي تتوفر عليها النيابة العامة من اعتقال و تفتيش و حجز و غير ذلك . وحتى الوقت الحاضر لم يتم تناول موضوع السياسة الجنائية بالرغم من أهمية الموضوع و هي وضعية غير عادية يتعين معالجتها ما دام أن النيابة العامة تباشر مهامها في استقلالية تامة منذ مدة . كما أن قراري المجلس الدستوري المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و القانون الأساسي للقضاة باعتبارهما قانونين تنظيميين لم يزيحا الغموض الذي يكتنف موضوع السياسة الجنائية .
فبالرجوع إلى قراري المجلس الدستوري 991/16 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و 992/16 المتعلق بالقانون الأساسي للقضاة نجدهما قد تطرقا للسياسة الجنائية في إطار تأكيد دستورية منحى استقلال النيابة العامة عن سلطة وزير العدل ,فنجد أن تعليل القرار 992/16 على الفصل 25 من النظام الأساسي للقضاة الذي جعل النيابة العامة تحت سلطة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقضينص على:” أن صلاحية وضع السياسة الجنائية التي تعد جزءا من السياسات العمومية، من خلال سن قواعد وقائية وزجرية لمكافحة الجريمة ، حماية للنظام العمومي وصيانة لسلامة الأشخاص وممتلكاتهم وحرياتهم ، وكذا تحديد الكيفيات والشروط القانونية لممارسة قضاة النيابة لمهامهم تظل من الصلاحيات المخولة إلى السلطة التشريعية التي يعود إليها أيضا تقييم هذه السياسة طبقا للدستور . و أنه تأسيسا على كل ما سبق بيانه واعتبارالكون عمل النيابة العامة يعد دستوريا عملا قضائيا ، ومع مراعاة الصلاحيات المخولة للسلطات الدستورية المختصة في وضع ومراجعة السياسة الجنائية على ضوء الممارسة، فإن رئاسة النيابة العامة – التي يعد قضاتها جزءا من السلطة القضائية – لا يمكن إسنادها إلى هذه السلطة ، مما يكون معه ما تضمنه الفصل 25 ¬¬المذكور حين وضع قضاة النيابة العامة تحت سلطة مراقبة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض مطابقا للدستور “.
إلا أن ما يلاحظ على التعليل المذكور أنه خرج عن القواعد المتعارف عليها حينما اعتبر أن السياسة الجنائية إسوة بالسياسة العمومية تبقى حكرا على السلطة التشريعية في حين أن السياسة الجنائية هي أيضا شأن الحكومة إعمالا للفصل 49 من الدستور الذي ينص على : ” يتداول المجلس الوزاري في التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة ” , كما أن السياسة الجنائية يمكن سنها من خلال دوريات , تصريح حكومي , مناشير … فالحكومة هي المؤهلة لمعرفة الحاجيات الأمنية التي لا يمكن أن تنتظر سن نصوص قانونية عن طريق السلطة التشريعية بالطريقة التقليدية لما لها من إمكانيات لوجستيكية , إحصاءات , معرفة الحاجيات و غيرها و في تقديري أن الصياغة لم تكن سليمة .
و نفس الشيء يسري على القرار 991/16 علاقةبالفصل 110 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي نص على أن : ” المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتلقى من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض تقارير حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة قبل عرضه و مناقشته أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان ” و قد علل المجلس الدستوري قرارهبالتالي :” لئن كان الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، المعهود إليه بترؤس النيابة العامة، يظل مسؤولا عن كيفية تنفيذه للسياسة الجنائية، وذلك أساسا أمام السلطة التي عينته المتمثلة في رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذا أمام هذا المجلس الذي يتعين عليه أن يقدم له تقارير دورية بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، فإن المشرع، باعتباره المختص بوضع السياسة الجنائية، يحق له تتبع كيفية تنفيذ هذه السياسة قصد تعديل المقتضيات المتعلقة بها وتطويرها إذا اقتضى الأمر ذلك .و أن التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، المنصوص عليها في الفصل 113 من الدستور، بما في ذلك تقارير الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، تعد تقارير تهم الشأن العام القضائي التي يجوز للجميع، لا سيما البرلمان، تدارسها والأخذ بما قد يرد فيها من توصيات، مع مراعاة مبدأ فصل السلط والاحترام الواجب للسلطة القضائية المستقلة . وأن المادة 110 المذكورة، ما دامت لا تشترط عرض الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لتقاريره المتعلقة بتنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة ولا حضوره لدى مناقشتها أماماللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان، فليس فيها ما يخالف الدستور.”
فالقرار المذكور كرس أيضا احتكار السلطة التشريعية لصلاحية وضع السياسة الجنائية في الوقت الذي ترك بعض التساؤلات مطروحة من قبيل أن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ينفذ السياسة الجنائية التي تضعها الحكومة , و عوض أن يحاسب أمام السلطة التشريعية التي هي سلطة رقابة دستورية يقتصر على مناقشة تقريره داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية و هو منطق يبدو غريبا و به مساس بصلاحيات الحكومة و البرلمان .
إن السياسة الجنائية في ظل نيابة عامة مستقلة عن وزير العدل جديرة بتوضيح أسسها و تتبع مسارها و إيلائها العناية التي تستحقها تفاديا لأي انزلاقبغية بناء صرح عدالة مطمئنة و أمن قانوني و قضائي. و أن قصر مدة التجربة لا يمنع من تقييمها عن طريق الاستماع إلى نبض المجتمع و معرفة ردود فعهحيال ما تم الإقدام عليهمع إشراك كافة الفاعلين في العملية.و لم لا نجعل النيابة العامة مؤسسة محبوبة !كما وصفها مونتيسكيوه .
حسن مزوزي محام و باحث في القانون


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.