تكسير 21 سيارة والإعتداء على شرطي بساطور بالدار البيضاء    بالصور.. "عروبي في مريكان" يعانق الحرية    هل الكتابة ترف فكري أم سلطة ضرورية؟    نريد صياما حقيقيا لا صيامٍ البطن والأعضاء التناسلية    هكذا أفهم الصيام    تتميز بحدوث نزيف في الأنف والحنجرة.. خصوصيات السلالة الهندية وسبل الوقاية منها    الضرائب غير المسددة سنة 2020: الغاء الغرامات و الزيادات و تكاليف التحصيل    "نساء يرتبن فوضى النهار" جديد الشاعر الفلسطيني نمر سعدي    نائب برلماني أوروبي يكتب: "غالي-غيت.. لا شيء يمكنه تبرير الإفلات من العقاب"    وزير خارجية صربيا: نساند الوحدة الترابية للمغرب.. ومبادرة الحكم الذاتي حل جاد وذو مصداقية    إسلاميات… تقرير الحالة الدينية في المغرب (2018 2020): المؤسسات الدينية (1/3)    طقس الخميس.. سحب منخفضة مع نزول أمطار بهذه المناطق    السلات الأميركي تتخذ قرارا هاما بشأن براءات اختراع لقاحات كورونا    "البام" يتقدم بمقترح قانون للجنة العدل من أجل العفو عن مزارعي القنب الهندي    المحكمة الإسبانية العليا تنفي استدعاء زعيم جبهة البولساريو الانفصالية    برقية تعزية ومواساة من الملك إلى أفراد أسرة المرحوم البشير بن يحمد مؤسس مجلة "جون أفريك"    ورشات تكوينية لفائدة النوادي السينمائية المدرسية    رواية (أدركها النّسيان) لسناء الشّعلان في رسالة ماستر في الجزائر    ميناء الناظور غرب المتوسط مشروع ضخم سيعطي دفعة قوية للتنمية بجهة الشرق    الجيش الملكي يطيح بالرجاء ويعبر لنصف نهائي كأس العرش    الجيش الأميركي: الصاروخ الصيني سيعود بشكل خارج عن السيطرة    البنزرتي: مباريات الكأس لا تتحمل الخطأ.. وبنهاشم: تفاصيل صغيرة تسببت لنا في هزيمة قاسية    واقع الصحافيين والصحافيات من خلال دراسة للمجلس الوطني للصحافة    أوبو تطلق هاتفها الذكي A54 الجديد    محنة الفراغ لدى "ريجولاريس"    تاريخ العلاقات المغربية الإيرانية    مانسوري تجري تعديلات على فيراري F8 Tributo    بولستار توسع عائلة Polestar 2    بين العقل والخبل    الوداد الرياضي يعبر إلى نصف نهاية كأس العرش    تويلف ساوث تطلق الشاحن Forté الجديد لآيفون 12    تياغو سيلفا: "كنت حزينا بعد إقصاء سان جيرمان والآن أنا سعيد مع تشيلسي.. هم من قرروا التخلي عني وعن توخيل"    نبيل الجاي: قلت #هنيونا للقنوات وأزلتها من بيتي !    بسبب "كورونا".. دول تعلن تشديد إجراءات "العيد" ومغاربة متخوفون    واش هادا هو البرنامج الإنتخابي ديالهم؟. العثماني وزعماء المعارضة باغين التلفزة لمهاجمة حزب الحمامة    بشرى سارة : الدفعة الثانية من لقاحات كورونا المقدمة في إطار مبادرة "كوفاكس" تصل المغرب.    فرنسا.. 244 وفاة و26000 إصابة جديدة بفيروس كورونا في ال24 ساعة الأخيرة    الغازي يكتب: فاز اليمين وفاز الشباب في جهة مدريد    ضربات الترجيح تؤهل الجيش لنصف نهائي كأس العرش على حساب الرجاء    ضربات الحظ تؤهل الجيش الملكي لنصف نهائي كأس العرش على حساب الرجاء    كورونا تقلص الاستثمارات الأجنبية نحو المغرب ب 32 % ; الأونكتاد: آثار الجائحة على الاستثمار العالمي ستستمر طيلة 2021    طنجة : تنظيم أبواب مفتوحة لفائدة الشباب حاملي المشاريع    الأوقاف المصرية تحدد مدة تكبيرات العيد والخطبة    33 ورشا إصلاحيا ضمن السياسة الوطنية لتحسين مناخ الأعمال للفترة 2021-2025    محمد رفعات .. فنان بصم بعطاءاته المشهد الثقافي والفني بالحسيمة    الوداد يقسو على شباب المحمدية برباعية ويتأهل لنصف نهائي كأس العرش    أخصائية تغذية تكشف عن خمس عادات سيئة تمنعك من خسارة الوزن    بوجدور.. مركز خبرة الصحراء للتوثيق والدراسات يكرم مسؤوليّ الإدارة الترابية    اكتشاف أقدم قبر في إفريقيا يعود إلى 78 ألف سنة    نشطاء بتيزنيت يحتجّون على اعتقال ومحاكمة مدير موقع محلي (صور)    مرة أخرى كانتي ينال جائزة "رجل المباراة".. نجم تشيلسي كان "الأفضل" ذهابا وإيابا ضد ريال مدريد    للمرة الثانية.. السعودية تدرس قرار منع أداء مناسك الحج    محمد بوطعام ... ضمير تزنيت الذي يقضي ليلته الثانية في السجن بأمعاء خاوية    توقيف صاحب محل ضواحي الناظور يبيع مواد غذائية تشكل خطرا على الصحة العامة    مقتل شاب فلسطيني برصاص قوات الجيش الإسرائيلي    وزير خارجية صربيا: المبادرة المغربية للحكم الذاتي حل جاد وذو مصداقية    صفرو .. فيضانات تتسبب في انهيار قنطرة وعزل سكان جماعتي رباط الخير وأدرج (فيديو)    المجلس العلمي الأعلى يكشف عن مقدار زكاة الفطر المقرر لهذه السنة!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





"الكونتانيك"
نشر في العمق المغربي يوم 20 - 04 - 2021

قد يتسائل العديد عن معنى العنوان الغريب أعلاه. وإذا وقع هذا التسائل فهذا هو بيت القصيد. هذه الكلمة المستفزة تحمل حلمين إستمرا في الزمان ولو اختلف المكان. ارتطم الحلم الأول بعناد صخور الواقع الجليدية، واستطرد الحلم الثاني الذي عرف اصراره كيف يروض المستحيل حتى تمكن بفضل عزيمته من تطويع شكاسة العوائق ليصبح حقيقة وإنجازا تاريخيا باهرا.
الكلمة هي مزج بين حلمين: التيطانيك (Titanic) والكون تيكي (Kon-Tiki). الأول يرمز إلى الشموخ والعظمة, كونه أحد أضخم الأجسام المتحركة التي أبدعها الإنسان في ذاك الزمان، والثاني مجرد مركبة بدائية أو ما يعرف بالطَّوْفُ بحيث تشد العيدان فيما بينها لتبحر فوق الماء. فكان السباق نحو نفس الحلم أي الوصول إلى الوجهة المقصودة عند الإبحار الأول. وكأنه صراع تتحدى فيه العظمة خيار البساطة.
كلا الحلمين استحضرهتهما السينما العالمية من خلال عمل فني رائد للمخرج الكندي الشهير James Cameron سنة 1997 في فلمه الذائع الصيت (التيتانيك)، تلاه عمل سينيمائي آخر للمخرجان النرويجيان Espen Sandberg و Joachim Ronning سنة 2012 بعنوان, (كون تيكي) رغم أنه، و للمفارقة، لم يحظ بنفس التتويج الذي حظي به التيتانيك رغم انتصار الحلم في البساطة على الحلم في العظمة.
شيدت سفينة التيتانيك في مدينة بلفاست الإرلندية سنة 1912 على يد خبراء الشركة العالمية White Star Line المتخصصة في صناعة السفن بعد فوزها بالصفقة ضمن مجموعة من الشركات العملاقة المتنافسة. استغرق صنع السفينة عامين من الزمن بكلفة فاقت سبعة مليون ونصف دولار. وخلال حفل تدشينها، ثم تقديم السفينة على أنها إبداع غير مسبوق. بحيث يضم هذا الجسم العملاق المتحرك ست عشرة مقصورة بأبواب قابلة للإغلاق ومانعة لدخول الماء. مما يجعل من التيتانيك، حسب زعم مصمميه، سفينة غير قابلة للغرق.
وحسب أرشيف الشركة المصممة فإن أول إبحار للسفينة كان يوم 10 أبريل سنة 1912، في رحلة من لندن إلى نيويورك. لتنتهي خدمة الباخرة العملاقة يوم 14 ابريل 1912، بعد أن اصطدمت بجبل جليدي تسبب في غرقها بالكامل ساعات قليلة بعد منتصف الليل.
اعتبر غرق التيتانيك من أشهر المآسي الذي عرفه التاريخ الحديث. بحيث ظلت المأساة حاضرة عبر الزمن ملهمة العديد من الأعمال الفنية والموسيقية والروائية والسينيمائية.
وعلى الرغم من النهاية التراجيدية للتيتانيك، فإن ذلك لم ينل من عزيمة عالم الانتروبولوجيا وعالم الآثار، المستكشف والمغامر النرويجي Thor Heyerdahl، لتحقيق حلم ظل يراوده لزمن طويل. حتى فاق إصراره المجازفة وأوشك على الحمق.
قضى العالم والمغامر ثور حياته مهووسا بفكرة واحدة: الحضارات القديمة انتشرت عبر رحلات بحرية عبر المحيطات والبحار. وهي الفكرة التي ستتعمق في ذهن العالم أكثر خلال رحلة له رفقة زوجته بجزر الماركيز ببولينيزيا. حيث صادف ثور رجلا عجوزا أخبره أن "كون-تيكي"، (فيراكوتشا) بالإسبانية، وهو إله الشمس في أساطير "الإنكا" وما قبل "الإنكا" في منطقة الأنديز في أمريكا الجنوبية، هو الذي أحضر أجداده إلى تلك الجزر. كان فيراكوتشا من أهم الآلهة في معابد آلهة الإنكا وإرتبط إسمه إرتباطًا وثيقًا بالبحر.
لم يكن كلام العجوز مجرد هديان بالنسبة لعالم آثار من حجم ثور. فهناك بالفعل تشابه ملغز ومحير بين التماثيل الصخرية للإله "كون-تيكي" بالجزيرة وبقايا التماثيل الحجرية عند الإنكا في أمريكا الجنوبية. ما يشد الأنفاس أيضا هو أن عاصمة إمبراطورية الإنكا (كوزكو) الواقعة بالبيرو اشتهرت بعبادة الشمس وأطلق عليها إسم "مدينة الشمس المقدسة". وهي المدينة التي تحتضن "قمة الجبل القديمة" أو (الماتشو بيتشو)، بلغة الإنكا، إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة.
كلها بيانات ومؤشرات زادت من فضول ثور. وزاد معه إصراره على تعقب سر التشابه والتطابق بين حضارة سكان بولينيزيا، بجزر جنوب المحيط الهادي، وحضارات أخرى أبرزها حضارة "الإنكا". بل الأدهى من ذلك انتشار اللغة البولينيزية بين شعوب تفصل بينها مسافات شاسعة من البحار والمحيطات. فكيف حصل ذلك؟ وفي أي زمان؟ وما تفسيره؟ وكيف يمكن إثباته؟
عرض ثور نظريته على كبار علماء الأجناس والأعراق الأمريكيين لكنهم قابلوه بالسخرية والإستهزاء وخاطبه هيربرت سبيدن، عالم الانتروبولوجيا وعالم الآثار والمؤرخ الأمريكي الشهير ورئيس الرابطة الأمريكية للأنتروبولوجيا، ساخرا: "ما عليك إلا أن تجرب الإبحار بنفسك من البيرو إلى جزر المحيط الهادي على متن طوافة من شجر البلسا".
قبل ثور التحدي، وعمل "بنصيحة" العالم الأمريكي وشرع في بناء الطوافة مستخدما خشب البلسا المعروف محليا. وهو رغم كونه أخف أنواع الخشب، إلا أنه أكثره صلابة. أطلقت طوافة البلسا العنان لأشرعها البدائية، وعلى متنها خمس رجال نهاية شهر أبريل سنة 1947، وهو للإشارة نفس الشهر الذي عرف نهاية التيتانيك، مبحرة من ميناء "كالاو" البيروفية نحو أرخبيل بولونيزيا. وطبعا لحقت السخرية والتشكيك طوافة ثور، وأجمع العلماء آنذاك على حتمية غرقها في أقل من أسبوعين، على أبعد تقدير.
وعكس كل التوقعات، ورغم الصعوبات والمخاطر التي ظلت تحوم حول الكون-تيكي خلال إبحاره عرض المحيط الهادي، إلا أنه استطاع الصمود مدة 101 يوما أي ما يقارب ثلاثة أشهر ونصف، وقطع مسافة 8000 كلم حتى وصوله إلى الأرخبيل االبولينيزي وعلى متنه أفراد الطاقم الخمسة. متحديا العواصف الهوجاء، وتربص أوابد الحيتان وكل مالم يكن في الحسبان.
بلغ الكون-تيكي بر الأمان، وغرق التيتانيك مفندا كل إطمئنان. حلم عانق السماء ونسي مخاطر الماء. وحلم زهد في العظمة فزاد قدرا ومكانة. فهل هي سخرية القدر، أم دروس وعبر للبشر.
لم يبق من التيطانيك سوى حطام يرقد في أعماق شمال المحيط، فيما تربع الكون-تيكي على عرش متحف يحمل إسمه بالعاصمة النرويجية أوسلو. بشكله البدائي لكن بشموخه اللامتناهي.
وانتصر ثور لنظريته المبنية على افتراض أن شعوبا في القدم سخرت الرياح التجارية للإبحار من البيرو إلى جزيرة أيستر "Île de Pâques" ليصبحوا بذلك مستوطنيها الأوائل. فيما واصل البولينيزيون زحفهم وتمكنوا من استعمار كل من نيوزيلاندا، هاواي وجزيرة أيستر نفسها.
ساق التاريخ نماذج لأوهام وجنون العظمة جسدت كبرياء واستعلاء الإنسان من أبراجه العالية منذ غابر الزمان من برج بابل (باب السماء) إلى أبراج مركز التجارة العالمي ببلاد العم سام. شموخ وعظمة تبخرت واندثرت، ونسي التاريخ الحلم لكنه دون الحكمة.
الكونتانيك درس يذكرنا بأن الخيارات المعقدة تحرمنا من السيطرة على الحياة. فالبساطة، كما تذكر بذلك الحكمة، أعمق من التعقيد، وعندما نصل إلى عمق معنى كلمة النجاح نجد أنها ببساطة تعني الإصرار. وبالإصرار تحقق المعجزات. فقط في زمننا ليست المعجزة هي القدرة على الطيران في السماء، أو المشي فوق الماء، وإنما المعجزة اليوم هي القدرة على المشي فوق الأرض. فهل أقدامنا متبثة إلى الأرض بما يكفي لنعاين الواقع ولنحقق المعجزة بهذا المفهوم البسيط؟
لكم التعليق
* محمد أوزين برلماني ووزير سابق


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.