الملك يؤدي صلاة العيد بمسجد أهل فاس بالرباط    عاهل الأردن يبرق بتهنئة إلى الرباط    توقيف شخص اعتدى بال.سلاح الأ.بيض على ثلاثة أشخاص بالقصر الكبير    مطار مراكش المنارة يتوج بجائزة أفضل مطار جهوي في إفريقيا    الجمعة أول أيام عيد الفطر وفاتح شوال في المملكة    رئيس الحكومة يحدد توجهات البرمجة الميزانياتية للفترة (2027-2029)    وكالة السلامة الطرقية توصي بالحذر    الانتماء بعد الحدود    تأجيل جلسة محاكمة فنان الراب "الحاصل" إلى 26 مارس    الملك يعفو عن 1201 شخصا بمناسبة عيد الفطر    مصرع عامل داخل مقلع للأحجار بضواحي تطوان في حادث مأساوي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    السردية الوطنية في النقاش العمومي    الاتحاد السنغالي للكرة: استلمنا الكأس والميداليات.. والتتويج "قضية مغلقة"    تداولات بورصة البيضاء تنتهي سلبية    محمد وهبي يغير جلد المنتخب الوطني ويؤكد فتح صفحة جديدة    القصر الكبير.. توقيف شخص للاشتباه في تورطه في محاولة القتل العمد والضرب والجرح بواسطة السلاح الأبيض    موتسيبي ينفي المعاملة التفضيلية ويعتبر قرارات الهيئات القضائية للكاف عادلة ونزيهة    الصيادلة يحتجون أمام مجلس المنافسة    6 دول مستعدة لتأمين مضيق هرمز    اتفاقية تعزز مجال "الأملاك الوقفية"    الحكومة تقوي منظومة الأدوية الوطنية    "البوليساريو" والجزائر في الميزان الأمني الأمريكي    رحيل أبي العزم .. "صانع المعاجم" وازن بين البحث العلمي والعمل السياسي    استثناء مغربي جديد، ملعب «كرة القلم!»    حجز وإتلاف 602 طنا من المواد غير الصالحة للاستهلاك خلال رمضان    حَنَّ    الحكومة تصادق على ثلاثة مراسيم جديدة تهم القطاع الصحي    تعيينات جديدة في مناصب عليا خلال المجلس الحكومي    ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 35% بعد الهجوم الإيراني على راس لفان في قطر    الصمود ‬الاقتصادي ‬قرين ‬الصمود ‬السياسي    نقابة تعليمية تندد بضغوط مهنية داخل "مؤسسات الريادة" بجهة سوس ماسة وتدعو لتدخل عاجل    رابطة الرياضيين الاستقلاليين تتفاعل مع القرار التاريخي للجنة الاستئناف ب"الكاف"    عابر كلمات.. "سيرة الألم من الذات إلى العالم"    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    هيئة مغربية تدعو لوقفات احتجاجية بمختلف المدن في "جمعة الأقصى"    صور تكشف كلفة التصعيد العسكري    لجنة البطاقة الفنية تنهي دراسة الطلبات المودعة الى غاية 31 دجنبر الماضي    ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 35% عقب هجوم على منشأة طاقة في قطر        الإمارات ترفض شائعات تقييد الأموال    خطة صينية لتحديث محطات الطاقة الكهرومائية بحلول 2035    ليالي أوروبية مشتعلة ترسم ملامح الكبار.. قمم نارية تشتعل في ربع نهائي دوري الأبطال        ضيعات سوسية تجرد خسائر عاصفة    وزير خارجية عُمان: أمريكا أخطأت بتورطها في حرب "غير شرعية".. والاعتماد على المظلة الأمريكية أصبح نقطة ضعف لأمن الخليج    ظل الأفعى    الحسيمة .. صيد "القرش المتشمس" يثير أسئلة علمية حول تحولات البحر المتوسط    قصف "المركز الثقافي للكتاب ببيروت"    رسميا.. تحديد مقدار زكاة الفطر بالمغرب لهذه السنة    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جنين.. أيقونة الصمود والتحدي
نشر في العمق المغربي يوم 09 - 07 - 2023


تقديم:
لقد أعادت الحرب الأخيرة التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على مخيم جنين تحت اسم " الحديقة والمنزل " المخيم والمقاومة إلى واجهة المشهد المحلي و الدولي خاصة مع توالي الأحداث والمواجهات التي عرفها المخيم خلال السنوات الأخيرة، وبات من خلالها نموذجا فريدا فيما يتعلق بالمقاومة الفلسطينية الموحدة في الضفة الغربية حاليا، من ناحية التنظيم و تصنيع العبوات الناسفة والإعلان عن البدء في إجراء التجارب الأولية على إطلاق الصواريخ، الأمر الذي أصبح حالة استثناء في الضفة التي جرت العادة أن ترتهن لحسابات السلطة الفلسطينية وتفاهماتها مع سلطة الاحتلال.
جنين التاريخ:
تعتبر جنين أكبر مدن محافظة جنين، وتقع شمال الضفة الغربية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتبعد المدينة مسافة 75 كيلومترا عن القدس من ناحية الشمال، وتطل على غور الأردن من ناحية الشرق، وتقع على السفح الشمالي لجبال نابلس على الجانب المطل على مرج بن عامر، وهي مدينة قديمة أسسها الكنعانيون، وقد دخلت تحت الحكم العثماني في القرن السادس عشر، ثم الحكم المصري لفترة وجيزة خلال القرن التاسع عشر، بعد أن نجح إبراهيم باشا ابن والي مصر محمد علي باشا في طرد العثمانيين منها.
وفي القرن العشرين، خضعت المدينة للانتداب البريطاني، ثم غادرها الإنجليز في سنة 1948، وهي السنة ذاتها التي شهدت قيام (دولة إسرائيل)، أما في سنة 1949، آلت المدينة إلى حكم الإدارة الأردنية، ودخلت هي وباقي أنحاء الضفة الغربية في اتحاد مع المملكة الأردنية الهاشمية، وفي سنة 1964، أصبحت مركزا للواء جنين التابع لمحافظة نابلس، وبقيت المدينة تحت الحكم الأردني حتى احتلالها من قبل إسرائيل خلال حرب عام 1967، وقد استمر الوضع حتى سنة 1995، عندما خضعت مدينة جنين لإدارة السلطة الفلسطينية التي تأسست عام 1994 بموجب اتفاق غزة- أريحا، لتصبح المدينة منذ ذلك الحين مركزا لمحافظة جنين.
أما مخيم جنين فقد تأسس سنة 1953 ضمن حدود بلدية جنين، ويقع حاليا ضمن مساحة من الأرض تبلغ 0.42 كم مربع، وينحدر سكان المخيم من منطقة الكرمل في حيفا وجبال الكرمل، وكان الغرض من إنشائه هو إيواء الفلسطينيين الذين نزحوا خلال الحرب التي استمرت منذ سنة 1948 إلى 1949 في أعقاب إعلان قيام (دولة إسرائيل).
ووفقا لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فإن عدد سكان المخيم يبلغ 14000 نسمة في الوقت الحالي، يعيشون في تلك المساحة الصغيرة التي تقل عن نصف كيلومتر مربع، حيث يعمل العديد من سكان المخيم في القطاع الزراعي بالمناطق المحيطة بجنين، ويعاني المخيم من نسبة مرتفعة للغاية من البطالة.
جنين التحدي :
شهد مخيم جنين الكثير من المواجهات المسلحة ضد سلطات الاحتلال، مثله مثل باقي الأراضي الفلسطينية، خلال الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى سنة 1987 والثانية سنة 2000، وقد كان الحدث الأبرز للمخيم هو حصار القوات الإسرائيلية له في أبريل من سنة 2002، والذي وصفه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ب "جنين غراد"، نسبة إلى حصار مدينة ستالينغراد الروسية التي صمدت أمام الحصار الألماني الطويل لها خلال الحرب العالمية الثانية.
وبعد سلسلة من التفجيرات التي نفذها فلسطينيون – العديد منهم من جنين – داخل إسرائيل، شنت القوات الإسرائيلية اجتياحا شاملا فيما عرف ب "معركة جنين"، مما أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 52 فلسطيني خلال معركة دامت زهاء العشرة أيام .
وفي سنة 2022، شهدت مدينة جنين ومخيمها حملات عسكرية إسرائيلية متكررة بدعوى أن عددا من القتلى في صفوف الإسرائيليين قد تم استهدافهم من عناصر من داخل المخيم ، لتكون المدينة ومخيمها وقراها أحد الأهداف الرئيسية لعملية "كاسر الأمواج" التي أطلقتها إسرائيل في بداية أبريل 2022 بعد سلسلة هجمات نفّذها فلسطينيون في إسرائيل والضفة الغربية، وقالت إن هدفها هو منع وقوع عمليات فلسطينية مسلحة واعتقال من يخططون لتنفيذها.
وبالرجوع إلى المعركة الأخيرة في جنين، نجد المقاومة قد أعادت إلى الأذهان الهزيمة التي مني بها الجنرال شارون وقواته العسكرية وأجبرته على الانسحاب من القطاع بالقوة سنة 2005، وتفكيك مستوطناته والهروب خائبا خاسرا يجر أذيال الهزيمة .
لقد قدم شباب جنين الشجعان صورة ناصعة في تحدي جيش الاحتلال الذي حاصر واقتحم المخيم بترسانة عسكرية ضخمة ضد مخيم مساحته صغيرة جدا، فتمكنوا من إسقاط أربع طائرات مسيرة وألحقوا خسائر كبيرة في صفوف الجيش المدرع المحمي بالمسيرات والطائرات العمودية، والذي حرص على منع الصحفيين من نقل وقائع المعركة وتبيان حجم الخسائر في صفوفه باستثناء بعض المقاطع المصورة بالهاتف .
ويبقى أهم انتصار للمقاومة في جنين هو إلحاق خسائر معنوية ونفسية في صفوف الجنود والمستوطنين وقادة الكيان المحتل، باعثين الأمل في صفوف شباب الأمة العربية والإسلامية، واليقين في نصر الله تعالى متى تحققت شروطه في إعداد العدة والأخذ بالأسباب والتوكل على الله الواحد القهار .
جنين المستقبل :
أسست معركة جنين الأخيرة، والملحمة التي سطرتها المقاومة متحدة بجنين لمعادلة المستقبل في أي مواجهة محتملة مع الكيان المحتل، ولعل أبرز ملامح هذه المعادلة :
أولا: فرضت المعركة الأخيرة على المحتل الانسحاب والتراجع أمام صمود المقاومة، فكما انسحب المحتل تحت ضربات المقاومة من قطاع غزة، ها هي اليوم المعادلة تنتقل للضفة الغربية التي عجز من خلال 48 ساعة من اقتحام المخيم بشكل كامل، والأخطر هو ما يتخوف منه قادة الاحتلال من انتقال حالة مخيم جنين لمناطق أخرى من الضفة كنموذج يحتدى به .
ثانيا: أظهرت معركة مخيم جنين من جديد معنى الوحدة الميدانية ووحدة الساحات، وهي الوحدة الفعلية التي يمكن المراهنة عليها مستقبلا في الحالة الفلسطينية، وهي التي سبق لها أن أدت مفعولها في مواجهات رمضان ومعركة سيف القدس 2021، وفي معركة الاعتكاف ببيت المقدس...
ثالثا: أثبتت الحرب الأخيرة أهمية ودور الحاضنة الشعبية للمقاومة ومساهمتها الكبيرة في تحقيق النصر، حاضنة تتطلع للمقاومة وتضع نصب أعينها تربية الشباب على الفعل المقاوم باعتباره الخيار المناسب للردع وتخويف المحتل الجبان .
رابعا: الحرب على جنين مدعاة للأنظمة العربية التي طبعت مع الكيان المجرم للعدول على هذا المسار المخزي المنبطح، كما أن التعاون العسكري والأمني والاقتصادي البغيض مع كيان الاحتلال هو شراكة فعلية في جريمته ضد الفلسطينيين العزل.
خامسا: أكدت معركة جنين بما لا يدع مجالا للشك حقيقة المجتمع الدولي بمؤسساته المفروض فيها حماية المدنيين، صمت وتواطؤ مكشوف بينه الموقف الأمريكي المنحاز لسلطات الاحتلال والذي جاء فيه بصريح النص " نحترم حقّ إسرائيل في الدّفاع عن النّفس.. لكن يتعيّن تجنّب سُقوط ضحايا من المدنيين" فعن أي مدنيين وعن أي دفاع عن النفس يتحدثون، وكذلك الموقف المخيب للآمال الذي عبرت عنه السلطة الفلسطينية والذي أدى إلى حالة الغضب الفلسطينية على قيادات فتح والسلطة الفلسطينية وجاء فيه " عدم الالتِزام بالتّفاهمات التي توصّلت إليها مع دولة الاحتِلال في العقبة وشرم الشيخ " في الوقت الذي كان فيه الشعب الفلسطيني ينتظر موقفا مشرفا وشجاعا يؤكد وقوف السلطة إلى جانب الشعب .
ختاما، يمكن القول أن جنين أسست لحالة جديدة في المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، بحيث أصبحت أيقونة المقاومة والتحدي والصمود الفلسطيني، كما أنها تجربة رائدة وجب انتقالها إلى مناطق ومخيمات أخرى في الضفة الغربية المحتلة، على اعتبار أن المخيمات تشهد تمردا أكبر على السلطة والاحتلال مقارنة بالمدن الكبرى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.