يتابع المغاربة ، بقلق بالغ ، حوادث الاختفاء المتتالية التي تمس أطفالا صغارا، أعمارهم بين سنتين وثماني سنوات، أو أكثر. آخرها حادث اختفاء الطفلة سندس ذات السنتين نواحي شفشاون، والتي لم يُعثر، رغم البحث المضني، إلا على حذائها الصغير. مشهد حذاء صغير معزول في الخلاء كاف ليزرع الرعب في قلب أي أب أو أم. وفي ظروف غامضة اختفى طفل آخر في منطقة دوار أولاد العشاب بإقليم زاكورة، ومنذ لحظة التبليغ عن اختفائه، باشرت عناصر الدرك الملكي، مدعومة بالسلطات المحلية وسكان المنطقة، عمليات تمشيط واسعة شملت المسالك الوعرة والمناطق الصحراوية والوديان المجاورة. ورغم اتساع دائرة البحث وتواصل الجهود، لم يُعثر إلى الآن على أي أثر يقود إلى مكان وجوده، ما عمّق حالة القلق والترقب في أوساط أسرته وساكنة الدوار. وفي حادثة أخرى هزت الرأي العام، كانت الطفلة هبة، وهي تلميذة قاصر بإقليم أزيلال، قد أُعلن عن اختفائها قبل أن تنتهي عمليات البحث بالعثور على جثتها في بحيرة بين الويدان بعد أيام من الغياب، إضافة إلى حالات اختفاء بالناظور والقنيطرة … اختفاء طفل واحد فاجعة تهزّ أسرة بأكملها، فما بالك بحوادث متتالية لا يفصل بينها سوى أيام معدودات؟ هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام حوادث متفرقة ومعزولة لكل واحدة أسبابها وسياقها؟ أم أن هناك خيطا ناظما يجمعها، لا نراه بعد؟ إن كان وراء هذه الاختفاءات فعل فاعل، فمن هو؟ شخص واحد؟ أم شبكة منظمة؟ ولماذا الآن بالذات؟ وهل استفحال هذه الحوادث ظرفي أم أننا أمام شيء أخطر يتشكل في الظل؟ تُطرح فرضيات كثيرة في الشارع وعلى مواقع التواصل: من يربط الأمر بالشعوذة والباحثين عن الكنوز، خاصة مع تداول خرافة "الطفل الزهري"، ومن يربطه باستغلال الأطفال في التسول، وهي ظاهرة تتفاقم في مواسم معينة، ومن يذهب أبعد من ذلك إلى سيناريوهات أكثر سوداوية: الاتجار بالبشر، الاعتداءات، أو جرائم أبشع. وبين كل هذه الاحتمالات، يبقى المؤكد شيئا واحدا: أطفال يختفون، وأسر تُترك في جحيم الانتظار. السؤال المؤلم أيضا: لماذا لا يتم العثور، في كثير من الحالات، على الأطفال رغم الإمكانيات الكبيرة التي تُسخر في عمليات البحث؟ ولماذا، إن تم العثور عليهم، يكون المصير في بعض الأحيان مأساويا؟ هل هي قسوة الطبيعة؟ أم يد بشرية امتدت إليهم؟ أسئلة مشروعة، وإجاباتها مسؤولية التحقيقات، لكن الصمت الطويل يفتح الباب واسعا أمام الإشاعة والخوف. لا يمكن إغفال أن هناك جهودا رسمية لمواجهة ظاهرة اختفاء الأطفال في المغرب، من بينها إطلاق آلية وطنية متطورة من طرف المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) في 10 مارس 2023 للتبليغ والبحث عن الأطفال المفقودين تُعرف باسم "طفلي مختفي" (Tifli Moukhtafi)، بالشراكة مع شركة Meta (مالك فيسبوك وإنستغرام وواتساب).و تعتمد هذه الآلية على نشر بلاغات الاختفاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة، إضافة إلى الإجراءات التقليدية للأمن، بهدف تعبئة أوسع للمجتمع في البحث عن الطفل المفقود. ووفق بيانات رسمية صادرة عن الأجهزة الأمنية، مكن هذا النظام منذ إطلاقه من استرجاع 124 طفلا إلى ذويهم، إذ ساهم في حل حوالي 90٪ من الحالات المبلغ عنها، وذلك بفضل سرعة الإبلاغ والتعميم الواسع للبيانات، إضافة إلى جهود التتبع والتحقيق على الأرض. هذه الأرقام تمثل حالات تم الإبلاغ عنها ضمن المنظومة الرسمية، وتُظهر أن هناك آليات حديثة تُستخدم لتعقب الأطفال المفقودين، رغم أن الإحصاءات السنوية الشاملة لجميع حالات اختفاء الأطفال في المغرب غير منشورة بشكل علني مما يجعل تقدير العدد الفعلي لجميع الحالات عبر السنوات الماضية أمرا ما زال غير متوفر بصورة رسمية واضحة للجمهور. فضلا عن إحداث الخط الوطني للمساعدة (116 111) المخصص لحماية الطفولة، وفي إطار المبادرات التشريعية صادق البرلمان على مشروع قانون لإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة لتعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات الأمنية والاجتماعية. وسط هذا الواقع، لا يمكن إعفاء الأسرة من مسؤوليتها. فعدد الأطفال الذين يلعبون وحدهم في الأزقة والدروب، سواء في المدن أو البوادي، دون مراقبة، يثير الانتباه. أطفال صغار يُتركون عرضة لكل متربص، في زمن لم يعد فيه الاطمئنان كما كان. الحيطة والحذر اليوم ضرورة لحماية أرواح هشة لا حول لها ولا قوة. كما يبرز دور جمعيات حماية الطفولة في تكثيف التوعية، ودور الإعلام في نشر التحسيس دون تهويل، ودور الأجهزة الأمنية في اتخاذ إجراءات استباقية أكثر صرامة، مع تفعيل القوانين التي تضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه إيذاء طفل أو استغلاله في ممارسات دنيئة، أيا كان شكلها. بين واقع مؤلم تفرضه هذه الحوادث، وضجيج إشاعات تغذيها مواقع تبحث عن المشاهدات، تبقى الأسر التي فقدت فلذات أكبادها أكبر المتضررين. فالفاجعة لا تمحوها الأيام، ولا تُداوى بالكلمات، بل تظل جرحا مفتوحا في الصدر، يغوص كخنجر حاد في قلب المكلومين ما دامت الحياة. حادثة سندس ليست مجرد خبر عابر، بل ناقوس خطر يدق بقوة. حماية أطفالنا مسؤولية جماعية، تبدأ من البيت ولا تنتهي عند مؤسسات الدولة. والعثور على الحقيقة في أقرب الآجال مطلب ملح، حتى يستعيد المغاربة طمأنينتهم على فلذات أكبادهم...