لم يعد الحديث عن اختلالات المداومة العمومية مجرد شكايات معزولة أو انطباعات عابرة، بل تحوّل إلى هاجس يومي يؤرق فئات واسعة من المواطنين، ممن تضطرهم الظروف الصحية أو الأمنية إلى طرق أبواب المرافق العمومية في ساعات الليل أو خلال العطل ونهايات الأسبوع. لم يعد النقاش حديث مجالس مغلقة أو شكايات فردية تُروى على استحياء، بل أصبح موضوعًا عموميًا بامتياز، يتكرر في البيوت، وفي وسائل النقل، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، كلما اضطرت أسرة إلى التوجه نحو مستشفى عمومي ليلاً، أو قصدت مصلحة أمنية في ساعة متأخرة، أو وجدت نفسها أمام باب إدارة يفترض أنها في (المداومة) لكنها في الواقع غائبة عن الخدمة.
مواطن لا يختار توقيت المرض، ولا يبرمج الحوادث، ولا يقرر متى يقع الاعتداء أو الطارئ الأمني. ومع ذلك، يجد نفسه مطالبًا بالصبر، والانتظار، والتفهم، وربما الاعتذار، فقط لأنه طرق باب المداومة.
في تلك اللحظات الحرجة، حيث يفترض أن تكون المداومة مرادفًا لليقظة، الجاهزية، والاستنفار، يكتشف المرتفق أنه دخل عالمًا مغايرًا. تحكمه ثقافة (الحد الأدنى)، وتُدار فيه الخدمات بمنطق تقليص الجهد لا حماية الأرواح والحقوق.
المداومة، في أصلها، ليست امتيازًا إضافيًا يمنح للموظف، ولا عبئًا استثنائيًا يمكن التحايل عليه، بل هي التعبير العملي عن استمرارية الدولة، وعن قدرتها على حماية صحة مواطنيها وأمنهم في كل الأوقات، لا فقط حين تكون الشمس في كبد السماء