لن يكون بالغريب على المواطنين أن يعاينوا يوما «الراية البيضاء» وهي ترفرف فوق مستشفياتنا بمختلف تراتبيتها، إقليمية، جهوية أو جامعية، ونفس الأمر قد يطال المراكز الصحية، التي تعد المسلك الأول للعلاجات، على المستوى النظري، معلنة عن إفلاس المنظومة الصحية وفشلها في تأمين الخدمات الصحية للمغاربة، سواء في المناطق التي تئن بنياتها التحتية، أو حتى في المدن الكبرى، كما هو الحال بالنسبة للعاصمة الاقتصادية! هو واقع، وليس مجرد حشو للكلام، فنحن أمام حقيقة مرّة، وإفلاس فعلي للمنظومة الصحية، التي تنتظر فقط تقديم اعتراف بذلك للعموم، عوض نهج سياسة الهروب إلى الأمام، لأن الأشخاص الذين يطرقون أبواب المستشفيات العمومية هم واعون بحجم المأساة، التي يعرفها أهل الدار حقّ المعرفة، الذين منهم من لم يقبل بالصمت، وانتفض لدقّ ناقوس الخطر، كما هو الحال بالنسبة لما يقع بمستشفى الهاروشي للأطفال بالدارالبيضاء، وعوض أن تلتقط المصالح المركزية للوزارة الرسالة، وتنكبّ على معالجة المعضلة بشكل جذري، يتم اللجوء إلى حلول ترقيعية، بمجهودات محلية، التي تمنح الأزمة فسحة زمنية جديدة في انتظار السكتة القلبية؟ مراكز صحية بدون أنسولين ونقص أو فقدان للأدوية، وأفاعي وعقارب تزهق أرواح الناشئة، شأنها في ذلك شأن كلاب تنشر السعار والموت وتتربص كل يوم بضحية، الذي يحرم الآباء حتى من تقبيل فلذات أكبادهم القبلة الأخيرة، فيوارى جثمانهم بعيدا عنهم، بدعوى تفادي العدوى، والحال أنها تنتشر في الشارع العام في كل مكان. خصاص في الموارد البشرية، مستشفيات عمومية بأجهزة معطلة، تحاليل مستعصية لافتقاد المفاعلات المخبرية، مواعيد مؤجلة، ووصفات توصي بضرورة اقتناء المواد شبه الطبية. عناوين متعددة للأعطاب، من بينها هجرة الأساتذة والأطباء، بفعل المغادرة الطوعية، ونتيجة للاستقالات وللتقاعد، وعوض الانكباب على حلّ الأزمة، يشرف وزير الصحة على افتتاح مرافق صحية للخواص، ويمنحها المباركة الرسمية، علما بأن عددا منها عبارة عن أذرع أخطبوطية لعقل احتكاري، لا يؤمن بالعدالة الصحية! هي حقيقة مستشفياتنا العمومية، ومنها مستشفى الهاروشي، الذي كان سيكون أمام فضيحة مطلع هذا الشهر بعد مغادرة طبيبين مقيمين لهذه المؤسسة الصحية العمومية، مما زاد في تعميق جراح الخصاص على مستوى الموارد البشرية، سيّما وأن وزارة الصحة لا توفر لتوظيف أطباء متخصصين في هذا الباب مناصب مالية، وهو ما كان سيعلٌّق الحراسة والمداومة التي باتت مستحيلة، ويؤدي إلى كارثة في حال طرق أبواب مصالح المستشفى أطفال في حاجة إلى تدخلات جراحية استعجالية، ولن يجدوا من يمكنه القيام بها، فكان أن تم اللجوء إلى خدمات طبيب متخصص في جراحة العظام بالنسبة للراشدين، وطبيب مختص في الطب الباطني، تمت «استعارتهما»، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مؤقتا؟ خطوة مؤقتة لكارثة مؤجلة، ليس في «الهاروشي» وحده، بل على صعيد مختلف المؤسسات الاستشفائية، لأن الخصاص هو في ارتفاع، والتوظيف جامد في غياب مناصب مالية، علما بأنه حين الحديث عن مستشفى الأطفال التابع للمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدارالبيضاء، فنحن نتكلم عن مؤسسة صحية تستقبل أعدادا كبيرة وحالات كثيرة لأطفال مرضى باختلاف الأمراض والعلل، يتعين أن يتم توفير كل المقومات المادية والبشرية لها لضمان تأمين خدماتها، سيّما وأن أسرّتها هي تعادل أسرّة باقي مستشفيات المدينة، التي قد لا يطرق بابها طارق، وقد يتم التوجه مباشرة إلى «الهاروشي» طلبا لخدمة صحية أفضل، التي قد لن تكون في المتناول، أو على الأقل، لن يبقى بالمقدور تأمينها وفقا للمواصفات والمعايير التي كانت تقدّم بها، وهو ما يفرض على الوزارة التعامل مع المشكل بجدية، ويتطلب من باقي المستشفيات الانخراط في تأمين الخدمات الصحية على قدم المساواة لأطفال المغاربة.