في مدينة غالبا ما تقع ضحية لجاذبيتها الخاصة، حيث يختلط التاريخ بالأسطورة السياحية، اختارت راندة الجبروني مسارا مغايرا للتعاطي مع طنجة؛ ليس بوصفها مجرد فضاء جغرافي، بل كبنية سردية معقدة تشكلت عبر عقود من التراكم اللغوي والثقافي، وتحديدا في الأدب الإسباني. وينظر إلى الجبروني اليوم داخل الأوساط الأكاديمية كواحدة من الأسماء الفاعلة في حقل الدراسات الإسبانية، حيث استطاعت عبر أدوات التحليل النصي والنقد المقارن أن تخضع "صورة طنجة" لمشرط البحث العلمي، بعيدا عن الكتابات الترويجية العابرة. وينطلق المسار الأكاديمي للجبروني من تخصص دقيق في اللغة وآدابها، وهو ما أهلها لتفكيك تمثلات المدينة في المتون السردية المعاصرة، سواء الإسبانية أو المغربية. وقد توجت هذا الاشتغال بإصدار مؤلف أكاديمي مرجعي باللغة الإسبانية، تبنته مؤسسة ثقافية إسبانية رصينة. حيث يقدم هذا العمل قراءة نقدية لكيفية حضور طنجة في نصوص الضفتين، معيدا ربط السرد بسياقاته التاريخية والاجتماعية، وهو ما جعل الكتاب مرجعا موجها بالأساس للنخبة البحثية والمهتمين بأدب المدن والدراسات المتوسطية، متجاوزا بذلك حدود الاستهلاك الجماهيري السريع. وعلى الرغم من أن لغة الكتابة الأولى لدى الجبروني هي الإسبانية، وهو خيار يفرضه تكوينها العلمي وطبيعة أبحاثها، إلا أن حضورها في المشهد الثقافي المغربي يظل ملموسا ونوعيا. ولا تعرف الجبروني بإنتاج سردي إبداعي كالرواية أو القصة، بل بصفتها باحثة رصينة تشارك بانتظام في الملتقيات والندوات الدولية والمحلية. وتتمحور مداخلاتها عادة حول إشكاليات التمثيل السردي للمكان، وقضايا الترجمة، والعلاقات الثقافية المغربية–الإسبانية، مما يضفي على حضورها طابعا علميا صرفا يبتعد عن الأضواء الإعلامية التقليدية. وعلى المستوى المحلي، يندرج هذا الاشتغال الأكاديمي ضمن سياق أوسع من التفاعل الثقافي مع أعمالها، من بين تجلياته إدراج صحيفة "طنجة 24" اسمها ضمن قائمة المرشحين لشخصية السنة في فئة الثقافة. ويقرأ هذا الترشيح كاعتراف بأهمية العمل الأكاديمي الذي تقوم به الجبروني في إعادة تشكيل الوعي بصورة المدينة، وكدليل على أن التأثير الثقافي لا يقتصر بالضرورة على الإنتاج الأدبي الجماهيري، بل يمتد ليشمل البحث الجاد الذي يعيد قراءة الذاكرة والهوية المكانية بأدوات معرفية دقيقة. وتظل راندة الجبروني، بمسارها المتماسك الذي يجمع بين التدريس الجامعي والبحث الأدبي، نموذجا للمثقف الأكاديمي الذي يشتغل في عمق القضايا الشائكة، مفضلة رصانة التحليل والمقاربة العلمية على إغراءات الكتابة الانطباعية، مما يجعلها حارسة أمينة للذاكرة الأدبية لمدينة طنجة في تقاطعاتها مع الجار الإيبيري.