يوم بيوم نور الدين مفتاح يكتب: من غارة جبيلات إلى سدّ وادي المحَازن نور الدين مفتاح نشر في 12 فبراير 2026 الساعة 14 و 22 دقيقة قبل أن أباشر الموضوع الرئيسي لهذه الافتتاحية، دعوني أعبّر عن تضامني مع آلاف المواطنين الذين يعيشون مأساة حقيقية في الغرب، وخصوصا في مدينة القصر الكبير التي تكاد تصبح مدينة أشباح. لقد فاض سد وادي المخازن بعدما فاقت نسبة امتلائه 140 بالمائة، ويكاد وادي اللوكوس أن يجر معه الأخضر واليابس. إنها بالطبع كوارث […] نور الدين مفتاح [email protected]
قبل أن أباشر الموضوع الرئيسي لهذه الافتتاحية، دعوني أعبّر عن تضامني مع آلاف المواطنين الذين يعيشون مأساة حقيقية في الغرب، وخصوصا في مدينة القصر الكبير التي تكاد تصبح مدينة أشباح.
لقد فاض سد وادي المخازن بعدما فاقت نسبة امتلائه 140 بالمائة، ويكاد وادي اللوكوس أن يجر معه الأخضر واليابس. إنها بالطبع كوارث طبيعية تقع في كل بلاد الدنيا، ولكن في الدنيا التي نعيشها نحن هنا، تصبح الكارثة الطبيعية كارثتان، واحدة ربانية والثانية بسبب نوع من المدبرين الذين يهيئون التربة الخصبة كي تتحول مشكلة طقس إلى جنازة وطن.
أما في مدينة القصر الكبير فالأمر يتعلق بثلاثة كوارث، اثنتان فيما ذكرنا، والثالثة في رجل هو علامة من علامات الساعة السياسية. إنه محمد السيمو الذي خلف من الآثار ما سيذكره بها التاريخ، ونورد منها اثنتان فقط، الأولى عندما كان المغاربة يحتفون بقرار مجلس الأمن 2797 حول اعتماد الحكم الذاتي كأساس للمفاوضات، فخرج بقوله المأثور أنه كان يستضيف في بيته الديبلوماسيين وما أن يتناولوا «البيصارة» حتى يخرجوا إلى باب الدار ليعترفوا بمغربية الصحراء!
وأما الأثر الجاري إلى اليوم، فإنه والمدينة التي يترأس مجلسها البلدي تغرق خرج يحث الناس على المغادرة ويقول لهم أن يفعلوا ذلك كما لو كانوا سيذهبون إلى مارتيل أو وادي لاو في العطلة الصيفية! وأضاف أن على كل أسرة أن تبحث عن خال أو عمة في منطقة بعيدة لتأويهم! هذا البرلماني، رغم أميته، أذكى من جحا. إنه سياسي القرن، ويجب أن يدرس تدبيره للكوارث في الجامعات الأمريكية مع إدخال «البيصارة» إلى المطاعم الجامعية.
في مدينة يجب أن يكون رئيس الجماعة مستعدا لمثل هذا اليوم، مسؤوليته هي توفير مآوي للناس، وترتيب عمليات الإجلاء وليس «الطنز العكري» ودعوة الناس للتخييم في واد لاو شتوية وهو يعرف أن جزءا كبيرا من الساكنة المغلوبة على أمرها تعيش بالمساعدات الاجتماعية التي لا تتجاوز 500 درهم في الشهر! والحمد لله أن هناك مؤسسات أخرى تدخلت لتنقذ صورتنا من هذا الوحل الذي مرَّغها فيه السيمو الذي يعتبر وحده سدّا ولكن لوادي المحازن (بالحاء). والكارثة الرابعة هي أن هذا الكائن من الرجال الأقوياء في الحزب الأول الذي يقود الحكومة، فلك الله يا وطن!
لنعد إلى موضوع هذه الورقة، والأمر يتعلق بردود الفعل الشعبية حول قرار الجزائر الشروع في استغلال منجم غارة جبيلات الذي يعتبر واحدا من أكبر مناجم الحديد في العالم. ما راقني أولا في القضية هو أن موضوعا مرَّت عليه بالتمام والكمال 56 عاما ومازال حاضرا في الذاكرة الجماعية للأجيال.
وملخص المسألة أن هناك اتفاقية بين المغرب والجزائر نشرت بالجريدة الرسمية الجزائرية سنة 1972 حول الاستغلال المشترك للمنجم، بحيث يتم استخراج حديده من جهة تندوف ونقله عبر التراب المغربي إلى أحد موانئنا الأطلسية وتصديره.
ذهبت التعاليق الغاضبة على القرار الجزائري إلى اعتبار الأمر خيانة وخرقا لاتفاقية رسمية، وهناك من وصل إلى حد الدعوة إلى رفع الأمر إلى المحاكم الدولية، وهذه حميّة محمودة، إلا أن القضية أعقد وأمرّ مما نتصور، وللذين يريدون معرفة تفاصيلها فما عليهم إلا الرجوع إلى مذكرات مستشار الملك الحسن الثاني الراحل عبد الهادي بوطالب، من الصفحة 228 إلى 237 من الطبعة الجديدة، «نصف قرن في السياسة»، وسأبدأ من ختام هذا الموضوع المتعلق بغارة جبيلات لنضع حدّا للأوهام: فعندما سأل الزميل حاتم البطيوي محاوره بوطالب: «إذن لقاء لوساكا مع بوتفليقة دق إسفين عدم تنفيذ اتفاق تلمسان؟ أجاب: نعم!
ولنعد إلى الحكاية من البداية: كانت حدودنا الشرقية غير مرسومة بشكل رسمي مع الجزائر، وكانت هناك أراض مغربية لا غبار عليها في المنطقة الشرقية. وفي 7 ماي 1970 ستنعقد قمة بين الحسن الثاني وبومدين بتلمسان، يقول عبد الهادي بوطالب الذي كان وزيرا للخارجية إنه لم يعلم عن فحواها أي شيء، ولا يوجد ملف عنها في وزارة الخارجية، وقد وصل وفد وازن إلى تلمسان يتصدره إدريس السلاوي المدير العام للديوان الملكي وأحمد العراقي الوزير الأول ووزير الخارجية ووزراء آخرون.
وبعد لقاء على انفراد بين قائدي البلدين حول غداء، تمت المناداة على بعض أعضاء الوفدين، حيث نادى بومدين على وزير خارجيته بوتفليقة ونادى الحسن الثاني على إدريس السلاوي وأحمد العراقي، وهو ما جعل عبد الهادي بوطالب يستشيط غضبا، وهو غضب سيشرحه بتفصيل مرعب، حيث إنه لما تم تدارك الأمر، دخل بوطالب وهو يدخن سيكاره الكوبي على غير ما يتطلبه البرتوكول، وعندما طلب منه الحسن الثاني أمام الجميع أن يختلي مع بوتفليقة لكتابة البيان الختامي، رفض علانية. وبعد رفع الجلسة، أرسل الحسن الثاني السلاوي إلى بوطالب ليهدئه، ولكن بوطالب ظل هائجا، وحتى عندما اجتمع الوفدان لصياغة البيان، ظل بوطالب يؤكد أنه لا يتوفر على عناصر الاتفاق، وهنا أخرج بوتفليقة مسودة بيان كانت سببا في زيادة صب البنزين على نار غضب وزير الخارجية المغربي، لأن بوتفليقة كتب أنه «يهنئ البلدين على الوصول لمرحلة النضج والعقلانية»، وهو ما اعتبره بوطالب سبّة! وانسحب من الاجتماع.
يقول في مذكراته إنه انسحب من أجل مشروع البيان ولكن أيضا: «لأنّه لم يعط لي كوزير مسؤول عن ديبلوماسية المغرب دور في المفاوضات قبل لقاء تلمسان». وبيت القصيد في الموضوع – كما يورد بوطالب – أن الحسن الثاني في خطاب العرش لسنة 1971 اعتبر أن لقاء تلمسان – بما فيه بالطبع اتفاقية غارة جبيلات – «لم يكن من ميدان السياسة الخارجية، ولكن من ميدان السياسة العائلية».
استدعى الملك بوطالب عندما عاد من تلمسان إلى وجدة، ولكن اللقاء كان عاصفا، وقدم بوطالب للحسن الثاني استقالته التي كان قد كتبها بخط يده، ورفض أن يقوم بمهمة إخبار الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة باتفاق تلمسان لأنه قال للملك: «يا مولاي إنني لا أعرف ما فعلتماه. فكيف يمكن أن أذهب إلى مهمة لأخبر الرئيس بورقيبة بما لا أعرفه».
ما هو الاتفاق إذن؟ يقول بوطالب إن الملك أخبره حينها أن «الاتفاق مع الجزائر تضمن شقّين هما: تسليم المغرب للجزائر التراب المختلف عليه، وقيام الطرفين بوضع معالم حجرية على الحدود القائمة بما يجعل من التراب المغربي ترابا جزائريا. ومن جهة أخرى تم الاتفاق على إقامة شراكة ثنائية مغربية – جزائرية في منجم غارة جبيلات فيما كان يسمى التراب المغربي، ليتم تقاسم إنتاجه مناصفة بين البلدين، على أن يؤمن المغرب للجزائر المرور عبر سكة حديديّة لإفراغ إنتاج المنجم من ميناء مغربي على المحيط الأطلسي لتصديره وتسويقه».
المشكل في هذا الموضوع ليس في مضمونه الذي كان مجحفا في حق المغرب، ولكن في تبعاته. فالملك طلب من بوطالب التعجيل «حتى يدخل موضوع الاتفاق حول منجم غارة جبيلات حيز التطبيق». وهنا سيحكي بوطالب بالتفصيل المؤلم رحلة مطاردته لوزير الخارجية الجزائري بوتفليقة بالهاتف، إلى أن تقرر اللقاء في لوساكا بمناسبة انعقاد مؤتمر قمة منظمة الوحدة الإفريقية، وكان منتظرا أن يتباحثا في باريس بعدما اتفقا على السفر مجتمعين من العاصمة الفرنسية إلى زامبيا، لكن بوتفليقة اعتذر في آخر لحظة. ثم تقرر أن يتطرقا للموضوع في الطائرة، فنام بوتفليقة! وفي لوساكا، دامت المطاردة ثلاثة أيام كان ختامها صدمة. فبعد سؤاله عما يفهمه من الاتفاق، قال بوتفليقة: «نفهم أننا اتفقنا أولا على أن التراب الذي يقع فيه المنجم هو تراب جزائري، وعلى أن نتقاسم مناصفة ما يفضل عن حاجات الجزائر الذاتية وحاجاتها للتصدير والتسويق». وأضاف: «هذا ليس فهمي، بل هذا موقف الجزائر وموقف الرئيس بومدين وموقف جبهة التحرير الجزائرية، وبلغوه هكذا لجلالة الملك».
الخلاصة الأولى إذن هي أن هذا الموضوع انتهى في 1970 بما هو واضح مما سلف وبما سماه الملك الراحل بالديبلوماسية العائلية. والنتائج تجعلنا نقول: ونِعْمَها عائلة هذه التي أكلت سيادتنا ونقضت العهود! وأما الخلاصة الثانية فهي أخطر، حيث يورد بوطالب أن لقاءه الصاخب مع الحسن الثاني كان قد حضره وزير الداخلية آنذاك الجينرال محمد أوفقير، وأنه بعد خروج بوطالب هنأه أوفقير، وهو يضغط على يده بحرارة على جرأته أمام الملك، بل دعاه ليرافقه في طائرته من وجدة إلى الرباط، ثم طلب الجينرال من وزير الخارجية أن يدعوه للغداء عنده في منزله، ففعل بوطالب. وكان أوفقير لاذعا في انتقاده للملك، وعندما قال له بوطالب إنه مستعد لإيصال المؤاخذات للحسن الثاني أجابه أوفقير ألا يضع رأسه «بين فكي الذئب»، وقال له أن يستعد لأن «البلاد في حاجة إليه عمّا قريب»! الغريب أن أوفقير الذي كان يهيء انقلابه على الحسن الثاني حمل الهاتف واتصل بالملك من حول مائدة الغداء وقال له أنا الآن في بيت بوطالب وقد أقنعته بالتراجع عن استقالته وسيسافر إلى تونس والمشكلة سويت!
ثلاثة رجال إذن، بوطالب الذي كان صلبا مع الملك كان وفيّا، وأوفقير الذي كان يحمل صورة الخديم المطيع كان خائنا، وبومدين الذي فرش له الحسن الثاني سجاد حسن النية هرب بسيادتنا على جزء من أراضينا. دروس ضمن أخرى ما تزال حاضرة في أسماء ووقائع إلى الآن، يكفي أن نلتفت إليها.
وأما غارة جبيلات فما هي إلا صفحة من صفحات أخرى طويت والعوض على الله.