بعد أقل من شهرين سيكون على الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن تنتخب رئيسا جديدا بعد أن استنفذ فوزي لقجع ولاياته القانونية. وقد كان لقجع قد أكمل ولايتين قانونيتين في 2022، وتم تعديل القانون ليكمل ولاية ثالثة ستنتهي بعد أسابيع. وإذا احترم القانون، ستكون واحدة من الصفحات الكبرى في الرياضة المغربية قد طويت بما لها وما عليها. ولهذا، وبين جدران مركب محمد السادس لكرة القدم بسلا، حيث تُرسم خطط المنتخبات الوطنية وتُدار الاجتماعات الكبرى للكرة المغربية، لا يُصنع الحاضر فقط، بل تُناقش أيضا ملامح مرحلة قد تكون الأكثر حساسية منذ أكثر من عقد. في قلب هذا التحول يقف اسم واحد ظل يطبع المشهد الكروي المغربي طوال السنوات الماضية.. فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. الرجل الذي صعد بسرعة داخل هرم الكرة الإفريقية والدولية، وبنى لنفسه صورة المسير القوي القادر على فرض حضور المغرب داخل دوائر القرار، يقف اليوم أمام سؤال يفرض نفسه بقوة. ماذا سيبقى من إرثه إذا طوى صفحة رئاسة الجامعة؟ وهل كانت هذه المرحلة تأسيسا لنموذج مؤسساتي مستدام، أم مجرد حقبة ارتبطت بشخص واحد استطاع أن يتمركز في قلب كل القرارات؟ هذه الأسئلة لا تنبع فقط من حجم الإنجازات التي تحققت في عهده، بل أيضا من حجم الجدل الذي رافق تدبيره للكرة الوطنية، ومن طبيعة النظام الإداري الذي تشكل حوله خلال أكثر من عشر سنوات.
صعود الرجل القوي في الكرة المغربية.. لحظة تاريخية مواتية
حين تولى فوزي لقجع رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سنة 2014، كان المشهد الكروي المغربي يعيش حالة من الارتباك التنظيمي والنتائج المتذبذبة. الأندية كانت تعاني من أزمات مالية خانقة، والمنتخب الوطني يبحث عن الاستقرار التقني بعد سنوات من الإخفاقات، فيما كانت البنية التحتية الرياضية بعيدة عن المعايير التي تسمح للمغرب بمنافسة القوى الكروية الكبرى قاريا ودوليا.
غير أن وصول لقجع إلى قيادة الجامعة تزامن مع لحظة سياسية ورياضية مواتية، تميزت بارتفاع غير مسبوق في اهتمام الدولة المغربية بالرياضة عموما وكرة القدم على وجه الخصوص. فقد بدأت خلال تلك المرحلة استثمارات مالية كبيرة في البنية التحتية الرياضية وفي مشاريع التكوين، وهو ما وفر للجامعة إمكانيات لم تكن متاحة في مراحل سابقة من تاريخ الكرة المغربية.
في هذا السياق، شهدت البلاد عملية تحديث واسعة للملاعب والمنشآت الرياضية، كما أطلقت مشاريع تكوين كبرى كان أبرزها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، ثم تعزز الصروح الوطنية بمركب محمد السادس لكرة القدم بالمعمورة الذي تحول إلى مجمع رياضي ضخم بمواصفات عالمية يجمع المنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها ويشكل أحد أهم مراكز التدريب في العالم.
بلغت هذه الدينامية ذروتها مع الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم 2022، حين أصبح أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ الدور نصف النهائي. لم يكن ذلك الإنجاز مجرد نتيجة رياضية عابرة، بل لحظة رمزية عززت صورة المغرب بوصفه قوة صاعدة في كرة القدم الدولية. لكن هذه النجاحات، على أهميتها، ارتبطت أيضا بظروف سياسية ومالية استثنائية، جعلت كثيرا من المتابعين يعتبرون أن صعود لقجع في هرم الكرة المغربية جاء في سياق لحظة تاريخية اتسمت بتوفر إمكانيات واستثمارات غير مسبوقة في هذا القطاع.
القوة الناعمة.. استثمار الدولة وصعود النفوذ المغربي
لم تكن ملحمة قطر 2022 أو الحضور المتزايد للمنتخبات المغربية في المنافسات الإفريقية والدولية وليدة الصدفة، بل جاءت في إطار رؤية أوسع جعلت من الرياضة، وخصوصا كرة القدم، إحدى أدوات القوة الناعمة في السياسة المغربية خلال العقد الأخير.
ففي تلك الفترة، ارتفعت الاستثمارات العمومية في المجال الرياضي بشكل واضح على اعتبار أن كرة القدم يمكن أن تكون أحد المجالات القادرة على تعزيز صورة المغرب إقليميا وقاريا. هذا التوجه فتح المجال أمام الجامعة لتوسيع حضورها داخل المؤسسات الكروية الدولية، حيث تمكن لقجع من تعزيز النفوذ المغربي داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم.
استفاد رئيس الجامعة من هذه الدينامية ليصبح واحدا من أبرز الفاعلين داخل دوائر القرار الكروي، مستندا إلى شبكة علاقات متنامية وإلى الدعم الذي وفرته الاستراتيجية المغربية الرامية إلى تعزيز حضور المملكة داخل القارة السمراء.
وتوج هذا المسار بفوز المغرب بشرف تنظيم كأس العالم 2030 ضمن الملف المشترك مع إسبانيا والبرتغال، وهو إنجاز اعتُبر لحظة اعتراف دولي بقدرة المملكة على تنظيم أكبر حدث كروي في العالم.
غير أن هذا النجاح أعاد أيضا طرح سؤال جوهري داخل المشهد الرياضي المغربي. إلى أي حد يعكس هذا الصعود قوة المؤسسات الكروية الوطنية؟ وإلى أي حد كان نتيجة تلاقي ظرفية سياسية واستثمار مالي ضخم تزامن مع وجود لقجع على رأس الجامعة؟
الإصلاح الاقتصادي للأندية.. الوعود التي تعثرت
عندما خاض لقجع حملته الانتخابية الأولى لرئاسة الجامعة، قدم تصورا طموحا لإعادة هيكلة الاقتصاد الكروي المغربي. كان الهدف المعلن آنذاك هو الانتقال من نموذج الأندية الهاوية التي تعتمد على الدعم العمومي إلى نموذج احترافي يقوم على قواعد مالية واضحة واستثمارات مستقرة.
هذا المشروع كان يفترض أن يقود إلى تحول جذري في طريقة تسيير الأندية. فقد كان الحديث يدور عن ضرورة تحويل الفرق إلى شركات رياضية حقيقية تمتلك هياكل مالية وإدارية واضحة، بما يسمح لها بالعمل وفق منطق اقتصادي حديث بعيدا عن التدبير العشوائي. كما كان من بين الأهداف فرض نموذج اقتصادي شفاف يحد من تضخم الصفقات ومن الاختلالات التي تطبع سوق الانتقالات، إضافة إلى وضع نظام رقابي صارم يضمن تتبع الوضعية المالية للأندية ويمنع تراكم الديون بشكل غير قابل للسيطرة.
وكانت إحدى النقاط التي أثارها المشروع أيضا تتعلق بضرورة معالجة النزاعات المتكررة بين الأندية واللاعبين والمدربين، وهي نزاعات مازالت إلى اليوم تستنزف ميزانيات الفرق وتدفع الكثير منها إلى أزمات مالية متتالية.
غير أن الحصيلة بعد أكثر من عقد تبدو أقل من الطموحات التي رافقت تلك الوعود. فعملية تحويل الأندية إلى شركات لم تتحول في كثير من الحالات إلى تحول اقتصادي حقيقي، بل بقيت شركات شكلية تفتقر إلى نموذج مالي شفاف ومستدام. كما استمرت النزاعات القانونية في استنزاف ميزانيات الأندية أمام الهيئات القضائية الرياضية، في ظل غياب نظام صارم يفرض الانضباط المالي ويمنع تكرار الاختلالات نفسها كل موسم وفق قواعد اللعب المالي النظيف كما هو معمول به في أوروبا مثلا.
معضلة التكوين.. الجامعة تعوض غياب الأندية
يُعد ملف التكوين أحد أهم الأسئلة التي رافقت تجربة لقجع في رئاسة الجامعة. فبالرغم من الخطاب الرسمي الذي يؤكد أهمية الاستثمار في الفئات الصغرى، فإن واقع الأندية المغربية ظل بعيدا عن بناء منظومات تكوين قوية قادرة على إنتاج اللاعبين بشكل منتظم.
في المقابل، ظهرت مبادرات مهمة مثل أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي تحولت إلى أحد أبرز مشاريع التكوين في إفريقيا، وأسهمت في بروز عدد من المواهب التي التحقت لاحقا بالمنتخبات الوطنية أو بالأندية الأوروبية.
لكن نجاح هذه التجربة لم يكن كافيا لتعويض ضعف منظومات التكوين داخل الأندية. فمعظم الفرق المغربية لم تنجح في إنشاء مدارس كروية قادرة على العمل وفق معايير احترافية، وهو ما دفع الجامعة نفسها إلى إنشاء مراكز تكوين جهوية في عدد من مناطق المملكة لتعويض هذا النقص. هذا الواقع خلق مفارقة واضحة. فبدل أن تكون الأندية هي القاعدة الأساسية لإنتاج اللاعبين، أصبحت الجامعة نفسها مضطرة إلى التدخل لسد هذا الفراغ بإنشاء مراكز تكوين جهوية، وهو ما يعكس استمرار الخلل البنيوي في منظومة التكوين الوطنية.
إنجازات المنتخبات.. شكرا لمغاربة العالم ورغم النجاحات اللافتة التي حققتها المنتخبات الوطنية خلال السنوات الأخيرة في مختلف الفئات العمرية، فإن جزءا مهما من هذه الطفرة الكروية يرتبط بعامل آخر لا يقل أهمية عن مشاريع التكوين المحلية، وهو الحضور القوي للاعبين المنحدرين من الجالية المغربية في أوروبا. فقد أصبح مغاربة العالم يشكلون العمود الفقري لمعظم المنتخبات الوطنية خصوصا بعدما غيرت الجامعة بتوصية من المدير التقني السابق منظومة الاستهداف بالتركيز على إغراء اللاعبين الصغار على تمثيل منتخب بلاد الأجداد والأسلاف.
هذا الواقع يعكس نجاح الجامعة في استقطاب المواهب المغربية المزدوجة الجنسية وإقناعها بحمل القميص الوطني، لكنه في الوقت ذاته يفتح نقاشا أوسع حول فعالية منظومة التكوين المحلية داخل الأندية المغربية. فالكثير من النجاحات التي تحققت على مستوى المنتخبات كانت ثمرة عمل أكاديميات أوروبية احتضنت هؤلاء اللاعبين منذ الصغر، مما جعل بعض المتابعين يرون أن الطفرة الكروية للمنتخبات الوطنية لا تعكس بالضرورة تطورا موازيا في بنية التكوين داخل البطولة المحلية.
وبينما نجحت الجامعة في بناء علاقات تواصل مفتوحة مع المواهب المغربية في الخارج من شبكة واسعة من المنقبين، يظل التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة هو تحويل هذا الزخم إلى منظومة تكوين وطنية قادرة على إنتاج اللاعبين بالجودة ذاتها داخل المغرب، حتى لا تبقى المنتخبات الوطنية معتمدة بشكل شبه كامل على المدارس الكروية الأوروبية.
الإدارة التقنية.. دائرة نفوذ ضيقة
خلال السنوات الماضية تشكلت داخل الإدارة التقنية الوطنية شبكة من الأسماء التي أصبحت تحظى بنفوذ واسع في تدبير عدد كبير من الملفات المرتبطة بالتكوين والتأطير التقني. هذا الوضع جعل الكثير من المدربين يشعرون بأن المجال المهني أصبح شديد الحساسية، حيث إن الانتقاد العلني لعمل الإدارة التقنية قد يؤدي إلى إقصاء غير معلن من فرص العمل داخل المغرب أو من مسارات الحصول على شهادات التدريب.
وبمرور الوقت، ترسخ الانطباع لدى عدد من المتابعين بأن الإدارة التقنية تحولت إلى دائرة مغلقة يصعب على الأسماء الجديدة اختراقها، الأمر الذي أثار نقاشا واسعا حول مدى انفتاح المنظومة التقنية الوطنية وقدرتها على استيعاب الكفاءات المختلفة.
البطولة الوطنية... الحلقة الأضعف في المنظومة
رغم الإنجازات التي تحققت على مستوى المنتخبات الوطنية، ظلت البطولة المغربية تعاني من مشاكل تنظيمية وهيكلية متكررة.
يُعد ملف التحكيم أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للنقاش داخل كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة. فبالرغم من محاولات تحديث المنظومة التحكيمية وإدخال تقنيات جديدة، ظل الجدل حول قرارات الحكام حاضرا بقوة في أغلب جولات البطولة، مما جعل الثقة في المنظومة التحكيمية تتعرض لاختبارات متكررة.
وتفاقم النقاش حول هذا الملف في الفترة الأخيرة بعد استقالة الحكمة الدولية بشرى كربوبي، وهي خطوة اعتبرها كثيرون مؤشرا على حجم الضغوط التي قد يواجهها الحكام داخل البطولة الوطنية. فقد أعادت هذه الواقعة فتح نقاش قديم حول ظروف عمل الحكام، وطبيعة الضغوط التي يتعرضون لها من الأندية والجماهير، فضلا عن التساؤلات المرتبطة بآليات الحماية والدعم التي توفرها المنظومة التحكيمية.
هذا الجدل المستمر جعل التحكيم أحد أكثر الملفات حساسية في تقييم تدبير الكرة الوطنية، خصوصا أن كل موسم كروي يكاد يعيد إنتاج النقاش نفسه حول الأخطاء التحكيمية وتأثيرها في نتائج المباريات.
بعيدا عن ملف التحكيم، ظلت برمجة مباريات البطولة الوطنية واحدة من أبرز النقاط التي تثير استياء الأندية والجماهير على حد سواء. فالتأجيلات المتكررة للمباريات، وتغيير مواعيد الجولات بشكل مفاجئ، خلقا حالة من الارتباك التنظيمي التي أثرت على إيقاع المنافسة واستعدادات الفرق.
هذا الوضع يرتبط في جزء منه بتعدد الالتزامات القارية والدولية للأندية والمنتخبات، لكنه يعكس أيضا صعوبة إيجاد توازن مستقر في روزنامة المسابقات الوطنية. كما أن هذا الارتباك في البرمجة ينعكس على الجوانب التقنية والمالية للأندية، التي تجد نفسها في كثير من الأحيان مضطرة لتغيير خططها التدريبية واللوجستية بسبب التعديلات المتكررة في جدول المباريات.
ورغم أن تدبير البطولة يقع رسميا تحت مسؤولية العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية، فإن بصمة الجامعة ولقجع تحديدا ظلت حاضرة في كثير من المحطات بدليل أنها حتى اليوم لم تستطع إنشاء موقع إلكتروني خاص ولا هيكلة واضحة بما فيها مديرية التواصل حيث تعتمد على صفحات مواقع التواصل لبت أخبار مقتضبة من حين لآخر.
مؤسسة أم منظومة تتمحور حول شخص؟
أكثر الأسئلة حساسية في تقييم تجربة لقجع يتعلق بطبيعة النظام الإداري الذي تشكل داخل الجامعة خلال عهده. ففي الوقت الذي نجح فيه في بناء حضور قوي داخل المؤسسات الكروية الدولية، يرى بعض المنتقدين أنه لم ينجح في ترسيخ نموذج مؤسساتي مستقل عن شخص الرئيس. إذ إن العديد من القرارات الأساسية ظلت مرتبطة بشكل مباشر بدائرة ضيقة من المقربين، في حين بدا أن أعضاء المكتب الجامعي يلعبون أدوارا ثانوية في تدبير الملفات الكبرى.
هذا النمط من التسيير جعل صورة كرة القدم المغربية ترتبط بشكل شبه كامل باسم لقجع، حتى أصبح حضوره الإعلامي والسياسي يطغى على حضور المؤسسة نفسها. ويرى بعض المتابعين أن هذه المركزية الشديدة في القرار خلقت منظومة تعتمد على الكاريزما الشخصية للرئيس أكثر مما تعتمد على مؤسسات قوية قادرة على الاستمرار بالفعالية نفسها بعد رحيله.
ما بعد لقجع.. اختبار المؤسسة
إذا كان عهد لقجع قد نجح في رفع مكانة المغرب قاريا ودوليا، فإن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة سيكون في ضمان استمرارية هذه المكتسبات خارج ظل الرجل القوي.
فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط باسم الرئيس القادم، بل بمدى قدرة الجامعة على التحول إلى مؤسسة قائمة بذاتها، تعمل وفق قواعد واضحة وتستند إلى توازن حقيقي في مراكز القرار. إن إرث فوزي لقجع لا يُختزل في الملاعب التي شُيدت أو في الإنجازات الرياضية التي تحققت خلال عقد من الزمن، بل يتجسد أيضا في النموذج الإداري الذي تشكل داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم طوال هذه السنوات. نموذج رفع سقف الطموح ووسع حضور المغرب قاريا ودوليا، لكنه في المقابل طرح أسئلة عميقة حول مدى رسوخ المؤسسة وقدرتها على العمل بعيدا عن مركزية الشخص.
السنوات المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه المرحلة قد أرست بالفعل أسس منظومة كروية حديثة قادرة على الاستمرار بذاتها، أم أنها ستُقرأ لاحقا باعتبارها حقبة استثنائية ارتبطت بظروف سياسية ورياضية مواتية، وبشخص واحد تمكن من أن يصبح الوجه الأكثر حضورا وتأثيرا في كرة القدم المغربية لعقد كامل.