—- وسرت في الناس همسة ندية، مع أمطار السابع والعشرين من رمضان، جاء الكأس وزهق الباطل، إن الكأس كان للمغرب حقا. —- قليلون شعروا بالهزة الأرضية التي حدثت ليلة الثلاثاء الماضي، ذلك لأن الأغلبية الساحقة من المغاربة كانوا تحت تأثير زلزال رياضي قوي غطى على ارتداد الأرض على نفسها. وقد حدث مع مغرب كرة القدم وكأس إفريقيا ما لم يحدث مع غيره من الدول والقارات والكؤوس العالمية، وأصبح لتاريخ كرة القدم خصوصا والرياضة عموما، سابقةُ سحب الكأس من السنغال، وإعلان المغرب الفائز الرسمي بأثر رجعي، في حدث لم يسبق إليه .. أحد من العالمين. في بلد الأشياء الاستثنائية أضفنا استثناء آخر… وفي سياق نفس الاستثناء نحن نعيش مقابلة أخرى، حدث فيها أن غادر المدرب -وليد الكراكي في هذا السيناريو- مكانه في تدبير أطوارها وتركه لمحامي الجامعة الملكية لكرة القدم، الذي ترافع أمام محكمة الكاف. وحلَّ القلم مكان القدم في تدبير ما بعد نهائي 18 يناير الماضي… وبعد فصول كرة القدم في ذلك اليوم المشهود، ترافع المغرب، ب»نون» القانون و»قلم» المسطرة أمام «الكاف»، مجددا، من أجل الدفاع عن حقه في الحصول على كأس، كان ضياعها نتيجة طيش كروي أكثر من فوز مستحق. المغاربة، ولا شك، شعروا بأن جرحا نرسيسيا قد أصابهم، وصدمة ترنحت الأرض تحت أقدامهم إثرها. كما لو أن الشمس لم تعد مركز الكون، والأرض كلها ضاعت في ملعب الرباط، ذلك الليل، وذلك العرس الكروي «الكوبرنيكي» ضاعت روعته بسبب السلوك الكروي للآخرين… كما لو أن الكرة تخلت عن قوانينها النبيلة لتُعيد القارة مجددا إلى السلوكات الغريزية، وتُسقط التقدم الذي حصل والارتقاء الحضاري، الذي تحقق مع التنظيم المغربي، وندخل في كوابيس وأضغاث أحلام…لم تكن في الحسبان. في تلك الهزة النفسية القوية، شعرت 'الأنا المغربية الجماعية' كما لو أنها لم تعد سيدة مكانها، ولا عادت لها الكلمة في بيتها الكروي، كما لو أن الغريزة الجياشة للذباب الإلكتروني، والتناور، والخديعة، كانت أقوى من الحق في الاعتزاز بالمغرب، وأن الروح الرياضية قابلة للخديعة، وليست هاته الروح هي القانون الوحيد بل هناك دوافع ورغبات ومنطلقات مغايرة تسيدت في لحظة عالية الضغط وجرحت نفسية المغاربة قاطبة. هذه الجراح النرسيسية، بدا أول أمس كما لو أن قرار الكاف أعادها إلى الواجهة وأنصف المغرب منها. وبدا كما لو أن الحق عاد، وتم تضميد الجرح النرسيسي الجماعي الذي أصيب به المغاربة، في الملعب وخارجه، وسرت في الناس همسة ندية، مع أمطار السابع والعشرين من رمضان.. عاد الكأس وزهق الباطل، إن الكأس كان للمغرب حقا. في بلد الاستثناءات هناك استثناء إضافي… هناك ما بعد قرار ليلة الثلاثاء، في السنغال وفي المغرب، على وجه التحديد، ولاشك أن الذين تفاعلوا سلبا مع أطوار النهائيات الإفريقية سيعودون إلى الواجهة ويصبون الزيت على النار، وسيعيدون نفس السرديات المنقبضة والعُصابية، وعلينا أن نهيئ سرديتنا القوية وتفاصيلها بدون خجل ولا شح في المعلومات… لا بد من نشر تفاصيل الحكم وحيثياته، والانتشار في الواقعي وفي الافتراضي بسرْديتنا التي لا بد منها.