كانت المناسبة شرطٌ حينما قفلتُ عائدًا إلى باكورة أعمال الروائي المصري يوسف زيدان…المناسبة حينها حادثة "لُفافة التبغ"في مهرجان تويزا في طنجة التي سحبت معها ضجيجًا كبيرًا…اجتهد البعض في تنطُّعٍ مألوف عن استعلاء الشرق عن أرض المغرب…وحيث أنَّ الواقع العربي الإسلامي واحدٌ، في شرقه كما غربه، فثمة وجوبٌ لأن نستعيد مكنونًا روائيَّا لم يَصدأ بعد عن معناه، ولم يَفرغُ من نظرته تجاه المرأة…لكن قبل ذلك، يوسف زيدان سليلُ بيئة الأدب، وسليلُ عمقٍ حضاري بصم في وقتٍ سابقٍ مُنجزنا الأدبي في مثل ما أنجزه رافع رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وفرح أنطون…وبيئةٍ أدبيةٍ ولاَّدة أنتجت قامات صدحت إلى العالمية الروائية بفضل أعمال نجيب محفوظ وصنع الله ابراهيم ورضوى عاشور…وهي أعمال نقلت إلى العالم تناقضات المجتمع المصري وعذاباته بين القديم والحديث، قديمٌ لم يمت، وجديدٌ لم يولد جراء صدمة الحداثة التي أتت من فوهات المدافع النابليونية. تُجلي أحداث الرواية النَّظر عميقًا حول زوج يحاولُ استرضاء زوجته، بعدما نشزت عنه بلا سبب عارض لتنقل لنا حالة الجفاء التي تطبع العلاقات الزوجية في مجتمع مصلحي تغيب عنه مشاعر الود والحب والتقدير…يَجدُ الزوج نفسه مُستجديًا الجدَّ الباشا لإعادة الزوجة إلى جادة الصواب، لأن الأمر يتعلق ببنيات اجتماعية وثقافية تحتاج إلى وساطة لاسترضاء العواطف والمشاعر، وكأني به يحاول أن يقول: هناك أزمة عاطفية تحول دون تحررنا الوجداني… وفي التقرب من عالم العاطفة تحتفي الرواية بالأمومة والأبوة، حيث "الأمومة طبيعة، والأبوَّة ثقافة، الأمومة يقين، والأبوة غلبة ظن، الأمومة أصل في الأنثى، والأبوة فرع مكتسب". الأمر في عمقه يعيد بعث جدلية الطبيعة والثقافة في الفكر البشري وحدود التمايز بينهما، وهي ذاتها، أي الزوجة التي تتلقى رسائل بريدية من عند والدتها التي كانت قد هجرتها في صغرها بعد وفاة والدها، مما سيفجر لديها مكبوتات عاطفية تجاه أصلها البيولوجي، وسيجعلها تكره الجد والزوج لتصلبهما الذكوري… تقف الرواية عند عمق التحول والتدرج من منزلة التقديس لدى المصريين القدامى إلى منزلة التدنيس لدى المصريين اليوم وسط مجتمع يحتفي بالذكورة وبالعقلية الباترياركية…تتأكد هذه الرؤية من خلال معظم الرسائل التي كانت ترسلها الأم إلى ابنتها… "يوم أُفني كل ما خَلَقت، ستعود الأرضُ محيطًا بلا نهاية، مثلما كانت في البدء وحدي أنا، سأبقى، وأصيرُ كما كنت قبلاً أَفعى، خفيةً، عصية على الأَفهام….". تحاول الرواية أن تعكس صورة المرأة في مِخيالنا الثقافي، وسيرورة تدرجها من الأنثى المقدسة إلى الأنثى المدنسة؛ من الأنثى في صورة الأم رمز الحنان والعطف إلى الأنثى في صورة الشيطان التي ترذل بالانسان في سراديب الرذيلة، والرواية لا تقصد الإساءة إلى المرأة بتاتًا، بقدر ما تستصرخ الضمائر نحو تحقيق المصالحة مع الذات…وفي عوالم العلاقات بينهما يَجدُّ السؤال…السؤال هو الانسان، والانسان سؤال لا إجابة. وكلُّ وجودٍ انساني احتشدت فيه الإجابات فهو وجود ميت! وما الأسئلة إلا روحُ الوجود، بالسؤال بدأت المعرفة وبه عرف الإنسان هويته. فالكائنات غير الإنسانية لا تسأل، بل تقبل كل ما في حاضرها، وكل ما يحاصرها. الاجابةُ حاضرٌ يحاصر الكائن، والسؤالُ جناحٌ يحلّق بالانسان إلى الأفق الأعلى من كيانه المحسوس. السؤالُ جرأةٌ على الحاضر، وتمرّدُ المحَاصَر على المحاصِر، فلا تحاصرك الإجابات، فتذهلك عنك، وتسلب هويتك… يوسف زيدان كاتب وباحث متخصص في التراث العربي والمخطوطات ولد بسوهاج بجنوب مصر عام 1958م، له العديد من المؤلفات والأبحاث العلمية في الفكر الإسلامي، والتصوف، وتاريخ الطب والعلوم عند العرب. من مؤلفاته: رواية عزازيل: الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية لسنة 2009، وصلت الى الطبعة السادسة عشرة عن دار الشروق المصرية، وهي من أهم الروايات العربية في تاريخ اللاهوت المسيحي.